ثمانيةٌ وستون حولا مرت على أم النكبات

في الخامس عشر من شهر مايو الجاري 2016 مرت ثمانية وستون عاما على» ذكرى نكبة فلسطين»، التي عانى منها الشعبُ الفلسطيني، وقاسى من جرائها الكثير منذ 15/5/1948.
انطلاقا من وعد بلفور المشؤوم 1917، ومرورا بالتقسيم اللعين 1947، والاحتلال الصهيوني العسكري لما يقارب 80 في المئة من أرض فلسطين، وإعلان إقامة «دولة إسرائيل» عام 1948، وتشريد ما يقارب المليون فلسطيني بعد احتلال مدنهم وقراهم وتشريدهم وإبعاد بعضهم إلى قطاع غزة، والضفة الغربية، ونهر الأردن، وإلى عددٍ من الأقطار العربية المجاورة، ثم وصولا إلى «النكسة « عام 1967، حيث تلا تلك الأحداث والفواجع سلسلة متواصلة من المعاناة، ما فتئ هذا الشعب يقاسي منها الكثير، في ظل ما تشهده الأوضاع في مختلف أوطاننا، في الظروف الراهنة من نزاعاتٍ مذهبية، ومواجهاتٍ أيديولوجية، وحروب دينية، وصراعات طائفية، وخلافات عرقية، وتطاحنات سياسية.
أحداث تاريخية مؤلمة، مفاجآت غير سارة خبأها القدر لأبناء فلسطين الذين رمت الأقدار بالعديد منهم خارج وطنهم، وبعيدا عن أرضهم وذويهم، قهرا وقسرا، فانتشر منهم الكثير في بلاد الله الواسعة في غياهب المهاجر، من أقصى أصقاع العالم إلى أقصاه، ولكنهم رغم نأيهم عن أرضهم، وبُعدهم عن وطنهم، ظلوا مشدودين إلى جذورهم، متشبثين بحقوقهم، فقد ألهمهم الله، وحباهم طاقة كبرى من الصبر والمواجهة، والمقاومة والتحدى والإصرار.
فقد عملت الصهيونية العالمية منذ إبعاد إخواننا الفلسطينيين واقتلاعهم، وإقصائهم من بلدهم عام 1947 بلا كلل ولا ملل وبدون هوادة من أجل القضاء ليس فقط على هذا الشعب واستئصاله من جذوره، وطمس شخصيته، واجتثاث هويته، بل إنهم حاولوا محو حتى جغرافيته وتضاريسه وتاريخه وتراثه في حملات متوالية، باستعمال مختلف ضروب الحيل والأكاذيب والدسائس لتحقيق هذه الغاية الدنيئة. ثم انطلقت الثورات والانتفاضات الواحدة تلو الأخرى، حيث طفق هذا الشعب في كتابة صفحات جديدة من تاريخه النضالي الحديث، حاملا رمز كفاحه وثورته، الكوفية الفلسطينية، وغصن الزيتون الأخضر، وأعاد هذا الشعب الصامد إحياء هويته وجذوره، وإحياء ذاكرته التاريخية والثقافية، والتراثية الجماعية من تحت الأنقاض. وما برحت ألسنة اللهب تتصاعد، وأعمدة الدخان تتعالى في كل مكان.. إنهم يستشهدون من أجل بلادهم لأنهم صادقون في حبهم لها.
الإضرابات المتوالية للأسرى الفلسطينيين التي تعرفها السجون الإسرائيلية الرهيبة بين الفينة والأخرى تزيد من تأجيج الوضع القائم على مختلف المستويات، هذه السجون التي لا تعرف معنى للشفقة والرحمة، حيث تضرب إسرائيل عرض الحائط بكل العهود العالمية، والمواثيق الدولية ذات الصلة بحقوق الإنسان أو حقوق «الأسرى»المعترف بها في كل مكان، ما أدى إلى استشهاد بعضهم داخل هذه الأقبية السوداء المعتمة، وما انفكت براكين الغضب الفلسطينية الهادرة تقذف حِممها وشظاياها إلى عِنان السماء جراء هذه المعاملات التي لا تمت إلى الإنسانية بصلة ما ينذر بقرب انطلاق انتفاضات جديدة صاخبة، يحسبُ لها الخصمُ العنيدُ والعدو العنيف ألف حساب، والتي قد تقلب موازين الأمور.
ثمانية وستون حولا، مرت على أم النكبات.. و ما زال إخواننا الفلسطينيون يعانون مختلف ضروب التعنت والتنكيل الإسرائيلي على الأرض في مختلف المناطق والجهات الفلسطينية، كما أنهم ما برحوا يعانون الشقاق الداخلي، والتشرذم والخلافات، وأمسى التصدع قاب قوسين أو أدنى من أن يُصيب صرح الوحدة الوطنية المنشودة، وما زال الأمل معقودا على التصالح، والتسامح ورأب الصدع والبحث عن البدائل.

٭ كاتب مغربي

ثمانيةٌ وستون حولا مرت على أم النكبات

محمد محمد الخطابي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية