ثلاث سنوات بعد الدستور الجديد… محاولة للتقييم

حجم الخط
0

جسد دستور فاتح يوليو/تموز 2011 تحولا نوعيا في مسار التحول الديموقراطي الذي عرفه المغرب منذ مطلع الاستقلال. وقد شكل خطاب الملك محمد السادس بتاريخ 9 مارس/آذار 2011 أحد أوجه تفاعل الدولة مع الدينامية الاحتجاجية التي أطلقها شباب 20 فبراير/شباط، إذ شكل أرضية مراجعة دستورية جوهرية سواء على مستوى الشكل أو على مستوى المضمون. كما شكلت هذه الدينامية التي تفاعل من خلالها المغرب مع ما شهده محيطه الإقليمي محط أنظار المراقبين لكونها حالة استثنائية في المنطقة العربية، وهي تجربة جديرة بالدراسة والمتابعة والتحليل.
يمكن مقاربة موضوع 3 سنوات من دخول دستور فاتح يوليو/تموز 2011 حيز التطبيق من جوانب مختلفة، إذ يمكن الوقوف عند المنهجية المعتمدة في صياغة الدستور والتي تميزت بإشراك جزء كبير من القوى السياسية والمدنية، من خلال تلقي أكثر من 300 مذكرة مكتوبة وكذا من خلال استقبال ممثلي الهيئات الحزبية والنقابية والجمعوية..
وإذا كانت منهجية إقرار دساتير المملكة في السابق قد تميزت بانعدام المشاركة المجتمعية، واقتصار المشاركة الحزبية أحيانا على آلية المذكرات الحزبية المرفوعة إلى المؤسسة الملكية، فإن منهجية إعداد دستور2011 قد تميزت، على الرغم من مقاطعة بعض التيارات، بتوسيع قاعدة التشاور مع جميع الهيئات السياسية وهيئات المجتمع المدني، وهو الحرص الذي أفضى إلى إعداد دستور يستجيب في مجمله لعدد من المطالب المجتمعية، وخاصة في مجال الحقوق والحريات وتنظيم السلطات وإرساء عدد من مؤسسات وآليات الحكامة.
هناك العديد من المحاور التي يمكن أن تكون مدخلا لفهم 3 سنوات من التطبيق العملي لمقتضيات الوثيقة الدستورية، فمنهجية الإعداد للدستور بالمقارنة مع الدساتير السابقة وسؤال السلطة التأسيسية، ومفهوم التأويل الديموقراطي الذي ورد في الخطاب الملكي في 30 سبتمبر/ايلول 2011 وحصيلة القوانين التنظيمية باعتبارها قوانين مكملة للدستور وقراءة القوانين المتعلقة بمؤسسات الحكامة، ورصد التطور الدستوري للسلطة التنفيذية على محك الممارسة والسلطة التشريعية ودور البرلمان في المرحلة الدستورية الجديدة كلها محاور يمكن أن تكون محلا للعديد من الأبحاث والدراسات والحلقات النقاشية.
لكن المنهجية القانونية ستظل عاجزة عن استيعاب مظاهر التطور ما لم تكن محكومة بالسياق السياسي وتعقيداته المختلفة.
إن التحولات السياسية التي جرت في المغرب خلال السنوات الثلاث الأخيرة بدءا بالدستور الجديد يوليو/تموز 2011 ومرورا بنتائج الانتخابات التشريعية 25 نوفمبر/تشرين الثاني 2011 وانتهاء بوصول حزب العدالة والتنمية إلى رئاسة الحكومة28 يناير/ كانون الثاني 2012 ترمز إلى مظاهر التغيير في المرحلة الجديدة، لكن في ظل استمرارية النظام السياسي الذي يقوده الملك، وما يمنحه الدستور الجديد له من صلاحيات، وما يرمز إليه من استمرارية، وهو ما يمثل ـ بدون شك ـ مدخلا منهجيا لفهم عنصر التوازن والاستقرار الذي يطبع المسار الديموقراطي في المغرب.
البعض راهن على «حركة 20 فبراير/شباط» كبديل سياسي، لكن هذه الأطروحة أغفلت حقيقة مهمة، وهي أن هذه الدينامية الاحتجاجية لا يمكن أن تعوض الأطر السياسية التقليدية التي تضطلع بوظيفة الوساطة السياسية وتعمل على عقلنة المطالب وإعادة صياغتها بالطريقة التي يتحملها النظام السياسي. وهنا سقط العديدون في قراءة خاطئة لدور الأحزاب السياسية، خاصة وأن مطالب الشارع لم تخرج عن طبيعتها الإصلاحية ولم ترق إلى درجة المطالب الثورية التي تتجاوز طبيعة النظام السياسي القائم.
وإذا كان المغرب قد استطاع أن يجتاز بنجاح استحقاقات الربيع الديمقراطي باعتباره يمثل إحدى التجارب القليلة في المنطقة التي تعيش تحولا في ظل الاستقرار، مع ما لهذا الوضع من قيمة كبرى وما ينتج عنه من فرص على مستوى جلب الاستثمارات أو على مستوى توفير مناخ إيجابي يمكن من تحقيق إصلاحات هادئة قد تكون بطيئة ولكنها مؤكدة ودائمة، وبقدر ما يوفر الاستقرار شروطا لإصلاح مستدام، فإن تواصل الدينامية الإصلاحية والتنزيل الفعلي والديمقراطي لمقتضيات الدستور ولمس آثاره على مستوى المؤسسات والسياسات وعلى مستوى القطع النهائي مع التحكم في السياسة والريع في الاقتصاد هو الضمانة لاستدامة هذا الاستقرار وتعزيزه بصفة نهائية لا رجعة فيها..
من المؤكد أن عملية البناء الديموقراطي ليست هدفا يتحقق بأسلوب الطفرة أو الثورة، ولكنه مسار تراكمي تدريجي يخضع لبناء حقيقي، ويتطلب الكثير من الصبر والتروي والأناة. كما أن توفر إرادة التغيير لا يعني القدرة على التغيير، فهناك دائما مساحة شاسعة بين الإرادة والقدرة، كما أن هناك دائما فرقا بين الرغبة في التغيير والقدرة على التغيير.
إن التقييم الموضوعي للمرحلة السياسية الراهنة في المغرب، ليس مرتبطا بتحقيق إنجازات اقتصادية واجتماعية خارقة، وإنما هو امتلاك القدرة على وضع المغرب على سكة الإصلاحات الضرورية في مختلف المجالات، سواء على مستوى التحول الديموقراطي الحقيقي بالعمل الجاد على التنزيل الديموقراطي لمقتضيات الدستور الجديد، أو على مستوى التنمية الاقتصادية والاجتماعية والقطع مع جذور الفساد والإفلات من المحاسبة والمراقبة.
منذ تعيين الحكومة الجديدة وهي تواجه حملات إعلامية شرسة من جهات لا يهمها نجاح هذه التجربة لأنها كانت مستفيدة من الوضع السابق بعضها ينتمي إلى المعارضة البرلمانية، كما تواجه انتقادات غير موضوعية من جهات سياسية تمارس معارضة غير مؤسساتية وتريد أن تثبت صحة منطقها السياسي عن طريق إفشال هذه التجربة، وهي بذلك تسقط في منطق قريب من العدمية ولا تبذل أي مجهود يذكر في ساحة التدافع السياسي المرتبط بالتأويل الديمقراطي للدستور.
ما حصل في مصر من تراجع عن المسار الديموقراطي واعتقال الرئيس المنتخب، وما حصل في تونس بعد اغتيال شكري بلعيد وما تلاه من توترات سياسية في كلا البلدين، شجع العديدين على المزيد من الضغط على الحكومة ولم يتردد البعض في المطالبة بإسقاط الحكومة وحل حزب العدالة والتنمية الذي يقودها، وبدأت بعض وسائل الإعلام تقيم مقارنات بين مرسي وبنكيران، وبالفعل عاشت الحكومة الحالية خلال السنة الأولى والثانية فترات عصيبة خصوصا بعد خروج حزب الاستقلال ـ وهو الحزب الثاني في الخريطة السياسية ـ من الحكومة، وعاشت الحكومة حوالي أربعة أشهر بدون أغلبية برلمانية، قبل أن تنجح مفاوضات الربع ساعة الأخيرة من إقناع حزب التجمع الوطني للأحرار من الدخول إلى الحكومة.
لقد قدم حزب العدالة والتنمية تنازلات مؤلمة لضمان استمرارية الحكومة، وقبل بالتنازل عن حقيبة الخارجية وخروج الأمين العام السابق لحزبه من الحكومة، كما قبل بدخول عدد معتبر من الوزراء التكنوقراط المحسوبين على القصر إلى الحكومة، خصوصا حقيبة الداخلية.
التقييم العام لهذا المسار هو تقييم إيجابي، فقد نجح الحزب في تطبيع حضوره في الساحة السياسية، ولم يفقد شعبيته بالشكل الذي كان يتصور البعض، واستطلاعات الرأي لازالت تعطيه المرتبة الأولى في الانتخابات القادمة، كما أن أشد المنتقدين لهذه التجربة يعترف بجرأتها السياسية في التعاطي مع عدد من الملفات.
في حلقة قادمة نتابع النقاش..

٭ كاتب من المغرب

د. عبد العلي حامي الدين

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية