ثيمة الخوف في رواية «لن أغادر منزلي» للبناني سليم البطي

■ الحرب لا تعني القتل بالرصاص أو الموت في حرب باردة أشعلت الأوطان، ولكن الحرب في ذكريات لا تُنسى، تلك التي تحمل في طياتها الحروب المختلفة بأشكالها الاجتماعية والسياسية والدينية والعقائدية، «وحدها الحرب قادرة على التحكم في أنفاسها وأنفاسنا بسلطة لا يبطل مفعولها»، وما الصراعات التي تنشأ في النفس إلا نتيجة لخوف، أرهق الإنسان منذ طفولته، وما الحرب في رواية «لن أغادر منزلي» للروائي سليم البطي، الصادرة عن دار نوفل، إلا سلسلة من المشاهد التي سرقت من المخيلة جمالية الحياة الممزقة، المرتبطة بمراحل مختلفة من حرب لبنان لسوريا للعراق ولفلسطين سابقا وحاليا ولاحقا، ومشهد اللجوء يتكرر والطفل الذي يسرق التفاحة هو نفسه في كل زمان ومكان، حيث تستعر الحروب، وتتآكل البلاد مع شوارعها وأبنيتها وقصص الحب، وحتى الإنسان «فالحرب تجبل بشراً مختلفين تماما عما كانوا»، ومع ذلك ما زالت روايات الحروب العربية في ذروتها، حيث يستحيل الخيال إلى لعبة فنية تستنجد بالحدث الذي مزق الوجدان، وترك طفل التفاحة في زؤان الخوف، وحكايا الأم الموجوعة التي تخبئ موت الزوج أو موت العائلة، أو الجدار الذي يبقى في المنزل بينما يغادره أهله. إذ بقيت جدته هي وحفيدها أو الاخ من أم أخرى، أو أي امرأة في زاوية من بيت دمرته الحرب، أو في خيم اللجوء أو حتى في انتظار الرحيل. فهل يحاول سليم البطي في روايته رسم الخوف النفسي الذي يعاني منه الأطفال ويلازمهم في الكبر؟
رغم أن الرواية تخللتها لهجة الشارع غير المنضبطة في أخلاقيات الرجل، الذي شب بين الحروب، وترعرع على أرصفة الغربة منتظراً السلام، أو الطفل الذي لجأت امه إلى دولة أجنبية فانتمت إليها، إلا أن القارئ يتعاطف مع بطل الرواية لكثرة المآســــي والعتب في المعاني المحشوة برمزيات، هي الأدوات الفعلية للرواية التي نسجها الكاتب، بلغة أتقن السرد فيــــها، وجعـــلها مرحلة واقعية يعاني منها الروائي فـــي روايـــته أو بطل الرواية، الذي يتمنى لملمة نفسه في يوتوبيا، مركزاً على إعـــادة لإحياء اللحظة التي غادر فيها منزله، وبدأ يكتشف أثر الحروب على الإنسان أو على أفراد الشعب المقهور، وتحولاتهم البشرية في لحظة يفقدون فيها إنسانيتهم. ليحافظوا على البقاء تحت النيران المستعرة، منتقدا سليم البطي الكثير من الأفكار والعقائد المساعدة في رسم الاختلافات الانتمائية للأطراف المتصارعة في ما بينها.
ويبدو أننا سنشهد مرحلة طويلة من الإنتاج الروائي المقبل من صراعات نشبت في البلدان العربية، أو حروب العصر الحديث، كحرب سوريا والعراق واليمن. والأدب الروائي الناتج عن ذلك، ما هو إلا إعادة ذكرى أو إحياء لحروب لبنان وفلسطين التي ما زالت على قيد الحياة في الذاكرة العربية التي لن تموت.
رواية تؤرخ لمرحلة مهمة من تأثير النزاع المسلح على الإنسان، في الكثير من البلدان العربية، وصولا إلى الرؤية الغربية البسيطة، من منظار من اتشحوا بثوب الغربة أو اليتم، بتلميح إلى الآثار السلبية على الإنسان، أو على الأطفال خاصة، ومن نظرة عامة إلى خاصة، بأسلوب شيده الروائي بأدب ما بعد الحروب التي تنادي بحقوق الإنسان وحق الأوطان وأراضيها، والنتائج المؤثرة على وعي الإنسان باختلافه من العائلة الكبيرة إلى العائلة الصغيرة «علت صيحات صخب بارات الجميزة ودوي بكاء ضحكات أطفال المخيم الراسخة في رأسي. هاج نواح العوائل النازحة ورفرفت أعلام قهرهم في أخيلتي، وشعرت بلمسة كف جدتي»، فهل تعتبر روايته هي نقد الحرب في الأدب الروائي، كظاهرة نتجت عن الثورة العربية التي أيقظت الحروب ما قبلها وأهمها حرب لبنان؟
ليس من المستغرب أن يكتب من مزقته الحروب، ولكن من المستغرب أن يكتب من أنهكته حتى الأمراض المستعصية والمتوارثة، وهي كالحروب تماما. والخوف منها كالخوف من النزوح واللجوء والتعرض لأبشع المواقف والاحتياجات، كاحتياجات المرأة والرجل والطفل والعجوز والمريض، أثناء لجوئهم إلى بلدان مجاورة.
وليس من المستغرب أن يكتب من سلبته أمه حق القرار. فهل يمكن الاستغراب من القلم الروائي الذي احتفظ بالجينات الوراثية للحروب في ذاكرته المحشوة بالألم، والمحشوة بالعلاقات التي تمزقت مع أحبائهم، ما يكشف عن ويلات نفسية هي أكبر من الحروب التي تبدأ وتنتهي «وضعت خالتي يدها فوق عيني سداداً لهما. لا تريد لطفل أن يتذكر هذا المشهد. لم تعلم أنني لا أبصر كما يبصرون» وبمعنى مشبع بكوارث عامة نفسية وجسدية وعائلية واجتماعية وسياسية وغير ذلك.
الهموم العربية ونتائج الحروب التي نهبت واستهلكت النسل والحرث، وكل ما من شأنه أن يجعل من الأمة مصابة بالتخلف أو بالمرض المخفي الذي يظهر فجأة قبل الموت بسويعات قليلة «ربما تبحث بضراوة عن تماثيل أثرية أو مسلة، أو في أسوأ الحالات عن لوح مسماري لنفيه في متاحفهم التي تعاني من سمنة مفرطة ناتجة عن التهام الآثار العربية الدسمة»، ليحتل المشهد العائلي الصراعات أيضا، كما احتلها كل نازح يحتاج لحقوق الإنسان حيث تتبلور في الرواية الشخصية المتأثرة بالحروب الكبرى والحروب الصغرى، أي حروب الأوطان وحروب العائلة، حيث الأم التي تتطلع إلى تحقيق طموحها المتغذي على سلب حقوق أخرى «وكأن جزئيتها العربية بقايا لوشم مختبئ لا يجالسه إلا من يعريها»، فهل قلم سليم البطي هو القلم الروائي؟ أم القلم الناقد الاجتماعي؟ أو قلم يبرز نتائج ما بعد الحروب، أو صراعات الإنسان في الداخل، والمتميز بمفاهيم حقوق الإنسان أو البطل الخارج من قمقم شبابي تتنازعه هواجس الحروب، من خلال صياغة مفهوم الخوف واختزال ذلك في العنوان المؤدي إلى اختيار الموت، ولا النزوح أو اختيار البقاء فــــي الركن الذي يكشف عن العديد من القضايا، التي أظهرها في رواية «لن أغــــادر منـــزلي» بدون أن يعتمد على الجرائد، أو الرسائل أو الروايات الأخرى، وإنما على التأملات الاجتماعية والحياتية، التي تسود الواقع حاليا وعلى ذكريات الطفل الذي أخذته خالته من جدته لترسله إلى أمه مغمض العينين.
فعكس الحالة الروائية على النفس التي شاكست الأم أو الوطن، وتركته في حالة تمزق وإعادة لبناء الذات، والتي تمثل في نهاية الرواية البداية.

٭ كاتبة لبنانية

ثيمة الخوف في رواية «لن أغادر منزلي» للبناني سليم البطي

ضحى عبدالرؤوف المل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية