الشرق الاوسط، الذي يقع من المغرب حتى افغانستان ومن تركيا حتى اليمن، شكل منذ فجر التاريخ ساحة صراع بين القوى العظمى. وفي العصر الحديث أيضا، فإن الهلال الخصيب ومحيطه هي مناطق ذات اهمية جغرافية استراتيجية للقوى العظمى العالمية أو تلك التي تسعى الى الارتفاع الى مكانة عالمية.
لقد تميزت فترة رئاسة بوش الابن بتدخل امريكي عميق في المنطقة، بما في ذلك المبادرة الى حربين في افغانستان وفي العراق. اما من واصل دربه اوباما فبقدر كبير هجر المنطقة في الوقت الذي وسعت فيه روسيا والصين تدخلهما فيها. ويتصدر ترامب تسللا امريكيا متجددا الى المنطقة، سرعان ما سيخلق مثلثا من القوى العظمى في الشرق الاوسط، يتشكل من الولايات المتحدة، روسيا والصين، التي ستتنافس فيما بينها على الارض والنفوذ، على المقدرات الطبيعية والمرابح الاقتصادية، وعلى زيادة القوة العسكرية وكسب الحلفاء.
روسيا بوتين هي قوة عظمى فقيرة ولكنها مسلحة جيدا، تسعى الى شق طريقها عائدة الى الساحة العالمية. يبدو ان موسكو تقيم استراتيجيها على اساس نظرية القوة البرية التي طورها الباحث البريطاني مكندر في بداية القرن العشرين. وتدعي النظرية بأن قوة عظمى تطلب لنفسها مكانة عالمية ملزمة بأن توسع سيطرتها في مناطق ذات اهمية جغرافية استراتيجية لزمانها، في داخلها. اليوم يدور الحديث عن اوروبا وعن الشرق الاوسط. بسبب قيودها الاقتصادية تعمل موسكو بثلاثة اشكال: التوسيع في دول مرعية لها سابقا في الشرق الاوسط (مثل سوريا وفي المستقبل ربما ليبيا) وقتال سايبر زهيد الثمن لتحقيق مصالحها العالمية (مثلما يبدو أنها فعلت في الانتخابات الاخيرة في الولايات المتحدة وفي فرنسا).
أما الصين بالمقابل فهي قوة عظمى غنية جدا تنقصها قوة عسكرية ذات مغزى. وفي طريقها الى المكانة العالمية تعمل بكين في ضوء استراتيجية صبورة وبعيدة المدى. يبدو ان واضعي السياسة الصينية اختاروا تبني نظرية القوة البحرية التي طورها الباحث الامريكي ميهن في نهاية القرن التاسع عشر، ولكن مع التعديلات اللازمة. فبينما تدعي النظرية بأن القوة العظمى التي تتطلع الى رفع مستواها العالمي ملزمة بأن تحتفظ بمسارات التجارة البحرية العالمية والدفاع عنها، تعمل الصين بشكل مختلف: قبل تطوير قوة بحرية قوية تستثمر بكين مئات مليارات الدولارات في بناء بنية تحتية في عشرات الدول في ظل التقدم في شراء وبناء موانيء تجارية على طول خطوط التجارة البحرية الدولية، مثل شراء ميناء تجاري في اليونان يعمل اليوم بملكية صينية. لم تطور الولايات المتحدة في عهد ترامب حتى الان وتعرض سياسة عالمية شاملة. يبدو ان الادارة الجديدة تتبنى بالتدريج سياسة متداخلة: الولايات المتحدة تسمح بالفاعلية العسكرية الروسية والفاعلية الاقتصادية الصينية في الشرق الاوسط. وبالتوازي تصعد واشنطن جهودها في عدد من الجبهات: تعزيز العلاقة مع حلفائها التقليديين (مثل مصر والسعودية، اليابان وكوريا الجنوبية)، بذل جهود لحل النزاع العربي الإسرائيلي وازالة التهديد الاستراتيجي المحدق بكوريا الشمالية. وكذا بث احساس بالقوة عموم عالمي، سواء في المحيط الهاديء (مقابل كوريا الشمالية) أم في الشرق الاوسط (مثل القصف الامريكي في سوريا) بعد استخدام النظام بالسلاح الكيميائي ضد المواطنين في محافظة ادلب والقاء «ام كل القنابل» على معقل داعش في افغانستان).
ان مثلث القوى العظمى في الشرق الاوسط والذي يتطور بالتدريج هو تحد للسياسة الخارجية الإسرائيلية. حتى وقت قصير مضى كانت إسرائيل مطالبة بأن تدير سياستها الخارجية الاقليمية في ظل التعاون مع واشنطن وحدها، ولكن التغيير الذي يلوح في المجال سيلزم تل أبيب بأن تتعاطى ايضا مع الاعتبارات الامنية لموسكو وكذا الاعتبارات الاقتصادية لبكين. صحيح أن المثلث من القوى العظمى الناشيء يخلق تحديا كبيرا لإسرائيل، ولكن بالتوازي يوفر لها فرصا عديدة لتحسين مكانتها الاقليمية.
معاريف 22/5/2017