في مقابلة في صحيفة «يديعوت أحرونوت» في تشرين الثاني 1980 قال مناحيم بيغن عن زئيف جابوتنسكي «شخص لا يستطيع، ويحظر القول إنه في أيامنا كان سيقرر أنه مع هذا أو ذاك». وهكذا الواقع المتغير منذ أيام جابوتنسكي، بصورة وحتى لمؤيديه، هناك صعوبة في تطبيق رؤيا «ضفتان للأردن». بناء على ذلك فإن الكسندر يعقوبسون كان على حق عندما كتب بأنه على الرغم من أنه لا يمكن تطبيق حلمه، «يمكن أن نكون مخلصين لقيمه» («هآرتس»، 18/2). ولكن من هنا المسافة بعيدة عن رأيه بأنه بدون حل الدولتين «لن يكون هناك للشعب اليهودي وطن».
أيضا الآن يصعب تصور أن جابوتنسكي كان سيجتاز ما وصفه دمتري شومسكي بـ «يقظة أيديولوجية» من حلم أرض إسرائيل الكاملة، ويدعو إلى دولتين. شومسكي نسب يقظة كهذه إلى تسيبي لفني، التي حسب رأيه هي مواصلة طريق جابوتنسكي («هآرتس»، 8/1). هذا لم يكن غريبا لو لم يدعوها أيضا للانضمام إلى ميرتس، لأنه حسب رأيه الطريقة الوحيدة في الظروف الحالية لتحقيق أساس المساواة القومية ـ المدنية لعقيدة جابوتنسكي، هي تقسيم البلاد.
يعقوبسون وشومسكي يريان في «الدولتين» حلا للنزاع، الذي يجسد مبدأ المساواة حسب عقيدة جابوتنسكي. حسب شومسكي هذه هي الطريقة الوحيدة لتحقيق المساواة الحقيقية بين شعبين، ويعقوبسون يحذر من أن رؤيا جابوتنسكي من شأنها أن تؤدي إلى تنازل كبير عن الوطن كله، وبناء على ذلك «ايضا من لا يؤمن بالمساواة» يجب عليه أن يفهم أن وجود الدولة سيكون مضمونا بتقسيم البلاد. أي أن يعقوبسون ولفني يريان في حل الدولتين مصلحة إسرائيلية مفيدة، وبالنسبة لشومسكي هو يهدف قبل كل شيء إلى تحقيق المساواة.
ولكن هناك سذاجة في ربط حل الدولتين بصياغة قصيرة لجابوتنسكي. في الظروف الخالية، تقسيم آخر للبلاد يمكن أن يتكشف كمغامرة خطيرة لا تقل خطورة عن تطبيق حلم أرض إسرائيل الكاملة. لو أن جابوتنسكي كان يتسلى بفكرة الدولتين، فمن المؤكد أنه كان سيكون حذرا من طرحها كعلاج مدهش. يجدر بناء على ذلك أن يناقش المعنيون بتطبيقها مسائل جوهرية بشأن طابع الدولة الفلسطينية: منزوعة السلاح أو مسلحة؟ وماذا عن قضية اللاجئين؟ من المضحك التفكير بأن جابوتنسكي كان سيوافق على استيطانهم بين النهر والبحر.
هل سيفسر الاتفاق كتنازل عن الحقوق التاريخية وعن وعد بلفور؟ وكيف نضمن أن تقلص الدولة لـ «زاوية دولة»، وهو وصف أطلقه جابوتنسكي عندما عارض استنتاجات لجنة بيل، لن تكون «جشعة» كما حذر في مذكرة لتشرتشل.
جابوتنسكي ربما لم يتوقع استمرار النزاع، لكن بالتأكيد توقع رفض العرب لسيادة يهودية ـ قومية في البلاد. وفهم أن «كل شعب من سكان البلاد (تعبير يختلف عن تعبير «اصحاب البلاد»)… يرى في أرضه بيته القومي، وهناك هو يريد أن يكون صاحب البيت المطلق… لن يعطي إذن بإرادته لإدارة الاقتصاد المنزلي ليس فقط لأصحاب جدد، بل أيضا لشركاء جدد». وكما فهم الموقف العربي فقد عرف أنه لا مناص من التصادم بين الموقف العربي والصهيونية، التي لم يكن لديه شك في أخلاقيتها وعدالتها. لذلك افترض أن الصهيونية ستعيش في «حماية قوة دفاعية».
ولكن بالذات «الحائط الحديدي» يستحق أن يفسر مثل فكرة تسعى إلى الاتفاق، يجبر العرب «على التسليم بالصهيونية مرة واحدة والى الأبد». في هذا المقال تم وصف الظروف التي فيها «يبدأ العرب التفاوض معنا بنزاهة حول مسائل عملية مثل إعطاء ضمانات ضد طردهم من البلاد أو بخصوص المساواة في الحقوق أو كيان وطني مستقل». جابوتنسكي أمل أن يستطيع الشعبان العيش بسلام، لكن أيضا بالمساواة لكل سكان البلاد. والاتفاقات الوطنية التي فكر فيها لم يتم تمييزها عن مطالبة اليهودية بـ «أرض إسرائيل لنفسها». الحسم كان يتوقع أن يكون تحول في الوعي «يحاول فيه العرب فهم العدل التاريخي في هذا المصير».
قبل بضعة أشهر فسرت لفني «الحائط الحديدي» كـ «قوة عبرية… بحيث يفهموا أنهم لا يستطيعون طردنا… عندها نستطيع الدخول إلى غرفة المفاوضات… والتمسك بحقوقنا». ولكن مع الأخذ في الحسبان الدعم للإرهابيين، والتعليم على الكراهية، والإرهاب السياسي الذي يهدف إلى تشويه علاقة اليهودية بالبلاد ورفض الاعتراف بالدولة القومية اليهودية، يبدو أنه ما زال يوجد للحائط الحديدي دور. هو لم يهدف إلى تحريك مفاوضات بين أعداء نستطيع من خلالها «التمسك بحقوقنا»، بل مع عدو كف عن أن يكون عدوا، لأنه أدرك حق الشعب اليهودي في وطنه. تأييدا لمبدأ العدل، الذي يتجاهل تداعيات لها نتائج مصيرية، ذكرت جابوتنسكي بكُتاب المقالات والسياسيين اليهود الذين اعتقدوا أن واجب تأييد طموحات أشخاص مثل احاد هعام في روسيا، «في نفس الوقت الذي حاول فيه إنجاز حكم ذاتي، أعلن بشكل صريح أنه يفكر باستخدامها من اجل قمع اليهود بصورة أكثر شدة».
يمكن الدعوة لدولتين والاعتقاد أن هذا الأمر يحقق دولة يهودية ـ ديمقراطية، لكن لا يجب أن تكون خبيرا في جابوتنسكي من اجل فهم أنه رأى في تغيير الوعي العربي شرطا لأي حل.
هآرتس 8/3/2018