ثمن حقيقي للسلام

حجم الخط
0

أسند صديقي الكاتب ظهره إلى الكرسي وتنحنح «اذا نجحنا في تغيير بيبي، فهل ما زالت هناك فرصة للسلام؟». وأجبته: «إن المشكلة ليست بيبي، ولا اليمين المتطرف أكثر منه. المشكلة تنبع ممن هم على يساره». الطريق إلى السلام مختلفة تماما عما يعتقد معظم الناس.
في اليسار الاسرائيلي يقولون منذ سنوات إن ثمن السلام مع الفلسطينيين هو منطقة يهودا والسامرة وقطاع غزة، أي اخلاء المستوطنات في هذه المناطق، ونقل السيطرة فيها لكيان فلسطيني معين. يتبين أن هذا ثمن صعب وباهظ بالنسبة للمستوطنين واليمين. ولكن هل هذا هو الثمن بالنسبة لاوساط اليسار؟.
حسب رأي هذه الاوساط اليسارية فان سيطرة اسرائيل على المناطق والمستوطنات هي عبء. عبء عسكري ينبع من الحاجة إلى السيطرة على السكان الفلسطينيين والدفاع عن سكان المستوطنات؛ عبء اقتصادي ينبع من الحاجة لتمويل اعمال الجيش في المناطق والمستوطنات؛ عبء اخلاقي ينبع من السيطرة على الفلسطينيين الذين تختلف حقوقهم وواجباتهم عن مواطني اسرائيل في نفس المناطق.
إن اخلاء المستوطنات ونقل السلطة للفلسطينيين، ليسا ثمنا للسلام حسب اوساط اليسار، بل بالعكس، فهم يعتبرون أن هذا سيعفي اسرائيل من العبء، وبالتالي فهو مربح. اليسار ايضا لم يؤيد قبل عقد اخلاء المستوطنات وقوات الجيش وكل عناصر السلطة الاسرائيلية في قطاع غزة، دون وجود سلام مع الفلسطينيين في قطاع غزة، أي بدون مقابل.
من اجل السلام مع الفلسطينيين لا يكفي التفاوض معهم والاستعداد لدفع الثمن، الذي هو ثمن غير حقيقي. فالثمن الحقيقي يختلف ويجب دفعه لجهات اخرى في اسرائيل. هناك شرط مسبق وضروري لصنع السلام مع الفلسطينيين وهو تشكيل ائتلاف في اسرائيل يكون واسعا وقويا بما يكفي من اجل دفع الثمن ـ ائتلاف سلام. ائتلاف من نوع جديد يعمل على أساس فهم أنه لا يمكن حل الصراع دون التطرق إلى جميع المشكلات القائمة هنا وإحداث التغيير المطلوب.
في ائتلاف السلام هذا يجب أن يكون هناك من يؤيد السلام في اسرائيل، لكنهم غير مستعدين للانضمام إلى اليسار، ومن اجل تشكيل الائتلاف يجب على اليسار أن يدفع للشركاء مثلما يدفع كل من يريد تشكيل ائتلاف. رئيس الحكومة لا يدفع في الوقت الحالي ثمن الائتلاف الذي أقامه من اجل تشكيل الحكومة الحالية.
يستطيع اليسار أن يفعل ما فعله نتنياهو، لكنه مرة تلو اخرى لا ينجح في فعل ذلك. والسبب هو أن الجهات التي يفترض أن يشكل معها اليسار ائتلاف السلام، تطلب ثمنا مختلفا تماما وهو تنازل اليسار عن سيطرته التاريخية على مراكز الاقتصاد والاعلام والاكاديميا وكل مراكز القوة غير الحكومية وغير البلدية في اسرائيل.
يجب على اليسار الموافقة على تقاسم السلطة على مراكز القوة مع اوساط اخرى وجمهور آخر في الدولة.
هناك مجالات كثيرة في المجتمع الاسرائيلي بحاجة إلى التعديل والعدالة في التوزيع: السيطرة على اراضي الدولة؛ الحدود بين المجالس المحلية ومدن التطوير وتوزيع الموارد بينهما؛ السيطرة على أجسام اقتصادية؛ مواقع تأثير في وسائل الاعلام؛ ايجاد توازن بين الأوجه المختلفة للثقافة والملاءمة بين تركيبة المحاكم وبين تركيبة المجتمع.
اسرائيل بحاجة إلى خارطة داخلية جديدة ومسار مختلف. بحاجة إلى طريق جديدة لا تكون فيها حقوق اضافية، وأن تستوعب لا أن تُبعد الفسيفساء الاسرائيلية على جميع اختلافاتها وطوائفها.
إن شراكة كهذه يجب أن تقبل كل المواقف في المجتمع الاسرائيلي ومنها المواقف الاعتقادية والدينية والاخلاقية. بالنسبة لكثير من الاسرائيليين فان الحرم الابراهيمي غير قابل للحوار، ولا يمكن التنازل عنه. بل العكس، يمكن تقاسمه مع المؤمنين الفلسطينيين دون الحاق الضرر. يجب أن تكون هذه شراكة حقيقية بدون اعتذار أو تفضيل تعويضي وباقي الامور التي تميز التعالي الموجود منذ سنوات.
اذا فهمت الاوساط التي تريد السلام أنه يمكن اجراء عملية سياسية واعدة، وأن ذلك مشروط بوجود ترتيبات اجتماعية جديدة في جميع مجالات الحياة، وأنه لا يمكن وجود السلام بدون توزيع عادل، ليس فقط توزيع الموارد العامة بل توزيع السيطرة على مراكز القوة ـ فانه سيكون بالامكان الحديث عن أفق جديد لاسرائيل.
هذا هو الثمن الحقيقي المطلوب من اوساط اليسار أن تدفعه. فما الذي سيجعلها توافق على ذلك؟

هآرتس 26/8/2015

موشيه كريف وحاييم مندلسون

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية