ثورة يناير في الطريق لدخول حقبة ما بعد الشيطنة‫!‬

حين صدر كتابي في ذكرى ثورة يناير الأولى ‫)‬2012‫(‬ اعتبر البعض أن عنوانه ‫«‬ثورة 25 يناير‫..‬ من الإعجاز حتى الشيطنة‫»‬ كان متحاملا بعد مرور عام واحد على اندلاعها، وكانت النية تتجه إلى إصدار كتاب مع ذكراها السنوية؛ يسجل ويدون تطوراتها في سنتها المنصرمة‫..‬ ومادة الكتب جاهزة للطبع، وحالت ظروف صحية وعائلية وعامة دون ذلك‫..‬ وربطت مقدمة الكتاب بين موت البوعزيزي حرقا نهاية 2010‫..‬ وموت محمد عبد الحميد شتا قبلها بثمان سنوات غرقا في نيل القاهرة‫..‬ والقصتان معروفتان‫.‬
وحدثتا بسبب التمييز، وانتشار سياسة ‫»‬اللياقة الاجتماعية‫»‬؛ المعتمدة على الثروة ، وحجم ما يملك الشخص من مال منقول وسائل، وما زالت سارية لالتحاق أبناء الموسرين وذوي النفوذ بسلك القضاء والنيابة، والسلك الدبلوماسي والعسكري والأمني ‫(‬الشرطة‫)‬، ووصل إلى المجالات الأكاديمية والوظائف الرسمية‫.‬
واللائقون اجتماعيا هم من أجهضوا الثورة، ورعوا مخططا مدروسا أعاد حكم عائلة مبارك.. وما الهجوم الضاري على ثورة يناير لكونها كانت ضد كل ذلك.. ودخلت ضمن قائمة المناسبات واجبة الشيطنة.. وعوملت كثورة يوليو، وكما كانت ذكراها تقتصر على خطاب بروتوكولي لا يقدم ولا يؤخر، يحدث نفس الشيء، وتمر ذكرى ثورة يناير على نفس النهج.. بينما شبابها خلف القضبان بموجب إجراءات الحبس الاحتياطي؛ الأقرب للحبس المفتوح.
تغيرت مهمة الشرطة واقتصرت على التحري والضبط والإحضار، وترِكت الباقي للنيابة والقضاء، إلا أن المسؤولية السياسية الأولى تقع على كاهل رئيس الدولة.. وحل عقدة الثورة في يد وزير العدل الحالي، الذي ينتقم من الثوار وكأن بينه وبينهم «تأر بايت»، ومنصبه يوجب عليه كمسؤول عن العلاقة بين السلطتين التنفيذية والقضائية؛ إقامة علاقة سليمة بين السلطتين لصالح التطبيق الصحيح للعدالة، ومسؤولية الرئيس السيسي تكليف وزير العدل بمهمة الوصول إلى حل.. وتقديم مشروع قانون لمجلس النواب للتخفيف من وطأة القانون الحالي وعلإج معاناة الثوار من طول مدد الحبس الاحتياطي.
وأسأل نفسي هل من مصلحة الرئيس أن يخسر الثورة؛ مجاملة لأصحاب المصالح وكسبا لثقة الثورة المضادة؟.. وهل هناك ما يبرر الإبقاء على من يجيدون السمع والطاعة، ولا يتجرأون على إبداء رأي قد يُخالف هوى الرئيس؟، وهو الذي صرح مرارا بأنه لا يحمل في عنقه دينا يسدده لأحد.. ونسي أن في عنقه دينا واجب السداد للشعب؛ بعيدا عن مهرجانات النفاق، وقد زينت للرؤساء والمسؤولين الكبار السابقين أن كلامهم لا يرد، وكأنه منزل من السماء، وعلى الرعية الإذعان له دون نقاش أو اعتراض..
ولنبتعد عن السياسة ونضرب مثلا برجال الدين، وبعضهم يتصور أنه مفوض بالحديث باسم السماء؛ ونضرب المثل بأشهر شيخين شهيرين هما محمد متولي الشعراوي ومحمد عبد الحميد كشك حين اختلفوا.. وقد اعتاد كشك الهجوم على السلطة وعلى أرباب السياسة وأهل الفن؛ هاجم زميله الشعراوي، وقت أن كان وزيرا للأوقاف، والسبب هو ما قاله عن السادات في مجلس الشعب (20 آذار/مارس 1978) ونصه: «والذي نفسي بيده لو كان لي من الأمر شيء لحكمتُ لهذا الرجل الذي رفعنا تلك الرفعة وانتشلنا مما كنا فيه إلى قمة ألا يُسألَ عمَّا يَفعل!». فهب كشك صارخا: «ماذا تقول لربك غدًا يا شعراوي….! من الذي لا يسأل عما يفعل يا شعراوي؟، وردت الجماهير خلفه يعلو صوتها: الله الله»!!.‫.‬
وبالمناسبة لأتطرق لمسألتين هامتين: الأولى.. عتاب الرئيس لمجلس النواب بسبب رفض قانون الخدمة المدنية‫..‬ والثاني هو الإصرار على إنشاء عاصمة جديدة! وعن عتاب الرئيس لمجلس النواب‫..‬ نعود إلى الانطباعة التي خرج بها كل من اطلع على قانون الخدمة المدنية، حيث بدا ضربا من خصخصة الدولة ووظائفها، وهذا يُعرضها للتلاشي، وهو ما ينتظره أعداء الداخل والخارج بفارغ الصبر‫..‬ ولا يجب أن يتجرأ أحد على تقديم هذه الخدمة لهم‫..‬ وحين يرى الرئيس السيسي أن مصر بسكانها التسعين مليونا يكفيها مليون أو اثنان فقط من موظفي الدولة لإدارتها.‫.‬ عليه أن يشرح للناس كيف؟!
ومن جانبنا بحثنا بين قوانين الخدمة المدنية وحجمها في دول أخرى مثل المملكة المتحدة ‫(‬بريطانيا العظمى‫)‬ وفرنسا وألمانيا والهند والصين وأسبانيا، واخترنا المملكة المتحدة‫..‬ والسبب كفاءة الخدمة المدنية العالية فيها‫.‬
والنص التالي مترجم عن اللغة الانكليزية بتصرف؛ والخدمة المدنية فيها تشمل موظفي التاج، وهم العاملون في إدارات الحكومة المركزية؛ من غير موظفي مجلس العموم ‫(‬البرلمان‫)‬، ولا العاملين في الحكومات المحلية، ولا المنتسبين للقطاع العام، الذي يختلف مفهومه عما هو موجود في مصر، فيشمل التعليم والصحة، ولا يضم جهاز الشرطة والعاملين فيه‫..‬ ومع ذلك فإن إجمالي العاملين فيه كان أكثر من ستة ملايين عام 2012 حسب البيانات الرسمية لمكتب الإحصاء العام، وهذا لعدد سكان لا يتجاوز ستين مليون نسمة‫؛‬ يخصم منه العاملون في إيرلندا الشمالية، التي تتمتع بدرجة استقلال عالية‫..‬ وانتقلت إليها كثير من الاختصاصات المركزية إلى ‫»‬الخدمة المدنية لإيرلندا الشمالية‫»..‬ وكذلك الحال مع موظفي ‫»‬مكتب الشؤون الخارجية والكمونولث‫»‬ وأعضاء السلك الدبلوماسي؛ المرتبطين بالحكومة والمستقلين عن الخدمة المدنية في الوقت ذاته‫.‬
والجهاز الحكومي المصري به اختلالات وفساد منتشر من المتوقع أن تزيده الخصخصة تعقيدا‫..‬ والحل في تطهيره وتطويره وإصلاحه ورفع كفاءته‫..‬ والمخاطر جمة إذا ما تقلص إلى مليون أو اثنين؛ لدولة تعدادها 90 مليون نسمة‫،‬ وبها وزارات ليست موجودة في بلد آخر؛ كوزارة التموين والتجارة الداخلية‫.‬
ويبدو أن القانون صدر دون تقدير للأضرار الحقيقية التي تلحق أسر الموظفين والموظفات، ويصل العاملون في أكبر وزارات مصر، وهي التربية والتعليم إلى ما يقرب من 2 مليون شخص ونحو 40 ألف مدرسة حكومية، وإذا ما تخصخصت وبيعت لأباطرة المال وملاك المدارس الخاصة، فمعنى ذلك إطلاق رصاصة الرحمة على العملية التعليمية المحتضرة‫.‬ وثاني أكبر الوزارات المصري هى وزارة الداخلية؛ وهل من الممكن خصخصة الشرطة؟ وما هو مصير مراكز وأقسام ومديريات الأمن‫؟.‬ وإذا كانت الأرقام الرسمية تقدرها بـ830 ألف شخص و250 ألف أمن مركزي فإن صحيفة الاندبندت البريطانية قدرت الرقم في 2010 بما يزيد عن نظيره الصيني، ويبلغ مليون ونصف المليون شخص‫..‬ وقدرت العدد في مصر بمليون و700 ألف من مختلف الرتب والقطاعات بما فيها الأمن المركزي‫!!.‬
وإذا أضيف العاملون في وزارتي الصحة والأوقاف؛ كل على حدة؛ في حدود 420 ألفا، ومعنى الخصخصة إغلاق مستشفيات ومصحات الحكومة، وتقليص مساجد وزارة الأوقاف وتقليل مديرياتها‫.‬ وكل هذا دون التطرق لوزارات التعليم العالي والثقافة والإعلام والشباب والرياضة والشؤون الاجتماعية والتموين‫!!‬
أما المسألة الثانية هي العاصمة الإدارية الجديدة.. فهذه ليست المرة الأولى لتناولها.. فالقاهرة تمثل مستقر وادي النيل في شماله، ومدخل دلتاه نحو المصب، وهي من أعرق عواصم العالم.. ولم تبدأ نشأتها في عام 358 هجرية – 969 ميلادية، فموقعها الفريد قامت عليه عواصم سابقة وموجودة؛ تحكي قصصها، وبدأت نشأتها الحقيقية مع توحيد الوجهين القبلي والبحري عام 3200 ق. م.
هل هناك عاصمة يمكن أن تحل محل القاهرة؛ بما لها من عبق حضاري وقيمة تاريخية وتنوع ثقافي؟.. هل تصمد أي عاصمة أمام عراقة وجاذبية القاهرة؟، والعاصمة المقترحة لن تكون أوفر حظا من عاصمة السادات التي انتهت مدينة عادية، لم يبق منها إلا الاسم والسكان الوافدون إليها من قلب محافظة المنوفية التي ضاق بسكانه!!
وكل هذا يتم دون اقتراب من أهداف الثورة ومع تضييق على قواها.. وإذا ما سارت الأمور على هذا النحو فقد يزيد معدل الضغط والملاحقة، ووقتها نستطيع أن نجزم أن الثورة دخلت حقبة مختلفة يمكن أن نطلق عليها حقبة ما بعد الشيطنة!!.

٭ كاتب من مصر يقيم في لندن

محمد عبد الحكم دياب

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية