الفن هو روح البشرية النابضة في كل العصور التي تمنح الحياة إلى كل الأنشطة البشرية، وهو قديم قدم الوجود البشري، كما أن الفن هو التاريخ بالنسبة لشعوب كثيرة في الفترة التي سبقت تدوين التاريخ، ولذلك قد يعتبر الكثيرين مثل جيمس فريزر مثلا أن الفن هو حلقة الوصل بين الإنسان الأول وتاريخه، لكن الأهم من ذلك أن تقييم هذا النشاط قد شغل المفكرين بشكل كبير، ومنذ أن أصبح الفن وأجناسه قضية مطروحة فوق ساحة الفكر وهذا بالتحديد ما يطلق عليه نشأة علم النقد.
وفي هذا الصدد تحضر جامعة كوبنهاغن لملتقى خاص بالنقد وعلومه يقام تحت إشراف كلية الآداب والعلوم الإنسانية، وبدعم من وزارة الثقافة ليكون ملتقى يعيد تقييم آليات علم النقد وسبل تطويره.
بداية يجب أن نقر بأن علم النقد أصبح من ناحية دوره ومفهومه شديد التشوش. لو سألت الآن عن ماهية علم النقد وماذا تعني الكلمة سوف تحصل على إجابات مشوشة وغير مترابطة، بل وأحيانا تبتعد كثيرا عن روح الموضوع، فمعظم الناس يعتبرون النقد نوع من التحزلق الاصطلاحي، كما أنه موضوع لتقويض الفن والهجوم عليه، لكن بالطبع هذا ليس صحيحا وهذه الفكرة التي سكنت عقول الناس عن النقد كان سببها عدم تأصيل المصطلح والبعد بالنقد عن دوره الحقيقي في الآونة الأخيرة، كذلك فإن النقد أصبح أداؤه في يد كل من يدعي القدرة على النقد وبالتالي أصبح من يطلق عليهم نقاد هم المفكرون أنفسهم الذين يمكن اعتبارهم ذوي نزعة تخريبية للفن.
لكن ملتقى النقد في كوبنهاغن هذا العام جعل شعاره «النقد من المهد حتى النضوج» وهذا الشعار كان بمثابة تعبير قوي عن سياسة الملتقى، وحمل الملتقى على عاتقه شؤونا كثيرة تخص هذا العلم الجليل كان من أهمها التعريف بعلم النقد وتاريخه وكيف نشأ.
كما أسلفنا فإن الفن من أقدم الأنشطة البشرية على الإطلاق، ولذلك كان هناك حاجة لتقييم هذا النشاط من ناحية انتفاع البشر به كمصدر من مصادر تنمية المقدرة البشرية، ومن هنا نشأ علم النقد كقضية متلازمة مع جدوى الفن وماهيته وكان ذلك بداية عند الإغريق على اعتبار أن فنهم المكتوب يرجع للقرن الثامن قبل الميلاد. كما أن نشأة الفلسفة الجدلية عندهم من أهم الأسباب التي أدت لظهور علم النقد، ففي القرن السابع والسادس قبل الميلاد أصبح التساؤل عن جدوى الفن من أهم القضايا التي شغلت العقل الإغريقي على اعتبار أن المنتوج الفني في هذه المرحلة كان من أهم دعامات الحضارة الإغريقية الوليدة وكان التساؤل عن جدوى الفن هو الخطوة الأولى لظهور علم النقد، فلقد فطن المفكرون إلى أن دور الفن دور مهم وبالتالي طرحوا هذا التساؤل ما هو دور الفن؟ فقال البعض إن دور الفن هو دور تعليمي محض، لكن البعض الآخر أكد أن دور الفن دور ترفيهي وإمتاعي بحت؛ ومع كثرة الجدل والمقارنة توصل المفكرون الأغريقيون إلى أن الفن له دور تعليمي وله دور ترفيهي، وأن أعظم الفنون هو الذي يجمع بين الدورين، أي أنه يكون تعليميا ترفيهيا، حيث يستخدم الترفيه كوسيله للتعليم. وأصبحت هذه الفكره هي القياس الذي يتم من خلاله تقييم الفن وبالتالي تصبح هذه الفكرة هي النواة الأولى لعلم النقد، لكن مع تطور الفنون وظهور الفنون الأكثر تعقيدا أصبحت هناك حاجة لظهور علم النقد كعلم مستقل بذاته، وله آلياته ومحاوره وبالتالي كان اتجاه الكتاب الأغريق إلى معالجة النقد في موضوعات مستقلة كان هذا الاتجاه نتيجة منطقية لظهور الفنون الأكثر تعقيدا.
وإذا تخطينا هوميروس وسقراط على اعتبار أن النقد في أعمالهم مجرد إشارات عفوية وجدنا أن أول مدرسة نقدية تستحق التأمل هي كتابات الكاتب الأغريقي والخطيب ايسوكراتيس، الذي ولد عام 436 قبل الميلاد، في أثينا وكانت له مدرسته الخاصة التي كان يعلم فيها مثل مدرسة أفلاطون وأرسطو، لكنها لم تكن مدرسة فلسفية مثل مدارسهم، بل كانت على الأرجح مدرسة لتعليم الخطابة وأسلوب الجدال، وكانت وجهات نظره النقدية مفيدة جدا في هذه الفترة، لدرجة أن الرومان يصنفونه على أنه من ضمن الخطباء العشرة العظماء؛ وكانت من أهم آرائه النقدية أنه عاب على الذين انبروا ليتحدثوا في موضوع «أي يخطبون فيه» وهم يفتقدون المعرفة الجيدة عن هذا الموضوع. وبعد ايسوكراتيس نشير إلى المحاولات النقدية العديدة لأفلاطون في تراثه الغزير المتمثل في محاوراته الشهيرة، وسوف نكتفي هنا بتقييم أفلاطون للفن، الذي كان على الرغم من وجاهته، إلا أنه كان فيه الكثير من الغرابة. وعانى أفلاطون من أخطار عصره التعليمية، وكان أهمها السفسطة أو فن قلب الحقائق، إذا جاز التعبير، بل كانت هذه المخاطر هي التي أدت لفقده لأستاذه ومعلمه سقراط. ومن هنا فند أفلاطون قضية الفن على حذر، حيث اعتبر أن الفن لا يصلح أن يكون الأداة القويمة للتعلم لأن الفن ما هو إلا محاكاة للطبيعة، وعلى أساس فلسفة أفلاطون التي تعتبر الطبيعة محاكاة لعالم المثل، إذن الفن يعتبر محاكاة للصور وبالتالي فإنه لن يؤدي بنا إلى الحقيقة، لأنه كما قلنا محاكاة للصور ولقد رفض الفن كأسلوب للتعلم صراحة في محاورته «عن طبيعة العدالة» والمعروفة بجمهورية أفلاطون، وقال «إذا أتى لمدينتنا شاعر سوف نضع على رأسه أكليل الغار ونصرفه بكل هدوء»، أي أنه يرفض أن يكون الشعر أسلوبا للتعلم، بل الترفيه أيضا ويجمل أفلاطون خطورة الفن التمثيلي في أنه يصيب الإنسان بداء «التقمص» أي محاولة التقليد، وهذا يبعده عن تحري الحقيقة.
ومن هنا نجد أن أفلاطون أخذ جانبا عدائيا تجاه الفن ووضع نقدا شديد التطرف في قضية جدوى الفن، لكن تلميذه النجيب والشديد التميز أرسطوطاليس كان أكثر حيادية ناحية الفن فبعد أن افتتح مدرسته المعروفة باللوكيوم «المشائية» أخذ على عاتقه تصحيح كل المفاهيم الخاطئة عن الفن، كما أنه اتجه إلى أبعد من ذلك، حيث وضع مصنفا كبيرا حدد فيه قواعد كتابة الأجناس الأدبية المنتشرة في هذا العصر، وهي الملحمة والتاريخ والتراجيديا والكوميديا وعرف هذا المصنف الشهير «بفن الشعر» The poetics ويعتبر هذا المصنف الأول من نوعه، حيث أنه أول عمل يخصص للنقد فقط من بدايته حتى نهايته ويدين المتخصصين لهذا العمل بالكثير، حيث أنه جزء كبير من تاريخ الأدب في العالم.
وككل الأعمال العظيمة في هذه الفترة لم يصلنا فن الشعر كاملا، بل وصلنا ملخص له والجزء الخاص بكتابة التراجيديا، أما باقي الجزاء فنستقي معلومات عنها من مؤلفات لاحقة، وفي فن الشعر يضع أرسطوطاليس القواعد الأساسية لكتابة الفنون الشعرية والنثرية في عصره، فمثلا بالنسبة للتراجيديا وضع الأطر الكلاسيكية الشهيرة، التي ظلت تستخدم حتى عصر شكسبير، وبعد شكسبير ولها قبولها حتى الآن ومنها الوحدات الثلاث، وحدة الحدث والزمان والمكان كذلك عدد المشاهد وترتيبها والأشياء، التي يجب ألا تظهر على خشبة المسرح، واستخدام الحيل الدرامية وغيرها، ولغة الحوار، والجديد في هذا العمل أن ارسطوطاليس قام بنقد كتاب بعينهم وفند أخطاءهم مثل يوربيديس الكاتب التراجيدي الشهير، الذي عاب عليه أرسطوطاليس استخدامه لحيلة «الآلة من الآلة» بكثرة في مسرحياته، وبالتالي يعتبر فن الشعر الذي كتبه أرسطوطاليس هو أول عمل متخصص في النقد ويصبح أرسطوطاليس هو الأب الشرعي للنقد الفني، ثم يتسع مفهوم النقد أيضا في هذه الفترة ليشمل النقد الاجتماعي والسياسي مع ارتباطه الوثيق بالنقد الفني، وهذا ما تؤكده أعمال الكاتب الكوميدي الأغريقي اريستوفانيس، الذي عاش في الفترة نفسها التي عاش فيها سقراط وأفلاطون، أي في القرن الخامس والرابع قبل الميلاد، ويعتبر اريستوفانيس مؤسس مدرسة النقد الأجتماعي بلا منازع، ولازلنا لا نرى كاتبا كوميديا جسد مشكلات عصره ووطنه مثل اريستوفانيس.
ومن ناحية النقد الفني نجد أن اريستوفانيس كان شديد النقد للتطويرات المسرحية التي أدخلها يوربيديس على التراجيديا، وبالتالي كان نقده ينصب على يوربيديس ونجد ذلك في مسرحيات مثل «النساء في أعياد الثسموفوريا» التي ينقد فيها هجوم يوربيديس على المرأة في أعماله، كذلك في مسرحية «سكان مدينة السحاب» التي ينتقد فيها استخدامه المفرط لخدعة الآلة من الآلة، وهناك إشارات نقدية عديدة ينتقد فيه أسلوبه ومحاولته التأثير على الجمهور بالملابس، كما ورد في مسرحية «أهل أخاراني» ونجد أيضا أن اريستوفانيس خصص مسرحية كاملة للنقد الفني وهي مسرحية «الضفادع»، التي تعتبر الأولى من نوعها في النقد وخصصها للمقارنة بين المدرسة القديمة في التراجيديا متمثلة في أسخولوس والمدرسة الجديدة متمثلة في يوربيديس.
أما بالنسبة للنقد الروماني فهو الصورة الثانية لعلم النقد الإغريقي، حيث اعتبر هوراتيوس الشاعر الروماني، الذي ولد 65 قبل الميلاد أكثر النقاد المعية، على الرغم من أن أعماله كان فيها الكثير من المحاكاة للكتاب الأغريق فمثلا مؤلفه الشهير «فن الشعر» ما هو إلا معالجة ثانية لكتاب أرسطوطاليس، الذي يحمل الاسم نفسه، على الرغم من أنه أضاف إليه من وجهة النظر الرومانية. لكن أيضا هجائياته الشهيرة ورسائله التي تحمل الطابع النقدي في الكثير من أجزائها تعتبر عملا أصيلا من الناحية النقدية والتي يظهر فيها نظرياته النقدية تجاه الأدباء الرومان الذين يدعون المهارة.
ويتطرق أيضا الحوار إلى شيشرون الذي سبق هوراتيس لكن أعمال شيشرون النقدية تنصب بشكل أكثر قوة على فن الخطابة، الذي كان هو المهارة الأولى لدى شيشرون . أما في العصور الوسطى ويركز أكثر على قضية الصراع بين القديم والحديث، التي تشغل علم النقد لقرون عديدة، ويعتبر الكاتب والناقد الإنكليزي درايدن من أشهر دعاة هذه القضية، حيث أنه خصص دراسة كبيرة عن هذا الصراع بين القديم والحديث في الأدب الإنكليزي في فترة البيوريتان بالتحديد ونحى باللائمة على الكتاب الذين يحاولون تقليد النموذج الفرنسي في الدراما على اعتبار أن درايدن كان لديه ولاء خاص للنماذج القديمة.
٭ كاتب مصري
باسم توفيق