أزعم أن السؤال الأكثر إلحاحا في الأوساط الثقافية العربية، في وقت يتم فيه إلغاء الفواصل الجغرافية والثقافية بين مختلف الشعوب بفعل التطورات التكنولوجية المتسارعة وسطوة الإعلام الجديد، هو مدى تأثير العالمي في المحلي، من خلال توفير آليات جديدة وفعالة لتصريف الخطاب الثقافي.
أعتقد أن الجانب الأكثر جاذبية لتناول هذا الموضوع هو من خلال دراسة تأثير شبكات التواصل الاجتماعي على تطور الثقافة العربية، نظرا لما تمتلكه هذه الشبكات من خصائص ثورية تميزها عن المواقع الإلكترونية التقليدية.
التأثير الثقافي لشبكات التواصل الاجتماعي: خاصيتا التفاعل والحياد
تمتاز شبكات التواصل الاجتماعي بخاصية غير قابلة للمقاومة هي «خاصية التفاعل الآني» مع المحيط الواسع للمستعملين في شتى بقاع العالم، بجنسياتهم وثقافاتهم المختلفة، حيث توفر هذه الشبكات للمتصفح إمكانية التفاعل مع عدد لا متناه من المستعملين والفئات والمجموعات والمواقع (49 مليون عربي مستخدم للفيسبوك مقابل مليوني مستعمل لتويتر سنة 2013) كما أنها توفر أيضا آليات رائدة لهذا التفاعل، قد ترقى إلى مستوى «لغة جديدة للتواصل»، وهي بذلك تلائم كسل المستهلك الحديث، فالمتصفح مثلا بدل أن يكتب تعليقا على محتوى معين على «الفيسبوك» أو «تويتر» يمكنه الاستعانة بوسائط توفرها هذه الشبكات تسهل عليه هذه العملية، فبدل أن تكتب، يمكن أن تكبس على أيقونة «أحب» أو»لا أحب» كما يمكن أن تشارك صاحب المحتوى بنقله على صفحتك أو إلحاقه تعليقا على محتوى وسائطي آخر (صورة أو فيديو قصيرا مثلا).
لقد أثرت هذه الشبكات بشكل كبير في الأوساط الثقافية، إذ يمكن أن نجد الآن في أهم المراجع العلمية والأكاديمية إحالات على مواقع التواصل الاجتماعي، وتمتلئ المكتبة بدراسات تتناول جوانب عديدة لتأثيرات هاته المواقع الجديدة على صناعة الثقافة، وتوجيه الرأي العام والمستهلك، كما أن حركة النشر تحولت بشكل كبير من النشر الورقي إلى النشر الإلكتروني، نظرا لسهولة تداوله وكلفته المالية، ويذهب العديد من الدارسين إلى أن الكتاب الورقي مهدد بالزوال إذا استمرت وتيرة استعمال التقنيات الحديثة في النشر والقراءة في تصاعد، وقد حاولت بعض دور النشر التأقلم مع هذه المعطيات الجديدة فأعطت بذلك دفعة نوعية لصناعة الثقافة، فتحول أهم المجلات والصحف الدولية إلى الشبكات الاجتماعية جعلها تكتسح فئات عريضة من القراء لم تكن تحلم يوما بالوصول إليها، وقد جربت بعض دور النشر استثمارات ضخمة في صناعة الكتاب الإلكتروني، لنشهد بعد ذلك موجة من الكتابات المستندة إلى ما ينشر على شبكات التواصل الاجتماعي الأكثر تأثيرا، فدار النشر البلجيكية «Biliki» مثلا أطلقت مجموعة إصدارات لنشر مقولات أشهر المدونين ورقيا، حيث لاقت هذه التجربة نجاحا كبيرا، وأصبحت شبكات التواصل الاجتماعي، إلى حد كبير، فضاء للإبداع الأدبي والتواصل، فمعظم الكتاب والكاتبات العرب يتوفرون على صفحات لنشر مقاطع من إبداعاتهم والتواصل مع قرائهم، وهناك من الكتاب من تحولت «الزقزقة» إلى طقس يومي في حياته الإبداعية.
كما أن شبكات التواصل الاجتماعي توهم المستعمل بنوع من «الحياد» اتجاه ما ينشر، بحيث توفر له هذه الشبكات الأرضية التقنية والمعمارية لوضع المحتوى الذي يريد، من دون رقابة ولا قيود ظاهرة، وتفسح المجال أمامه لتجريب الكتابة ومخاطبة العالم وتوهمه بنوع من البطولة المؤقتة، وهو ما يشجع على الإقبال المتزايد عليها، في الوقت الذي يتراجع فيه الإقبال على المواقع الإلكترونية التقليدية، رغم الانتقادات الشديدة التي تتعرض لها الشبكات الاجتماعية، خصوصاً موقع (الفيسبوك).
قدمت شبكات التواصل الاجتماعي للكتاب العرب فرصة لا تعوض في تجريب كتابة جديدة والانفتاح على فئات واسعة من القراء والمهتمين، ظلت إلى حد بعيد هامشية وبعيدة عن تلقي المنتج الأدبي والثقافي، وقد تميزت الكتابة الإلكترونية بميزات ضمنت إلى حد بعيد تأثيرها العميق في فئات عريضة من الشباب والطلاب والمثقفين:
□ التكثيف والإيجاز: تستدعي الكتابة الإلكترونية تكثيفا واختزالا للمعنى، فالبنية التحتية التقنية وطبيعة المتلقي لهذا المنتج الأدبي الجديد والنوعي لا تسمح بالاستغراق الذي يسم الكتابة التقليدية العربية، فالمتلقي لا يكون دائما من فئة «القراء الجيدين» وذوي النفس الطويل في متابعتهم للإنتاجات الأدبية، بل من المستعملين العاديين الذي كسبتهم إلى صفها هذه الآليات الجديدة، وبالتالي فتكثيف المعنى يكون ضروريا لاستقطاب اهتمام هذه الفئات العريضة من المتلقين، ويبدو أن شبكات التواصل الاجتماعي ملائمة لأجناس أدبية بعينها، بل هناك من حاول اعتبار الكتابة الإلكترونية مقدمات لجنس أدبي جديد، فهي تلائم القصة القصيرة جدا والشعر أكثر مما تلائم الرواية مثلا، وقد ذهب بعض النقاد إلى تشبيه الأدب المنشور على شبكات التواصل الاجتماعي بشعر الهايكو الياباني، نظرا للتقارب الكبير بينهما من حيث الشكل والمحتوى، وهناك من الأدباء الجدد من جرب أشكالا جديدة من الكتابة الروائية على شبكات التواصل الاجتماعي، فقد أطلق لوران زافاك، رواية على تويتر بعنوان «Kamuks» كما نشر تياري كروزي رواية «Croisades وكتب مات ستيورات رواية «الثورة الفرنسية» في 3700 زقزقة على تويتر.
وبالنظر لكون فئات عريضة من متلقفي هذا النوع من الكتابة هم عادة من غير المتخصصين، ولا يتوفرون على الدربة اللازمة لتفكيك النص الأدبي تفكيكا نقديا، كما هو الأمر بالنسبة للقارئ العادي، فقد كان لزاما على هذه الكتابة أن تكون أكثر مباشرة، حيث تستغني في كثير من الاحيان عن الصنعة والإنشائية فتصبح صفحة الكاتب مثل دفترا إعلانيا لحالته الوجدانية ويومياته ومواقفه.
□ المرونة: توفر البنية التحتية التقنية لشبكات التواصل الاجتماعي إمكانيات تقنية وتواصلية ثورية، فهي بقدر ما تسمح بالنشر بالسرعة والشكل المطلوب، بقدر ما تسمح بالمشاركة والتعليق والتفاعل، وهي تتميز بذلك عن النشر التقليدي الذي يسير في اتجاه واحد، كما تسمح هذه الشبكات للكاتب أن يطور نصه أو يستعمله تواصليا الاستعمال الذي يريد بكبسة زر، فالنص هنا يتحول من «نص ميت» إلى كائن حي ينمو ويتطور ويتفاعل مع محيطه، وقد ألهبت هذه التقنيات حماس الكتاب والروائيين فأصبح «الفيسبوك وتوتير» مجالين خصبين لتجريب الكتابة الأدبية «الخفيفة».
وتكثر النماذج الناجحة والمبادرات في هذا المجال، إلى درجة ظهور تسميات في النقد الأدبي الحديث تخص هذا الصنف من الكتابات بعينها كـ«TweetBook» و «Twittérature» و«أدب 2.0» وإن كانت الكتابات النقدية العربية ما زالت في بداية مقاربتها لهذه الظاهرة الأدبية الفريدة. وبسرعة كبيرة التحقت دور النشر بهذا الاهتمام المتزايد بهذا النوع من الوسائط، وبفعل ومدى تأثيرها أصبح معظمها يتوفر على مدخل إلى هذا العالم كاستراتيجية من استراتيجيات التسويق المعاصرة، وحتى تقوي حضورها في العالم الإفتراضي. وقد ساهمت شبكات التواصل الاجتماعي في انفتاح هذه المؤسسات على قطاع عريض من المبدعين والقراء، بعد أن كانت دور النشر لا تستقطب إلا فئات معينة من الكتاب ذوي توجهات فكرية بعينها. ولعل هذا الحامل الجديد لهذا النوع الخفيف من الأدب يعطي قيمة أكبر للمنتج الأدبي الذي يحمله لسهولة تداوله وجاذبيته، ويجنب نسبيا دور النشر الخسارات المتتالية الناتجة عن منافسة النشر الإلكتروني الشرس للطباعة الورقية.
الآثار الثقافية لمواقع التواصل الاجتماعي
إن تهديد التنوع الثقافي هو أهم التأثيرات المباشرة على صناعة الثقافة في العالم العربي على الأقل في المدى المنظور، فقد تحولت مواقع التواصل الاجتماعي إلى آلة عملاقة لمؤسسة التبعية ولتسويق قيمها وفرضها على العالم، بحيث أصبحنا نعيش عصر القيم العابرة للقارات بواسطة آليات مركزية تعتبر كل القيم المغايرة قيما دونية، مع ما يترتب عن هذه الرؤى من صدامات حضارية وأزمات. إن تهديد التنوع الثقافي يتزامن مع تنامي نزعة التنميط الثقافي وعولمة قيم وسلوكات وأنماط حياة الإنسان الكوني. ولهذا كان الانتباه لازما لهذا النوع من التهديد الشامل للغة العرب وهويتهم، ومحاولة تصحيح هذه الانحرافات بدعم الدراسات النقدية لتغطية هذا الجانب من الانتاج الثقافي العصي على المراقبة والتفكيك.
إن توحيد المخيال باستعمال شبكات التواصل الاجتماعي ينحو بالعالم نحو سقطة معرفية بدأت ملامحها تتجلى منذ الآن، أحد أهم أوجهها السطحية والمباشرة. فغير خفي أن عالم الغد سيكون عالما ميكانيكيا رتيبا، من دون اختلاف ولا تنوع، وسيبدو الإنسان صورة طبق الأصل لغيره في أنحاء العالم ما دامت كل القيم والخصوصيات ستختفي لتحل محلها قيم الاستهلاك واللذة، وسيجد الإنسان نفسه مهددا في خصوصياته النفسية والوجودية.
أعتقد أن واقع الحال أصبح يملي علينا استراتيجية ثقافية عاقلة لصياغة نظريات نقدية تتجاوز الاستلاب التاريخي، الذي يمثله اتجاه نحو قراءة منتجات الحضارة الغربية قراءة تاريخية عبر إسقاط آليات نقدية أنتجتها الثقافة الإسلامية عبر العصور، على حضارة لم تعد خاضعة للمقاييس التقليدية نفسها، ومن جهة أخرى تتجاوز الاستلاب الجغرافي الذي يمثله اتجاه نحو التماهي مع الآخر الحضاري كتعبير عن حالة الهزيمة والدونية أمام قوته التقنية والتنظيمية.
كاتب مغربي
محمد بوهرو