لندن ـ “القدس العربي” من صادق الطائي: في صباح ممطر يوم الأربعاء الماضي، تمت إزاحة الستار عن العمل الفني الجديد الذي سيشغل «قاعدة العمود الرابع» في ساحة الطرف الأغر الشهيرة وسط لندن. العمل بعنوان «العدو الخفي لا ينبغي أن يبقى» نفذه فنان أمريكي من أصول عراقية هو مايكل راكويتس ويمثل مجسما للثور المجنح الآشوري الشهير بارتفاع 14 قدما وصنع من حوالي 10500 علبة مواد غذائية بعد تدويرها، والعلب المستخدمة في العمل هي علب عسل التمر العراقي المعروف بـ «الدبس» وهو مادة غذائية يتم استخراجها بعصر التمر العراقي، وعرفت هذه الصناعة تاريخيا في وادي الرافدين منذ عصور السومريين والبابليين حيث مثل عسل التمر مادة غذائية مهمة في حياة السكان.
و لـ «قاعدة العمود الرابع» في ساحة الطرف الأغر قصة تاريخية تمتد إلى ما قبل منتصف القرن التاسع عشر، فقد سميت الساحة بهذا الاسم نسبة إلى الانتصار الإنكليزي الكبير في معركة «الطرف الأغر» البحرية التي دَمّر فيها الأسطول البريطاني أسطولي فرنسا وإسبانيا عام 1805م إبان حقبة الحروب النابوليونية، حيث يتوسط الساحة تمثال ضخم لقائد المعركة الأدميرال اللورد نيلسون، محاطاً بأربعة أسود برونزية ومجموعة من النوافير، بينما تشغل زوايا الساحة نصب فنية لشخصيات لعبت أدوارا مهمة في التاريخ البريطاني، وقد صمم قاعدة العمود الرابع للساحة سير تشارلز باري عام 1841 وكان من المقرر أن يوضع عليها تمثال للملك ويليام الرابع، لكن المشروع تعثر ولم ينفذ نهائيا نتيجة نقص التمويل، وتركت قاعدة العمود الرابع فارغة لأكثر من 150عاما. وفي عام 1999 تبنت الجمعية الملكية للفنون مشروع «قاعدة العمود الرابع» حيث يتم وضع تماثيل متعاقبة لفنانين معاصرين يجري اختيارها عبر مسابقة يشرف عليها مكتب عمدة لندن، ويمثل نصب الثور المجنح العمل الفني رقم 12 في قائمة الأعمال التي عرضت على القاعدة. وعلق إيكو إيشون رئيس لجنة التكليف بمشروعات «قاعدة العمود الرابع» على الأعمال الفائزة لهذه الدورة بالقول: «تلقينا هذا العام خمسة مشروعات قوية وكانت مهمة الاختيار من بينها صعبة للغاية. أريد أن أهنئ مايكل راكويتس وهيذر فيلبسون على فوزهما» حيث سيتبع عمل الفنانة هيذر فيلبسون عمل راكويتس في العرض. الفنان مايكل راكويتس الفائز بتصميم نصب «العدو الخفي لا ينبغي أن يبقى» الذي عرض على قاعدة العمود الرابع، أمريكي ولد في شيكاغو، والدته تتحدر من عائلة عراقية ذات أصول يهودية هاجرت من العراق في أربعينيات القرن الماضي، وهو صاحب مشروع يمزج بين مبادئ الحفاظ على البيئة والفنون المعاصرة عبر عملية إعادة تدوير النفايات وتحويلها إلى أعمال فنية، وقد تحدث للصحافة بعد فوز مشروعه قائلا: «إن الشرارة انطلقت مع تدمير المتحف العراقي عام 2003» ويضيف: «بدأت هذا المشروع عام 2006 لإعادة تركيب الآثار العراقية المنهوبة والمدمرة ولكن بطريقة مبتكرة من خلال استخدام علب المواد الغذائية وغيرها بعد إعادة تدويرها وتحويلها إلى أعمال فنية». ويهدف راكويتس إلى إعادة بناء سبعة آلاف أثر عراقي من مقتنيات المتحف العراقي تعرضت للنهب والتدمير منذ 2003. ويضيف: «هذا العمل يمثل تلويحة محبة لكل من فقدوا حياتهم التي لا يمكن لنا أن نعيد تكوينها. التدمير الثقافي وحرق الكتب لا يرقيان لمغزى تدمير الآثار الذي تصحبه دائما مآس إنسانية».
وبالرغم من الفرحة التي لفت العديد من أبناء الجالية العراقية الذين حضروا افتتاح نصب الثور المجنح وسط لندن، إلا ان الغصة التي يشعرون بها ما زالت كبيرة نتيجة تدمير النسخ الأصلية من آثار بلادهم على يد عصابات «داعش» الإرهابية عام 2014. ويختصر راكويتس هذا الشعور في تصريحه لصحيفة «الغارديان» بالقول: «عملية إعادة تكوين هذه الأشكال لتشبه القطع الأصلية لها معنى كبير بالنسبة لي، ولكنها أيضا تثبت لي استحالة إعادة بناء التاريخ. وبغض النظر عن التطور التكنولوجي فالحمض النووي للمجتمعات لا يمكن تجميعه مرة أخرى».