ثمّة شيء ما ضد اللاجئين في الدنمارك

حجم الخط
2

لم يُثْن البرلمان الدنماركي انتقادات شركائه في الاتحاد الأوروبي، ولا استياء منظمات حقوق الإنسان، عن المضي قدما في المصادقة على مقترحات الحكومة الرامية لتشديد قوانين اللجوء، في ظل أسوأ كارثة إنسانية في العصر الحديث. وتقضي التعديلات الجديدة بمصادرة أموال اللاجئين وممتلكاتهم، والتضييق عليهم للحيلولة دون لم الشمل الأسري، لصرفهم عن قصد أراضيها، كما أدلت بذلك صراحة انجير ستويبيرج، وزيرة الهجرة والاندماج. وقد أعاد سن هذا القانون إلى أذهان البعض ذكرى مصادرة أموال اليهود في ألمانيا النازية إبان الحرب العالمية الثانية.
ولم تكن الدنمارك شاذة في تشددها، فقد حذت حذوها كل من السويد وفنلندا وهولندا وألمانيا والنمسا. وقبلها اتحدت دول شرق أوروبا على وضع كل العقبات والعراقيل لإيصاد الحدود الأوروبية وردع اللاجئين الهاربين اليها من ويلات الحروب. يبدو من تبريرات المسؤولين في الأحزاب والحكومات الأوروبية المختلفة، أن العداء للأجانب، وفوبيا الإسلام المتفشية في المجتمع الغربي، كانت من بين أهم العوامل التي دفعت كثيرا من هذه الدول الى التضييق على حقوق الإنسان أو انتهاكها، كما هو الشأن اليوم في جل سياسات اللجوء الاوروبية. فمطالبة رئيسة حزب البديل لألمانيا بإطلاق النار على اللاجئين لحماية الحدود، أو دعوة تيو فرانكين، وزير الهجرة البلجيكي، اليونانَ إلى ضرورة «قذَف المهاجرين في البحر، حتى وإن قضوا غرقا»، ما هو إلا غَيْضٌ من فَيْض. وربما كان ياروسلاف كاتشينسكي، رئيس حزب القانون والعدالة اليميني الحاكم في بولندا، أفضل من عبر عن هذا الوَجَل الشديد تجاه الإسلام والمسلمين، إذ صرح بأنه لا يريد البتة «أحْيَاءَ تسودها الشريعة كما هو الشأن في السويد.
الأمر الأكثر إثارة للقلق، أن تجنح الاحزاب الديمقراطية في الاتحاد الأوروبي إلى تبني مشاريع اليمين المتطرف في برامجها السياسية، بُغية كسب رضا الشارع أو مخافة الإخفاق في ربح رهان الانتخابات، حتى إن أدى ذلك إلى النيل من القيم والمبادئ التي قامت من أجلها وعلى ركائزها هذه الأحزاب. ولعل هذا الخلل هو من أجبر وزيرة العدل الفرنسية، كرستين توبيرا، على الاستقالة من منصبها، إثر عزم الحكومة على تجريد الفرنسيين العرب من جنسيتهم، في حال تورطهم في جرائم الإرهاب، واعتبار ذلك انتهاكا صارخا لمبادئ الجمهورية الفرنسية.
ولا شك أن سياسة المعايير المزدوجة التي ينتهجها الاتحاد الأوروبي، الذي طالما أنزل عقوبات رادعة على دول اتهمها بجريرة هتك مواثيق حقوق الانسان؛ وقوانينَ اللجوء المهينة، وإجراءات محاربة الإرهاب؛ ودبلوماسيةَ التطبيع وغض الطرف في التعامل مع الأنظمة العسكرية التي انقلبت على إرادة الشعوب في دول الربيع العربي، وضعت المبادئ والقيم التي أسس عليها الاتحاد الاوروبي على المحك، وأثبتت أنها عرضة للتجاوز في أي وقت، متى ما دعت ضرورة إلى ذلك، على حساب اعتبارات سياسية، أو اقتصادية، أو عسكرية، أو كل ذلك معا.
ففي حين كانت هذه الدول تتمادى في تجاهل مختلف ألوان الجرائم التي تقترف في حق الابرياء في الشرق الاوسط؛ ولم تكن تجرؤ على النبس ببنت شفة حول ملف حقوق الإنسان في الصين، إلا أن تهمس، عَرَضاً وعلى استحياء، بتصريحات مبهمة في هذا الخصوص، لتبرئة الذمة وذر الرماد في العيون؛ نجدها في المقابل تقيم الدنيا ولا تقعدها، عندما تقوم دول مستضعفة، «ما لها ثاغِيَة ولا راغِيَة» في موازين القوى العالمية، بانتهاك أبسط الحقوق، أو عندما تعارض بعضُ أعرافها الثقافية أو تعاليمها الدينية بعضَ هذه الحريات أو تُقيّدُها.
وقد بدا هذا النفاق السياسي، بشكل ساطع يرفع كل لُبْس، في تسابق دول الاتحاد الاوروبي للظفر بالنصيب الأوفر من الصفقات التجارية مع إيران، ما جعل قيم الديمقراطية والحريات وحقوق الإنسان تتوارى فجأة وفي صمت وسكون وراء بريق الارباح الطـــائلة التي تُلوّح بها هذه الصفقات.
وبلغت حالة «الفصام» هذه ذروتـــها، حين أقدمت ايطاليا على ستر عورات تماثيلها العارية أثناء زيارة الرئيس الايراني، حسن روحاني، لروما، من اجل كسب ود إيران ولإظهار مدى قابليتها للكفر بكل القـــيم والمبادئ، والتنازل عن أقدس المقــدسات في ســــبيل المصالح الاقتصادية.
إن الرضوخَ والاستكانة إلى السياسات التي أصبحت تنضح آنيتها بالعنصرية والكراهية، والتفريطَ في قيم الديمقراطية والحريات والمساواة وحقوق الإنسان، من شأنه أن يعيد أوروبا إلى حقبة سوداء من تاريخها الحديث، ويجعلها تسقط مرة أخرى، بسهولة ويسر، في شَرَك اليمين المتطرف والنازية الجديدة، التي بدأت حاضنتها الاجتماعية تتسع يوما بعد يوم في كل الدول الأوروبية.
وسيصعب، بلا ريب، السيطرة عليها وكبح جماحها في ظل تبعات الأزمة الاقتصادية الأخيرة التي لم يتعاف كل أعضاء الاتحاد الاوروبي من اسقامها بعد. فمع كون معدلات البطالة في انخفاض مستمر مقارنة مع السنوات العجاف الماضية، إلا انها لا زالت تسجل ارتفاعا مهولا، خاصة لدى الشباب، إذ تجاوزت العام الماضي في اليونان واسبانيا وكرواتيا نسبة 45 في المئة. ومن ثَم فإن الفجوة بين الأغنياء والفقراء تزداد عمقا واتساعا، وتجعل مجتمعات كثيرة على برميل بارود يوشك أن ينفجر. كما أن أهوال شبح الإرهاب الذي أصبح يهدد الغرب في عقر داره، وحالة الغضب والاحتقان جراء تراكم المشاكل الاجتماعية المختلفة، وفوبيا الإسلام المستشرية، وتدني مستوى الوعي السياسي، وغيرها من المشاكل التي ترزح تحت وطأتها جل دول الاتحاد الاوروبي، تقوي شوكة أحزاب الغلاة والمتطرفين وتجعل شريحة عريضة من المجتمع عرضة لما سماه المحلل النفسي الألماني ألكسندر مِتشَرْلِش بـ «الغباء الممنهج».
وتجدر الإشارة هنا، إلى أن بعض هذه العوامل هي نفسها التي عجلت بُعيد الحرب العالمية الأولى بفشل جمهورية فَايْمَار في ألمانيا، وجعلتها تسقط في براثن الحزب النازي، ومهدت الطريق لاندلاع الحرب العالمية الثانية التي أتت على الأخضر واليابس، وأودت بحياة أزيد من ستين مليون إنسان.
إن الديمقراطية باتت اليوم مستهدفة، بلا شك، في كثير من دول الاتحاد الأوروبي، وتتعرض «لعملية التفكيك»، كما وصف الصحافي والإعلامي البولندي، توماس ليز، ما آلت إليه الأوضاع في بلاده. ومن يُلق نظرة خاطفة على التقرير العالمي لمنظمة هيومن رايتس ووتش لهذا العام، يكتشف أن «العفن» لم يَطَل القيم الإنسانية في سياسة الدنمارك فحسب، بل يجده استفحل في سياسات جل دول الاتحاد الاوروبي بدون استثناء.

٭ كاتب مغربي

عبد الكريم أهروبا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية