جارثيا لوركا تجسيد الروح الاسباني والأخوة الإنسانية

حجم الخط
1

كان لوركا يقول عن المسرح، إنه من أهم وأكثر الوسائل تعبيرا، وأفيدها في بناء البلاد، الذي يسجل عظمتها وضآلتها: «يا للمساكين، هناك ملايين من الناس لم تشاهد عرضا مسرحيا واحدا». ولطالما كان رمزا لإسبانيا ولكل ما هو إسباني، حتى أن اسمه يُقارن، بلوب دي فيجا أحد أشهر الكتاب المسرحيين في العصر الذهبي الإسباني. يُعد فيديريكو غارثيا لوركا (1898 – 1936) تجسيدا حقيقا للروح الإسبانية ومع ذلك لم يكن قوميا، وكان يعتبر نفسه « أخا لكل الرجال» وأنه يكره الإسبانيين الذين يريدون أن يكونوا مجرد إسبانيين. عاش في شبابه قريبا جدا من الطبقات الشعبية، هو المولود لأب مزارع وفارس، وأم من أسرة مرموقة. كان أكبر أبنائها ومرض مرضا خطيرا في طفولته، حرمه من اللعب، واستعاض عن ذلك بالحس وقوة الخيال وثرائه الروحي. بقلبه وحقيقته كان ضد القومية، وهدفه كان أن يرتفع فوق، غرناطة التي قال عنها إنها خُلقت للموسيقى ومدريد وفلكلور الغجر، وفوق كل شيء. استطاع أن يكون لنفسه شهرة كبيرة كشاعر ومتحدث موهوب وموسيقي عبقري تتلمذ على يد فيردي صاحب «أوبرا عايدة»، ورسام، وحجز لنفسه أيضا مكانته كمسرحي مهم، رغم كونه معروفا بشاعر الغجر الذي أحب الأرض وجودا وانتماء.

المسرح وروح الجمهور

أعمال لوركا المسرحية لا تنفصل عن أعماله الشعرية، بل هي فيض وامتداد لها، ولم يعترف بقضية الحدود الغنائية والدرامية، هو يكتب الشعر والمسرح معا، ولا شيء يشغله غير ذلك. وأراد أن يعيد للمسرح الشعري مكانته، عبر اللغة كمفتاح والشاعرية والعناصر الفنية والموسيقية كذلك. المسرحية الشعرية التي استمدت أصولها بشكل واسع من يتس وإليوت. وربما كتب لوركا المسرح الشعري على طريقتهما، ولكن مسرح لوركا كان أكثر تميزا بأنه لم يكن خاصا بالصفوة، كما أنها ليست متكلفة في البناء المسرحي. فاتسمت مسرحياته بالحياة الطبيعية فوق المسرح، دون لجوء للتنظير المسرحي، أي أنه كتب المسرح الشعري على طريقة يتس وإليوت، وأخفق في تنظيراتهما التي كانا قد حققا هم فيها نجاحا جزئيا، فأعمال يتس تحمل طابعا ميلودراميا غنائيا، ولكنها تفتقد للتواتر وتنوع الحركة. ومسرحيتا إليوت «جريمة في كاتدرائية» و«اجتماع شمل العائلة» ترن بوضوح، ثم تبدأ في الخفوت، وكان إليوت يقترح ويعمل على استخراج شكل شعري ملائم للمسرح، وعوّض لوركا ذلك بدمغ مسرحه بعبقريته وتفرده، والتوليفات التي اجتمعت في شخصه وحياته التي هي جزء حميمي من إبداعه، بجانب التراث الإسباني الذي كان يُظهِر حيوية جديدة وواضحة.

الغنائية وعوالمها

حاول لوركا استبدال شعر المسرح بالشعر في المسرح، والتأثير الشعري، بالانتقال من صورة لأخرى، وكان يقول: «الشعر في مسرحي يكمن في الصور وليس في النص». وفي كتابه حول لوركا يقول روبيرتو سانخيز: «إن لوركا عبقرية مسرحية أكثر منه، موهبة درامية خالصة، فهو على سبيل المثال لا يملك الدافع الأخلاقي والفكري الذي يتوفر للكاتب المسرحي إبسن. وهو قليلا ما يتعامل مباشرة مع المشاهد أو القضايا المعاصرة. وهو عادة يعثر على المفتاح إلى المسرحية في الرسم أو الموسيقى أو الشعر أو في المسرح نفسه أيضا». امتزجت الرومانسية والغنائية والدراما في أعمال لوركا. والغنائية الرمزية تعود بصفائها إلى الشعور الفردي للشاعر المنعزل، والدراما تأسست على التعاطف والتفهم وحركة التغيير ومعنى الحدث. وكان قد اكتسب فهما ووعيا بالدعابة والسخرية، لمعايشته الغجر والطبقات الشعبية. وكثرت الأغاني العبثية الساخرة في العديد من مسرحياته وأعماله الشعرية. الأشطر بإيقاعاتها وتعابيرها العامية، ويتضح ذلك في أغنية «انفرمو» في مسرحية «دون كريستوبال» وكذلك في أغنيات الأم في مسرحيات «دون روزيتا». ألّف لوركا في أول الأمر مسرحيات لصالح مسرح العرائس، وثبّت قدميه على المسرح بعد عرض ونجاح مسرحيته «ماريانا بينيدا»، وكتب مسرحياته: «العرس الدامي» و«روزيتا» و«برما» و«بيت برنار ألبا» لما كان مديرا للمسرح المتجول «البارّاكا».

الرومانتيكية الشعبية

في مسرحيته الأولي «الفراشة» تنصهر لديه الرومانسية والغنائية، وكانت قد كُتبت في الوقت الذي كتب فيه قصائده الرمزية الأولى، والحركة بعوامل الإلهام في قصائده التي تتناول الحشرات والحيوانات. وبجانب الكثافة، خاصة حين يستوحي حياة الغجر فإن عمله الدراماتيكي قد تطور بمحاذاة شعره، في الأسلوب والمزاوجة بين الخاص والشعبي. وبعد عدة أعوام من «الفراشة» بدأ لوركا مسيرته المسرحية الفعلية بمسرحية «ماريانا بينيدا» المستوحاة من الطابع الشعبي. وفيها صهر العناصر الرومانسية بالعناصر الكلاسيكية في المسرح، وقيادة ذلك نحو اتجاه معاصر. الموضوع التاريخي ومشاعر الخلفيات والبطل كملاك مُضحى به، أخذ كل ذلك في جانب العنصر الرومانسي. وأخذ في جانب العنصر الكلاسيكي: الروح الجوهرية والجوهر الدرامي. ورغم كون العمل يفتقد للأبعاد المسرحية بعض الشيء، خرج في صورة لوحة ثابتة. وحواران فقط يجريان بين بدروسا وماريانا. الصدام بين الإرادات التي يبدو أن العمل كان سيفتقر للعنصر الدرامي بدونهما. رسم لماريانا رسما أوليا هزيلا بالنسبة للصراع الداخلي لها وظهرت من البداية كبطلة موجهة نحو المصير المحتوم. ظهرت كصورة مجسدة للتضحية دون أمل في إنقاذ نفسها، حتى الحب لم يؤكد لها شيئا ليغير موقفها من الاستسلام. تدين المسرحية للتوليفات الغنائية وحضورها، سواء كانت منفصلة عن الحدث أو معاكسة للفعل الدرامي. ورغم كون المسرحية، تفتقر إلى بعض النضج في محاولته تجربة تكنيك جديد ونقص الصقل أثناء ذلك، إلا إنها على درجة من الأهمية؛ يظهر فيها الحس التراجيدي والذوق الجيد، والجمالية التي تنقذ الضعف أحيانا، إضافة إلى الوعي بالتجديد. تلت مسرحية «ماريانا بينيدا» ثلاث مسرحيات قصيرة، أتت أكثر قوة في البناء الفني وأظهر فيها لوركا ثقة أكبر وحضور الحس الساخر الذي أحسن تأطيره والوعي به. كُتبت المسرحيات الثلاث في الفترة بين 1929 و1931. جاءت المسرحية الأولى «غرام برلميلين بيليسا في بستانه» الأكثر غنائية، في إطار ساخر عام 1933 رغم كتابتها قبل ذلك بمدة طويلة. وجاءت «الإسكافية العبقرية/العجيبة» نموذجا للسحر الفلكلوري عام 1930. وآخرها مسرحية «دون كريستوبال» الهزلية التي قدمت لأول مرة في المسرح الإسباني في مدريد عام 1930.

الحِس السيريالي

في الوقت الذي أخرج لوركا ديوانه «شاعر في نيويورك» أو بعدها بقليل، كان مناخ السيريالية مسيطرا في فرنسا، وانعكس مناخه في إسبانيا. وكتب «لو مرت خمسة أعوام» وبعض مشاهد من مسرحية «الجمهور» بحضور واضح للسيريالية. الجو الوهمي، مسحة الحسية الشاذة، الشخصيات الخيالية، مشاهد الدم والصور العنيفة المختلطة بالسخرية. جاءت مسرحيات: «العرس الدامي» و«بكائية المصارع» و«يرما» لتؤرخ لمرحلة النضج في أعمال لوركا، جنبا إلى جنب مع أحد أفضل أعماله الشعرية: «الرومانسيرو جيتانو» و«الغناء العميق»، جاءت مصقولة وأكثر نقاء وبساطة، وصيغة فنية أكثر تكاملا واتساقا، وحضورا للجوهري أكثر من الهامشي والروعة الفنية الصافية على حساب الزخرفة.

نساء لوركا الخالدات

عُرضت «العرس الدامي» لأول مرة في مدريد التي كتب فيها أغلب شعره عام 1933. ظهر في المسرحية التعبير السليم متفوقا على الكثافة العاطفية، وحضور الحيلة والأغنيات مكان الحياة والطبيعة. عنفوان كامل كأنه تعبير عن الرغبة في كماله الذاتي. تقول الخطيبة:» أنا امرأة محترقة، مليئة بالحروق الداخلية والخارجية. وابنك هذا قطرة ماء، انتظر منها أولادا وتربة خصبة وعافية». و«يرما» تحتل موقعا فريدا بين أعماله بجانب دون روزيتا (أهم شخصيات مسرح لوركا النسائية)؛ عاودت الاتجاهات العاطفية الظهور، ولكن بصورة أكثر غنى وتجارب أكثر تطورا، وتوازنا بين الغنائية والدرامية ووحدة العناصر الشعرية. و«يرما» المسرحية التي بمناسبة عرضها المئة ألقى مرثيته الرائعة: «بكاء اخناثيو سانشيس ميخياس».

نبي مصيره

ترك لوركا أعمالا غنية كحياته في مجالات فنية عديدة، لدرجة يصعب معها تصنيفه أو تحديده داخل إطار. وترك بالأخص مسرحا متنوعا، كان الحب ركيزة فيها، وحضرت فيه الشعرية الأصيلة، عمق الطبيعة، الدعابة والسخرية، الحس التاريخي، والمزج بين أشد المظاهر تناقضا. عُرضت أعمال لوركا في أماكن كثيرة؛ مدريد، برشلونة، أمريكا، كوبا، كما عبرت أعماله الزمن. بعد أن فشل جسده في العبور، وموته المُفجِع على يد عساكر فرانكو، بعدما اقتيد فجر 19 أغسطس/آب 1936 إلى حقل أشجار الزيتون، في مكان غير بعيد عن «عين الدمعة». وجثته كانت شبه متروكة على جانب طريق، وغير معروف من نبش جثته وأين دفن. الموت الذي قد تنبأ به لنفسه، الشاعر، النبي، لوركا.
٭ كاتب مصري

جارثيا لوركا تجسيد الروح الاسباني والأخوة الإنسانية

جابر طاحون

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية