ثلاثة سوريين وثلاث قصص في إنطاكيا

حجم الخط
6

يصل شبان ثلاثة في الصباح لسوق تجاري ضخم في مدينة انطاكيا التركية، حيث يقيم الاف السوريين النازحين، يبدأون في أعمال التنظيف في أحد المحلات. ألاحظ قسمات وجوههم العربية فاتحدث اليهم ليتبين لي أنهم سوريون، أكبرهم لم يبلغ العشرين عاما، ما الذي دفعكم إلى هذه المهنة الشاقة اسألهم؟ ومقابل أجر زهيد لا يتعدى الثلاثمئة دولار شهريا؟
يجيبون عسر الحال، فأسرهم تقيم هنا بلا معيل.. تركوا دراستهم لتأمين لقمة العيش.. مثلهم الالاف من شباب مناطق المعارضة، الذين دمر مستقبلهم بعد ان تشردوا مع عائلاتهم في بلاد اللجوء.. لقد دمرت الحرب جيلا جديدا.
كل واحد من هؤلاء الشباب يحمل قصة من قريته.. أولهم كان مقاتلا في الجيش الحر باللاذقية، وخاض معارك رواها بأدق تفاصيلها، بدأ يلاحظ ان أحد القادة في كتيبته «حرامي» يسرق اموال الدعم التي تأتي لفصيلهم من قيادة الأركان، فخرج هو ومجموعة من رفاقه من هذا الفصيل وانضموا لجبهة النصرة.. سمعتها أفضل هكذا يقول. بعد فترة اصطدمت النصرة بفصيل «تنظيم الدولة» ونشأ نزاع بينهما، ولسبب ما اراد الشاب الانضمام لـ»الدولة» وترك النصرة، وأبلغ بعض زملائه نيته، وعندما سمع بذلك قادته في النصرة أوشكوا على قتله وطردوه.
يعود الى قريته.. يقصف النظام منزلهم فيضطر إلى ترك سوريا وأخذ عائلته لتركيا.. «كيف اعود للقتال واهلي جوعى» يقول الشاب وهو يعصر خرقة التنظيف وقلبه يعتصر قهرا.
هو واحد من مئات الشباب الذين اضطروا لترك القتال مع الثوار.
إما لخلافات حول الفساد مع فصائلهم، أو لان تدرجهم في سلم التطرف من «الجيش الحر» حتى «داعش» عرضهم لنقمة القادة العسكريين الغارقين في منافساتهم الجهوية المناطقية مع الفصائل الاخرى.
الشاب الآخر كان طالبا في كلية الهندسة في مدينة حماة.. اعتقله النظام مع زملائه، ثم هاجمت قوات الشبيحة قراهم الى ان اضطر هو وأسرته لمغادرة بلدته الريفية الجميلة «طيبة الامام» المعروفة بحب أهلها للعلم والثقافة.. فلا تجد فيها من لم يكمل دراسته الجامعية الا القليل.. كحال هذا الشاب الذي ترك الهندسة ليصبح عامل نظافة.
اما الشاب الثالث فقد فقد اخاه المقاتل في إحدى معارك الثوار.. وظل مع أسرته معيلا وحيدا لان اباه سائق سيارة الاجرة اعتقل عند احد الحواجز لسبب بسيط، لكنه عند النظام جلل.. هويته بها كسر.. ظل الشاب يرعى أسرته الفقيرة في ريف حلب مبتعدا عن اي نشاط ثوري، بانتظار خروج والده من المعتقل.. يعمل الشاب ليل نهار في بقالته الصغيرة من اجل تجميع مبلغ يفدي به والده في المعتقل.. اتفق مع ضابط فرع أمني على دفع مبلغ خمسة الاف دولار لاخراج والده.. مبلغ بسيط مقارنة بغيره.. فوالده بحسب الضابط «شغلته فارطة.. مسكورة هويته مكسور الرقبة».
دفع الشاب نصف المـــبلغ.. ليخـــبروه ان والده مات تحت التعــــذيب من فترة.. لكنهم سيفعلون خيرا بتسليم جثته. قبل ان تسقط دمعته وهو يروي قصة والده.. سمعنا صوت طفل صغير يناديـــه من بعـــيد عند طـــرف الشارع.. قطع علينا جو الحزن.. انه اخوه الصغير يبيع المناديل الورقية والقــــداحات من على «بسطة» علقها برقبته بحبل قصير.. صاح الولد مبتسما «لا تتأخر عالبيت.. انا راجع اليوم بكير لاني بعت كل بضاعتي عبكير.. وكمان اجت وحده تركية واعطتني عشر ليرات هدية» ضحكنا جميعا.
انتهت قصص الشبان الثلاثة.. نظرت في عيونهم.. ولم املك إلا أن أقول لهم مودعا.. الله يعين.

٭ كاتب فلسطيني

وائل عصام

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية