في هذه الأيام العكرة بالذات لا يمكن أن يقع علينا وباء رمزي أكثر من وباء الفئران، الذي تسلل إلى مصادر مياهنا. وقبل ذلك نجح في أن يلوث الشبكة الاجتماعية، حيث تستشري وتزدهر جراثيم الكراهية وأوبئة التحريض في الأسابيع الأخيرة.
ولكن من تحت المساعي لتلويث إجراء تعيين رئيس الأركان أيضًا، الذي أشغلنا هذا الأسبوع، عرض رئيس الوزراء خطة دراماتيكية بكثير من شخصية رئيس الأركان التالي.
على مدى السنين اعتدنا على الاعتقاد بأن الأمن هو شر ينبغي المواظبة على قصقصته. أجيال من المحللين الاقتصاديين يكررون لنا صبح مساء بأن الإنفاق على الأمن هو العائق في وجه ازدهار الاقتصاد الإسرائيلي. وها هو الاقتصاد الإسرائيلي ينمو بثبات منذ 15 سنة، وذلك إلى جانب الحروب والحملات العسكرية.
ما عرضه بنيامين نتنياهو لا يقل عن ثورة في مفهوم الأمن والإنفاق عليه: ليس بعد اليوم حجر رحى على رقبة الاقتصاد الإسرائيلي بل أداة حيوية لمواصلة الازدهار. فرغم أن إسرائيل تنمو بسرعة أكبر واستقرار أكبر من معظم اقتصادات الغرب، ورغم أن مؤشراتنا الاقتصادية ينبغي أن تكسبنا منذ الآن الحد الأقصى من التصنيف الائتماني ـ فهذا لم يحصل.
والسبب الأساس هو عدم الاستقرار الأمني حولنا. نتنياهو، الذي لا يمكن الاشتباه به بعدم الفهم الاقتصادي، يفهم بأن زيادة النفقات على الأمن من شأنها أن تمس أيضًا بالتصنيف الائتماني الذي سبق أن وصلنا إليه، ولكن حتى بدون هذا الاستثمار فإن كل معركة سنجر إليها ستدهور الاقتصاد الإسرائيلي.
الخطة 2013
خطة «مفهوم الأمن 2030» التي عرضها نتنياهو تمثل انعطافة مهمة لحاملة الطائرات الإسرائيلية. فعلى مدى عشرات السنين تنخفض ميزانية الدفاع (الأمن الإسرائيلية) بالنسبة إلى الناتج القومي الذي يزداد. صحيح أن استثمارنا في الأمن (بالنسبة للناتج) أعلى من أي دولة غربية أخرى، ولكن لا توجد أيضًا أي دولة غربية أخرى تواجه ما نواجهه.
لم تعد ميزانية الأمن منذ زمن بعيد تعكس الغلاء الذي حل في العقود الأخيرة على أسعار المنظومات القتالية والمقدرات البشرية. فهي تتقرر في الغالب من خلال إنزال الأيدي غير الموضوعي بين وزارة المالية ووزارة الدفاع، ورئيس الوزراء يدعى دومًا أخيرًا كي يعلن عن المنتصر. أما هذه المرة فرئيس الوزراء هو الذي يأخذ المبادرة ويعلن مسبقًا: الرفع التدريجي لميزانية الدفاع إلى 6 في المئة من الناتج. وبالأرقام: رفع 4 مليار شيكل في السنة على مدى عقد. من 80 مليار شيكل اليوم إلى نحو 120 مليار شيكل بعد عقد (والمقصود ميزانية الجيش الإسرائيلي، الموساد والشاباك معًا). كقاعدة، في دولة كدولتنا، يجدر بميزانية الأمن أن تبقى ثابتة كنسبة معينة من الناتج القومي.
من أين سيأتي المال لهذه العلاوة؟ ليته كان ممكنًا الأمل في تقليص المخصصات للقطاعات غير الإنتاجية ومؤسسات التعليم التي لا تعلم أي شيء مجد، وهذا على ما يبدو لن يحصل. ومن ثم فإن هذه العلاوة ستأتي على ما يبدو عبر زيادة العجز. إضافة إلى ذلك، ثمة أمل في نجاعة الجيش الإسرائيلي بـ 1.5 مليار شيكل لسنتين. أشك في أن يتمكن الجيش الإسرائيلي سيحقق هذه النجاعة بمثل هذه الأرقام، ليس لأنه بلا دهون سمينة، بل لأن مثل هذه النجاعة تأتي
أساسًا من تقليص القوى البشرية، وسيكون من الصعب جدًا تقليص الجيش الإسرائيلي الذي بات نحيفًا بآلاف من رجال الخدمة الدائمة في السنوات الأخيرة. المهم هو أن هذه العلاوة ستكون المادة البروتينية لبناء العضلات وليس مجرد مزيد من السكر الذي يوسع حزام السمنة.
يفترض بالمال أن يذهب قبل كل شيء لاستكمال مشروع الحدود: إنهاء إحاطة إسرائيل بالجدران العالية وبالوسائل الإلكترونية على نمط جدار الحدود مع مصر. وهو سيستثمر في تطوير القدرات الهجومية للجيش الإسرائيلي انطلاقًا من الفهم بأننا في غضون عقد من الزمان قد نجد أنفسنا أمام تهديد غير تقليدي.
بهذا المال سيكون ممكنًا جعل إسرائيل متساوية القيمة مع أربع قوى عظمى السايبر العالمية. فقد أصبحت قدرات السايبر أداة يمكنها أن تحسم المعارك، ومن يعرف كيف يطفئ تمامًا الكهرباء في الدولة الخصم هو الذي سينتصر في الحرب. عندنا لا يزالون يتعاطون مع السايبر كأداة للحملات الخاصة والمبادرات العرضية، وهو لا يدار كأداة في المعركة. إسرائيل ملزمة بأن تبني ذراع سايبر واحد يعمل في الهجوم وفي الدفاع. وخير فعل وزير الدفاع إذ عرض هذا السؤال على كل المرشحين الأربعة على منصب رئيس الأركان.
المنظومات الصاروخية
مجال آخر، سيكون الدفاع متعدد الطبقات ضد الصواريخ، ويجدر بأن يصادر التسلح به من يد الجيش وينتقل إلى مسؤولية القيادة السياسية. يعرف قادة الجيش بأن أداءهم يكون في العمليات خلف الحدود وليس في الدفاع، وعليه فكل رئيس أركان سيفضل أبدًا مزيدًا من القدرات الهجومية على القدرات الدفاعية. فلو كان هذا منوطًا بالجيش لكنا دخلنا «الجرف الصامد» مع أقل بكثير من صواريخ اعتراض القبة الحديدية، فقدرات الدفاع ضد الصواريخ حرجة للاقتصاد الإسرائيلي، وعليها أن تكون جزءًا من الجهود لتحصين الجبهة الداخلية.
المجال الأخير الذي لا يقل أهمية هو الاستثمار في الجيش البري، الذي يعيش أزمة مستمرة رغم أن القيادة العسكرية تنفي ذلك. على الورق. يحظى الجيش البري اليوم بمقدرات غير مسبوقة، ولكن خليطًا من نموذج الخدمة الجديدة الدائمة، التي لا تسمح بضمان الأفق للضباط الشبان، وبين تقليص الخدمة الإلزامية، إلى جانب عدم ثقة القيادة العسكرية العليا للقدرات البرية، كل هذه خلقت شرخًا عميقًا في الوحدات الميدانية. فالعتاد موجود بوفرة، ولكن الدافعية والإحساس بالقدرة يعيشان نقصًا خطيرًا.
جزء من المشكلة يكمن في مبنى الجيش: على مدى 36 سنة لوجود قيادة الذراع البري، المسؤولة عن بناء القوة من دون ستخدامها، تثبت بأن هذه الفكرة ببساطة غير ناجحة؛ فالقوة يجب أن يبنيها من يستخدمها أيضًا في الحرب بعد ذلك. ومن تحمل المسؤولية عن أداء فاشل للجيش البري في حرب لبنان الثانية كانت قيادة المنطقة الشمالية، وليس قيادة الذراع البري، كان يفترض بها أن تعده.
معاريف 17/8/2018