ثلاثون كاتباً يحررون موسوعة ضخمة عن حكايات الاستبداد في سورية

حجم الخط
3

هي مجموعة مفردات أحكمت الطوقَ على المجتمع السوري… مفردات لا تلمح فيها أثراً لتنمية أو ثقافة إلا بقدر ما تؤثر على الحياة السورية العريضة.
معد الكتاب الأديب الساخر خطيب بدلة هو الذي فصل الحكايات، وبسّطها، ورتبها بهدوء، وكأنه حائك عقد علاقة صداقة مع القماش وكؤوس الشاي.
شخصية القائد الملهم، والشعارات المصاحبة لحضوره، ووجوه الرجال الذين يحيطون به… الحزب، والأمن، والجهاز العسكري، وأخيراً السجن، هي الركائز الأساسية لعمارة هذا الكتاب الذي يقع في 260 صفحة من القطع الكبير.
استفرد الكتاب المشاركون في صياغة هذا الصرح الأدبي بكل جانب، وعرضوا مجموعة نصوص مشغولة بعناية حلواني، وعُمق مُنَظِّر، فبدا الديكتاتور عارياً، وأدواته مفضوحة معرضة للسخرية.
أجهزة الأمن وملحقات القمع وأدوات ترويض المواطن وتطويعه عُرضت كلها بنثر جميل جذاب يثير الأسى بقدر ما يثير الابتسام.
يبدأ الكتاب ببضع مسلمات يسميها خطيب بدلة «معابر للهواء الطلق».. فهو لا يفترض وجود أية «شروط ابتدائية» لقراءة الحكايات ويرفع «الكلفة» من أول كلمة معتبراً أن ما جاء في الكتاب عبارة عن «حكي» يندرج تحت تطلعات أبي حيان التوحيدي في الإمتاع والمؤانسة، ويصر على التذكير بالجندي الطيب شفيك ومبتكره الروائي التشيكي الفذ ياروسلاف هاتشيك، ولكن مع المضي عميقاً في تقليب صفحات كتاب الحكايات يتكشف الألم الذي يختفي تحت مؤانسات التوحيدي، أما الضحك الذي يفتعله الجندي الطيب شفيك فليست سوى صفعات قاسية على وجنات مجتمع برمته.
يفرد الكتاب فصوله الثلاث الأولى في عرض «نظرية» خطيب في تحرير الكتاب. وكمعلم معياري فائق الضبط يحدد سمير سعيفان بديهيات ينبني عليها كل ما سيأتي من فصول، ورغم بديهيتها يبدو ذكرها ضرورياً كخطابات التأبين. وما إن ينتهي من تعدادها حتى يبدأ الكتاب بشكل فعلي، ومن الفصل الرابع، حيث يستعيد إياد جميل محفوظ حكايات رواها له الدكتور فاخر عاقل، يظهر منها أن البعث كان مجموعة من الشخصيات النمطية التي تحمل جينة وراثية واحدة هي جينة الولاء، وتتوقع بكل من يقابلها وجود الجينة ذاتها، أعني جينة الولاء التي ستصبح بليدة ومضحكة حينما يحول البائع البسيط في حكاية وائل زيدان دولةَ البعث إلى مجرد دولة لـ «فلافل الحديقة»! ويتخيل هشام الواوي زميلاً له في معكسر التدريب الجامعي يقول في الليل ما لا يتمكن الجميع قوله في النهار، ثم يضع رأسه على المخدة وينام، وفي النهار ينسى هو وزملاؤه ما حصل، والأصح أنهم يتناسونه.
شخصية القائد يفككها، في الفصل السادس، مجموعة من مثيري الضحك، وذلك بعرض سيرته الذاتية وطريقة وصوله الكاريكاتورية إلى السلطة مستعرضين حيثيات التاريخ من التنصيب الأبدي إلى حادثة الموت الأسطورية التي تحولت من الوفاة الطبيعية بحادث سيارة إلى شهادة في سبيل الله والوطن والعروبة وضد الرجعية والصهيونية والإمبريالية، ووقعها المدوي في أرجاء البلاد وذوبان الوطن في جيب بنطلونه.
وفي حكاية نسار الحجي يصيح ضابط الأمن في وجه أمين الفرقة الحزبية المتهم: في سوريا ما في شي اسمه حزب البعث يا عرص… ما في شي اسمه جبهة وطنية يا سرسري… ما في شي اسمه شبيبة الثورة يا كر.. ما في شي اسمه طلائع البعث يا ديوث… في سوريا في شي اسمه بيت الأسد… فهمت ولا لأ ولاه؟
تظهر مكملات شخصية القائد من خلال النسب المئوية المرتفعة في الاستفتاءات الرئاسية، وشكل التسعات فاصلة تسعات المتراصة كالجنود التي تحملها نتيجة الاستفتاء.. هذه ستكون موضوعاً لحكايات أخرى تسرد شذى بركات إحداها إذ تخوض هي أحداث يوم استفتائي تُسكب فيه الأصوات بشكل ميكانيكي في جعبة الرئيس دون عناء. والتماثيل الضخمة الحجرية والجصية التي توسطت ساحات المدن والمباني العامة والصور التي احتلت كل الجدران حتى أصبح تحتها مبولة كما يروي مروان علي.، وحكاية هشام الواوي مع تمثال حافظ، في الحقيقة، لا يمكن أن تنسى لطرافتها.
الفصول التالية تتوغل في عملية الفصفصة، ويستمر الحكي عن قصص التوريث وتدخل يد القدر التي شاءت أن يكون الرئيس هو الابن الثاني وليس الأول كما تنص الشرائع «الملكية»، وصولاً إلى الجيش أداة السلطة وتحوله إلى مجموعة من الحواجز الضخمة التي تسد الطرقات حتى يستعيد مصطفى تاج الدين الموسى حكاية قبعة الإخفاء ليتمكن من التنقل الآمن من مكان إلى آخر وهو يمتطى مكنسة السجاد الكهربائية!
ومع أن موضوع الحكايات هو الاستبداد، إلا أنها خالية منه، فهي تنتقل بخفة كما يليق بقاض عادل إلى استبداد آخر هو استبداد المجموعات المتطرفة. وهذا الحكايات يتناوب على سردها محمد السلوم ورامي سويد، ليظهر المستبد وقد خلع البذلة الأنيقة، أو البزة العسكرية والرتب، وارتدى لحية كثة وتعابير تراثية مطلقاً على هيئته صفة «شرعية» رغم أنه يستخدم نفس الدبابة والدوشكا والرصاصة في نشر نظرياته على حد تعبير ماهر حميد. أما يوسف رزوق فيصمم مشهداً مضحكاً في مطعم اسلامي على طريقة التشدد فيتحول السيران إلى درس في الشريعة الإسلامية، ويجعل السيدة أم صطيف تندم لأنها أقنعت زوجها بالذهاب إلى المطعم.
يختتم الكتاب نفسه بفصل نفيس عن السجن كُتِبَ بأقلام سجناء سابقين. فرج بيرقدار يحول يوميات السجن إلى لحظات كوميديا كرد حاسم على الاستبداد فيما يوثق الدكتور محمد جمال الطحان لحظات سجنه مشهداً فمشهداً متوخيا الدقة والرصانة، ويروي غسان الجباعي بهدوء كاهن حكاية السجين الذي أطلق سراحه بعد سبعة عشر عاماً من الاعتقال يدخل قريته دون أن يتعرف على بيته. يطرق باب أحد البيوت، بشكل عشوائي، وبحتمية العثور على خواتم العشاق المرمية في البحر في بطون السمك المعد للأكل، يعثر السجين على أم تضمه بقوة وتصرخ باسمه وكأنها على موعد معه، في إيحاء إلى وجود مثل هذه الأم في كل بيت ووجود مثل هذا السجين في كل زقاق.
حكايات سورية نصوص قصيرة ممتلئة مشحونة بالتعابير عميقة المحتوى أصحابها أنفسهم أبطال أحداثها أو شهود مباشرين اختاروا أن يحافظوا على درجة من الطرافة دون أثر للضغينة أو الغل، رغم فداحة الجرح.
كاتبة سورية ـ تركيا

فاطمة ياسين

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية