«ثلاث بنات» للتركية أليف شفق… دروب الآلهة الشائكة

حجم الخط
0

■ في روايتها الجديدة «ثلاث بنات» الصادرة عن دار الآداب ترجمة محمد درويش، تطرح الروائية التركية «أليف شفق» الكثير من التساؤلات، تاركة للقارئ وحده مهمة البحث عن الإجابة. تتخذ شفق كعادتها في السرد خطين متوازيين في زمنين لا يلتقيان، لصبح كل منهما امتداداً للآخر، ومن هذا التكنيك السردي الذي ينقلك من زمن إلى آخر، ومن مكان إلى آخر ــ إسطنبول/أكسفورد ــ تكمن جاذبية العمل. تفتح الرواية على حادث للسرقة تتعرض له (ناز بيري نلبنت أوغلو) بطلة العمل وهي في طريقها لحضور دعوة لعشاء في أحد القصور المطلة على البوسفور. تلاحق اللص بالركض وراءه، تطلب منه أن يمنحها أوراقها المهمة ويحتفظ بالمال لنفسه، يعبث اللص بمحتويات حقيبتها ويخرج منها صورة فوتغرافية لها بين فتاتين ورجل. هذه الصورة كانت حافزا للبطلة للغور في صندوق ذكرياتها، فننتقل معها لثمانينيات القرن الماضي، حيث تقص علينا طفولتها ونشأتها.

غيمة الرّب

كانت النشأة في أسرة تركية متوسطة الحال، بين أب وأم على نقيض في ما يتعلق بالدين والإيمان، أم متشددة في إيمانها تعيش على هاجس الحلال والحرام، وترى الجحيم أمامها دائما، على عكس الأب الذي يتخذ من الإسلام الوسطي منهاجا له، فتجد بيري نفسها في حيرة وهنا تطرح الرواية قضية شائكة عندما ينمو الطفل بين أب وأم على نقيض في أفكارهما الدينية. بين المغالاة في التدين والوسطية. بين طرف يرى في كل شيء خطأ وحراما ويصل بصاحبه لا محالة إلى الجحيم، وطرف آخر مرن، متحرر في أفكاره، هذا النقيض يجعل الطفل يعيش دوما في افتقار إلى اليقين، فالدين هنا يحدث فجوة كبيرة ويفصل أفراد الأسرة إلى معسكرين متناحرين. وهذا التنافر ببساطة يمكننا ملاحظته بإلقاء نظرة سريعة على رفوف مكتبة المنزل، فالجانب المخصص للأب يحمل عناوين ثقافية وفكرية (الجريمة والعقاب، دكتور زيفاكو، أتاتورك ولادة جديدة للأمة) بينما الرف المحجوز للأم يضم عناوين على شاكلة (الشيطان يهمس في أذنك وأهمية الطهارة في عالم منحل) هذا النقيض يجعل العقلية البريئة للطفولة لا تستوعب أن التعاليم الدينية التي يقدسها أحدهما ويتمرد عليها الآخر تعود في الوقت نفسه للرب نفسه، وإن كانت تعود فعلا، فكيف ينظر إلى الله بمثل هذين الأسلوبين المتناقضين ومن هنا تنتج شخصية مشوشة، مذبذبة، لا تملك أبدا وجهة نظر محددة ليس فقط في الناحية الدينية ولكن في الحياة برمتها.

العيش على الصراط

يشجع والد بيري ابنته على اجتياز امتحاناتها بدرجات عالية جدا، ويعدها بأنه سيلحقها بأكبر جامعات العالم . تلتحق بأكسفورد وتسافر لإنكلترا لتبدأ مرحلة جديدة في حياتها. تتعرف على شيرين الفتاة الإيرانية الملحدة ومنى الفتاة المصرية المتدينة التي ترتدي الحجاب طوعا وليس فرضا من أحد، التي لا تغالي في إيمانها فهي تكتب شعرا عن الحب وتؤلف الموسيقى، تحدث مصادمات في الرأي تؤدي لمناقشات حادة بين منى وشيرين عن الدين والإيمان، كل منهما تدافع ببراهين وحقائق عن وجهة نظرها، بينما بيري التي تقف في المنتصف من كل شيء لا تطرح رأيا أبدا وتكتفي بأن تستمع وتهدئ من حدة النقاش وهنا نجد أن نموذج الأب والأم قد واجه الفتاة مرة أخرى وتجسد لها في شيرين ومنى.

الانتقام

ترشح لها صديقتها شيرين البروفيسور (أزور) أستاذ علم الإلهيات لتنضم لدروسه وتقنعها بأنها بحاجة لدراسة منهجه لفهم نفسها والحياة والــــرب بصورة أوسع، وجدت بيري في أزور ضـــالتهـــا التي عوضتها عن روحها المشــتتة وأفكارها المتناحرة، فتقول «عندما تكلم أزور عن الرب والعلم والحياة والإيمان، كانت كلماته متماســــكة كحبات أرز مصنوع على البخــــــار تشبع الأدمغة الجائعة، ثمة شيء خطورته مثيرة للرعب والهلع، في أن شخصا ما لديه الإجابة على جميع الأسئلة، وأن ثمة طريقا مختصرا للاجابة عن كل شيء». وهذا تحديدا ما جعلها تشعر بغرام متقد تجاهه، في حين لم يبادلها هذه المشاعر، يخبرها زميل لها كاره للبروفيسور بأنه على علاقة كاملة مع صديقتها شيرين فتشعر بالغيرة والكراهية.

وحي الضباب

كان يلازم بيري منذ طفولتها طيف لطفل صغير يظهر وسط هالة من ضباب أطلقت عليه لقب (طفل الضباب) يظهر لها بين الحين والآخر في يقظتها ومنامها، وفي تلك الليلة يشجعها على الانتحار. يسرب الطالب الكاره للبروفيسور شائعة مفادها أن البروفيسور حطم قلب بيري ودفعها للانتحار لمواعدته لصديقتها، تفاجأ بيري عند إفاقتها من تجربة الانتحار بهذه الشائعة، وفي البدء تقرر أن تنفيها، يعاودها الشعور باليأس والغيرة وتفكر في الأمر بشكل مختلف وتقرر أن تنتقم من أزور، وتكون سببا في تعاسة الرجل الذي أتعسها، وفي الوقت الذي انتظرها الجميع لتذهب لتنفي هذه التهمة تخذلهم ولا تذهب. فيتم وقفه عن العمل ويضيع مستقبله المهني وتسوء سمعته وينتقل للعيش في مدينة أخرى ويتفرغ للكتابة الحرة. تنتهي الرواية المليئة بالتساؤلات بمكالمة من بيري بعد مرور سنوات طويلة لأستاذها للاعتذار له، وفي هذه المكالمة تتبدل الأدوار وتطلب منه أن ينصت إليها «لقد استمعت إليك كثيرا، حان الوقت أن تسمعني أنت» وتتحدث معه حديثا طويلا عن ابن رشد وابن عربي في لقائهما الأول واختلاف أفكارهما.

عالم الشرقيات

اعتادت شفق أن تعبر عن المرأة الشرقية ومعاناتها، سواء ما تعانيه من سلطة الأهل، سلطة الحكم، وسلطة المجتمع الذكوري، ورغم كل ما يحيط بها من قهر فهي قادرة على أن تحقق ما تريده وتتمناه، فالمرأة في أعمالها دائما ناحجة، لها أهداف تسعى إليها وتحققها. وفي هذا العمل وجدنا بيري تلك الفتاة المشتتة دائما، التي استطاعت في النهاية أن تمنح لنفسها اليقين الذي كانت تسعى إلى معرفته، ففي النهاية هي التى أعطت لأستاذها الدرس وطلبت منه أن ينصت لما ستقوله. تحاول الكاتبة في هذا العمل عقد مقارنات بين التدين السمح والتعصب والمغالاة، وتعرض عدة رؤى مختلفة لتعاليم الإسلام، من خلال مناقشات حادة بين الأب والأم وبين شيرين ومنى. وعلى الرغم من أن العمل يقدم صورة عما يعيشه الشرق الأوسط كله، سواء على المستوى السياسي أو الاجتماعي أو الديني، قالت أليف في حوار لها بعد طرح الرواية في الأسواق، إنها طرحت في روايتها الكثير من الأسئلة المهمة من لا يفهمها لن يفهم تركيا، خاصة الفجوة الواسعة في طرق التفكير والرأي في ما يجري حولهم من أحداث.

٭ كاتبة مصرية

«ثلاث بنات» للتركية أليف شفق… دروب الآلهة الشائكة

رشا عدلي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية