ثلاث قصص قصيرة: ثنائيات الموت

حجم الخط
0

الثنائيات العمياء كانت قد حاصرت الكثيرين.
– إما أن تكون معنا، أو تكون معهم. قالوا له.
لكن تامر وجيه لم يكن هناك أو هناك. في الواقع كان معنا منذ البداية إلا أن صوته كان أكثر صخباً وأكثر دوياً في الندوات والوقفات الاحتجاجية. ومن خلال مقالاته ومقابلاته التلفزيونية لمع نجمه أكثر.
– الوعي الطائفي هو عدونا الحقيقي. علينا أن نستمر في نقده حتى لا يتحول إلى وعي يومي في المجتمع. ردد علينا دائماً.
مع كل يوم يمضي في زمن الحرب كان يزداد عدد المتحلقين حوله، حتى أولئك الذين يرفضونها لأسباب خاصة بهم:
– لأستطيع النوم.
– ليعاود مركز غسيل الكلى عمله، أبي سيموت.
– لأتزوج، خطيبي لا يعرف كيف يعود. المطارات مغلقة.
وكما أصبح تامر صوتاً جامعاً لكل الرافضين للحرب، فقد أصبح هدفاً مشتركاً تسابق الطرفان لأجله.
لأجل إسكاته للأبد.

تغريب الأرض

بتهمة حمل أفكار يسارية لاحقه جهاز الأمن الوطني. وبتهمة القتل تعقبه الثأر من قبل بعض أهالي منطقته، فقرر الهرب. هرب بعيداً، أبعد ما يستطيعه عازب. متوقفاً لأشهر في خمس دول، ومجتازاً رجفة الموت جوعاً فيها، تمكن الملازم طيار خالد علي من وضع قدميه في مطار العاصمة البريطانية لندن. كان ذلك في ربيع عام 1979. ومتنقلاً من عمل إلى عمل، مكدساً بنساً فوق بنس، جنيهاً فوق آخر، كون الملازم الفار ثروةً لا بأس بها، وأسرةً صغيرة كذلك.
خلال خمس وثلاثين عاماً عاش الملازم ناسياً موطنة. لم يتذكر أهله، أصدقاءه، جيرانه. في الواقع لم يتذكر شيئاً مطلقاً. ارتشفه فم الحياة الإنكليزية المهول. في أحد نهارات الصيف، أحس بنوبة حنين عاصرة، بعد أن بصق قطع إسمنت يابسة من فمه، فقرر العودة ليموت بين أشجار الخوخ وحقول الذرة والقمح.
عندما عاد كانت البنايات والبيوتات الصغيرة قد محت البساط الأخضر ولم يتبق منه سوى ذكرى رطبة تسقط من أفواه العجائز.

ذاكرة القتلى

بدون التفاتة إلى الضحايا، سارع القتلة لتبادل الاتهام. تحدث عن ذلك القتلى أنفسهم، منذ الأزل وحتى الآن، ولم يسمعهم أحد.

٭ قاص وشاعر من اليمن

ثلاث قصص قصيرة: ثنائيات الموت

محمد أحمد أبواصبع

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية