في الأيام العادية كان يمكن لمنح ديفيد غروسمان جائزة إسرائيل في الآداب، أن يكون أمرا مسلما به. إذ يحظى عمل غروسمان الأدبي بجمهور متحمس من القراء في البلاد وفي العالم، ويحظى بتقدير هائل من النقد الأدبي هنا وهناك. فهو أدب كوني وفي الوقت نفسه أدب إسرائيلي جدا أيضا، يتسلل عميقا إلى ألم الإسرائيليين ويعطيهم متنفسا وتعبيرا. أقدامه مغروسة عميقا في أرض البلاد، في مناظرها، وأكثر من ذلك في مشاهدها الإنسانية. اختياره مسلم به لدرجة أن الكثيرين فوجئوا عند سماع أنه لم ينل جائزة إسرائيل حتى الآن.
ولكن هذه الأيام، ليست أياما عادية. فالسياسة السائدة في إسرائيل اليوم هي سياسة قبلية، نزاعية، محرضة ومقسمة. من يتجرأ على الاختلاف مع طريقة الحكومة، يتشرف بنزع الشرعية ورفضها الشخصي. وزيرة الثقافة هي مسؤولة الرقابة الرئيسة. فهي تؤهل أعمالا فنية وتشطب غيرها، تعلن من هو الوطني ومن هو الخائن، من هو الجدير بالمساعدة الحكومية ومن هو المقصي، من هو الجدير بالعرض في المهرجانات ومن ليس جديرا، وكل هذا بخلاف الصلاحيات التي يمنحها لها القانون.
لقد منحت جائزة إسرائيل للآداب في المرة الأخيرة عام 2015. وجرت انتخابات الكنيست في شهر آذار من تلك السنة. وعشية الانتخابات قرر نتنياهو استخدام صلاحياته كقائم بأعمال وزير الثقافة وأقال اثنين من أعضاء لجنة التحكيم: البروفيسور آفنر هولتسمان والبروفيسور أرئيل هيرشفيلد.
وكانت الخطوة غريبة: ماذا يضير رئيس الوزراء أي بروفيسور في الآداب يكون عضوا في لجنة الجائزة؟. وحتى اليوم دار جدال هل كانت تنحية المحكمين نتيجة انفجار غضب لم يسيطر عليه، أم كانت مناورة لامعة لاحتلال أصوات نوع معين من الناخبين؟.
مهما يكن من أمر، كان هذا تدخلا سياسيا فظا وعنيفا، باستقلالية وكرامة جوائز إسرائيل. بعد خطوة نتنياهو ألغى غروسمان ترشيحه، وسار آخرون في أعقابه.
وعليه، فقد كان شيئا مفرحا، يبث أملا في قصة الجائزة هذه المرة. بداية، كان رئيس لجنة التحكيم البروفيسور آفنر هولتسمان، البروفيسور إياه الذي نحاه نتنياهو في الجولة السابقة؛ وعرف وزير التعليم نفتالي بينيت كيف يتصرف.
التقليد في مشروع جوائز إسرائيل أن يُمنح وزير التعليم شرف مهاتفة الفائزين وتبليغهم بفوزهم. هذا موقف مثير للانفعال، نوع من الاختبار للوزير وللفائز على حد سواء. بينيت، الذي تعد رؤياه السياسية نقيضا لرؤية غروسمان، هنأ الفائز بكلمات حارة، بدت صادقة تماما، ذات صدقية تماما. وبعد ذلك نشر بيانا أثنى فيه على «حكمة القلب والمشاعر الإنسانية واللغة المميزة» للفائز. وتحدث بينيت باتساع عقل، في ما كان يعد هنا ذات مرة رسميا. فقد سعى لأن يوحد لا أن يقسّم. وهنأ الرئيس ريفلين قائلا: «غروسمان من عظماء الكتاب الذين عرفناهم».
تركزت التهاني بحق على نوعية غروسمان الأدبية. ومع ذلك، من المحظور أن ينسوا فكره السياسي وعمله الصحافي. فـ «الزمن الأصفر» لغروسمان أدخل إلى بيوت الإسرائيليين، الواقع في المناطق الفلسطينية عشية الانتفاضة الأولى. وعمليا حذر منها، تنبأ بها. وقد كان حذر منذئذ، عبر الكتابة في الصحافة وفي المقابلات والخطابات، من الهوة التي تفغر فاها أمام أقدام إسرائيل. فقد حذر من أننا سنصبح «دولة ثنائية القومية، دولة أبرتهايد، او دولة كل جنودها، كل حاخاميها، كل متطرفيها، كل عنصرييها. ستصبح إسرائيل طائفة كفاحية، أصولية، منغلقة في هوامش التاريخ».
«هذه أقوال قاسية على لسان وطني إسرائيلي، رجل تعزّ عليه الدولة كحياته. وقد ولدت من ذات حكمة القلب العميقة، من ذات المشاعر الإنسانية التي تحدث عنها بينيت. جميل أن تمنح الدول غروسمان أهم جوائزها. ما كان ليلحق ضرر لو أنها بين الحين والآخر قد استمعت له.
يديعوت 13/2/2018
ناحوم برنياع