تعترف اسرائيل بأنها أضاعت سبعة جثامين لمخربين فلسطينيين نفذوا العمليات في الانتفاضة الثانية. هذا ما يتبين من اجابات النيابة العامة على الدعاوى التي قدمها أبناء عائلات هؤلاء المخربين في السنوات الماضية من اجل استعادة جثامين أبنائهم، على ما يبدو. وعدد الجثامين التي لا تعرف اسرائيل مكان دفنها أكبر بكثير. ففي النقاش الذي تم في محكمة العدل العليا قبل ثلاثة اسابيع قال ممثل النيابة العامة إنه تم العثور على بعض الجثمانين فقط من أصل 123 جثمانا قامت العائلات الفلسطينية بالمطالبة بها. لقد تم تقديم هذه الطلبات في العام 2015 وتم شملها في دعوى اخرى. وحسب تقدير مصادر قضائية وعسكرية، لا توجد لدى اسرائيل أي معلومات عن عدد كبير من الجثامين، وبعض هذه الجثامين موجودة لدى اسرائيل منذ التسعينيات.
يتبين أنه على الرغم من أن المعلومات جزئية عن مكان دفن الفلسطينيين الذين نفذوا العمليات، إلا أن الحكومة لم تقرر الجهة التي ستهتم بعلاج هذا الامر. وقد جرت نقاشات في الاشهر الاخيرة في هذا الموضوع بين مسؤولين في مكتب رئيس الحكومة ورجال القضاء. «يجب علينا قول الحقيقة، لقد ضاعت آثار بعض الجثامين»، قال مسؤول رفيع المستوى في وزارة العدل، واضاف «نحن لم نستسلم، البحث مستمر وهذه العملية في بدايتها. والمهمة الآن هي تقرير من المسؤول».
مصدر آخر في الجهاز القضائي قال «يجب معرفة من الذي قام بدفن الجثامين الاخرى»، بما في ذلك الشركات الخاصة. على الاقل في حالة واحدة هي حالة «آي.إي.اس» المهمة ستكون صعبة جدا. فقد تم اغلاق شركة الدفن وتم اتلاف الوثائق الخاصة بهوية الشخص الذي دفن ومكان الدفن». وقال مصدر آخر «حتى سنوات التسعين كانت الاجواء مختلفة ولم يكن اهتمام بمن قمنا بوضعهم تحت الارض، وكيف يمكن التعرف على المكان».
«كل شاهد قبر يتم تحطيمه في مقبرة يهودية في ارجاء العالم يُحدث ضجة كبيرة في اسرائيل، لكن عشرات الجثامين الفلسطينية التي اختفت يتم الصمت حولها»، قالت داليا كرشتاين، المديرة العامة لمركز الدفاع عن الفرد، والتي قدمت بعض الدعاوى. «نحن نأمل أن تتحمل الدولة المسؤولية وأن تتمكن من الوصول إلى الجثامين. ونحن على قناعة بأن هذا الامر ممكن».
في تشرين الثاني/نوفمبر 2014 جاء في رد الدولة على الدعوى التي قدمها مركز الدفاع عن الفرد «لقد تم استنفاد جهود البحث عن ضياء دمياطي الذي قتل في تشرين الاول/أكتوبر 2002 في مواجهة مع الشرطة قرب الطيبة، وضرغام زكارنة الذي قتل في آذار/مارس 2002 اثناء مشاركته في عملية قرب حاجز الرام».
استنادا إلى معطيات معهد الطب الشرعي ومؤسسة التأمين الوطني التي تقوم بتمويل عملية الدفن، توصلت الدولة إلى استنتاج أن الجثمانين قد دفنا على أنهما جثث لاشخاص مجهولين في مقبرة في الجنوب. وفي نهاية العام 2013 تم فتح القبور وأخذ عينات دي.ان.ايه من الجثث، التي تم مقارنتها مع العائلتين، ولم يكن هناك أي توافق.
جاء من النيابة العامة أنه «في بعض الحالات تم الافراج عن أكثر من جثمان من نفس القبر. ولا توجد لدى الدولة معطيات اخرى تشير إلى مكان دفن آخر، باستثناء القبور التي تم فتحها». وفي اعقاب فتح القبور وفحوصات الـ دي.ان.ايه لأبناء عائلات اخرى، تم التعرف على 29 جثمان فلسطيني وتم اعادتها.
الدولة لم تنجح ايضا في العثور على جثمان علاء مرشود الذي قتل في 7 حزيران/يونيو 2002 في عملية في طولكرم. وتبين من رد النيابة أن مرشود دفن كما يبدو من قبل شركة خاصة هي آي.إي.اس كـ «جثة مجهولة الهوية» في مقبرة اخرى في جنوب البلاد. «لا توجد لدى التأمين الوطني أو أي جهة حكومية اخرى تفاصيل عن مكان الدفن الدقيق داخل المقبرة»، جاء في رد الدولة.
وفي هذه الحالة ايضا قالت النيابة «لقد تم استنفاد البحث عن الجثث»، لهذا يجب شطب الدعوى. لقد تم سحب دعاوى دمياطي وزكارنة ومرشود بتوجيه من قضاة محكمة العدل العليا في تموز 2015. ودعاوى اخرى قدمها مركز حقوق الفرد بأسماء عائلات اخرى، لا تزال مستمرة ويتم النقاش فيها. ولكن الدولة اعترفت حول اربع حالات أنها لا تعرف مكان دفن جثامين نمر أبو سيفين (قتل في كانون الاول/ديسمبر 2001) وعامر شكوكاني (أيار 2002) وسيف الله بدران (كانون الثاني/يناير 2003) ومحمود القواسمي (ايار/مايو 2003). وفي جميع الحالات ورد النص نفسه «رغم الجهود التي بذلت برئاسة رئيس قسم التعرف على الجثث والدفن في الجيش الاسرائيلي، لم تنجح الدولة في التوصل إلى الجثامين».
القواسمي هو المخرب الانتحاري في عملية حافلة خط 37 في حيفا في العام 2003، والتي قتل فيها 17 اسرائيليا. وحسب الدعوى التي قدمتها عائلته في 2005 قال المستشار القانوني للحكومة في حينه، ميني مزوز، إنه لا مانع مبدئيا من اعادة الجثمان، ولكن لم يتم اعادته إلى الآن. «الى متى ستستمر الدولة في القول إنه لا مانع مبدئيا من اعادة الجثامين، وفي نفس الوقت لا يتم تسليم جثامين أبناء من قدموا الدعاوى؟»، جاء في الدعوى، وأضيف «فيما يتعلق باحترام مشاعر عائلة الميت بدفن المتوفى، لا توجد علاقة للسؤال من كان الميت وماذا كانت افعاله وهو على قيد الحياة».
«قبل ثلاث سنوات قامت اسرائيل باعادة عشرات جثامين الفلسطينيين، لكن جثمان ابني لم يكن بينها»، قال عمران القواسمي في سياق الدعوى (أبو محمود) «نحن نريد اجراء جنازة تليق بابننا وأن ندفنه قريبا منا وحسب الشريعة الإسلامية. من الصعب فقدان الابن، والامر الاصعب هو عدم وجود قبر له».
في نهاية العام 2016 قالت الدولة إنها تريد فتح ثلاثة قبور في مقبرة «منوحا» في بئر السبع من اجل الفحص إذا كانت الجثامين هناك تعود لـ بدير وفلسطينيين آخرين هما فوزي ابراهيم مفلح هلال وسامر نوري. وقد نفذ نوري عملية انتحارية في تل ابيب قتل فيها 23 شخصا في 2003. وفي كانون الثاني من هذا العام صادقت المحكمة المركزية على ذلك، لكن القبور لم تفتح بعد. وقبل عشرة ايام طلبت الدولة تأجيل آخر إلى نهاية شهر أيار. وقد ظهر اثناء زيارة للمقبرة في الاسبوع الماضي أنه لا توجد أي علامات على القبور الموجودة في أحد الصفوف الاخيرة. وعلى الجانب يوجد تابوتان خشبيان. وقد تذكر احد عمال المقبرة أنه «في السابق جاء إلى هنا جنود وقاموا باغلاق المقبرة. ونحن لا نعرف ماذا فعلوا. وقد طلبوا منا الانتظار في الخارج».
«دولة اسرائيل بجميع اجهزتها تظهر قسوة القلب والاستخفاف فيما يتعلق بجثامين الفلسطينيين ومعاناة عائلاتهم»، قالت كرشتاين. «كيف يمكن أن جثامين تحتفظ اسرائيل بها لسنوات طويلة، تضيع؟». إن طلبات الحصول على المعلومات التي قدمت لمعهد الطب الشرعي والتأمين الوطني والجيش، «وصلت إلى طريق مسدود، المعلومات لم تصل، والحديث يدور عن كم افواه من قبل الدولة».
اضافة إلى مركز الدفاع عن الفرد قدم ايضا مركز القدس لحقوق الانسان من خلال المحامي سليمان شاهين عددا من الدعاوى لاعادة 120 جثمان. أحد النقاشات في هذه الدعاوى تم قبل شهر. «إن معرفة مكان الجثامين والتعرف عليها بشكل مؤكد، يحتاج جهدا كبيرا يتطلب تخصيص الميزانية لكل جثمان»، قالت النيابة في النقاش واضافت «رغم الجهود المبذولة والبحث العلمي الحقيقي، لم يتم التوصل احيانا إلى بعض الجثامين التي تم البحث عنها».
وجاء في الرد ايضا أنه بسبب عدد الدعاوى والجثامين الكبيرين «عقدت جلسة هدفت إلى استيضاح كيفية تركيز وادارة الموضوع، على خلفية صلة جهات كثيرة: مكتب رئيس الحكومة، وزارة الدفاع ووزارة الامن الداخلي، الاجهزة الامنية، الشرطة، مجلس الامن القومي، هيئة مكافحة الإرهاب، معهد الطب الشرعي، وزارة الصحة والاديان. وكل ذلك من اجل التقدم في علاج هذا الامر».
لقد تم النقاش في محكمة العدل العليا في 16 آذار. «العائلة تريد أن يكون مكان لزيارة ابنها»، قال القاضي يورام دنتسغر، «بغض النظر إذا كان الحديث يدور عن مخرب تسبب في قتل الآخرين. وأنا متفاجيء من استمرار الامر فترة طويلة دون تحديد الجهة الحكومية التي ستركز هذا العمل. لماذا لم يتم فعل ذلك حتى الآن؟». وردا على ذلك قال ممثل النيابة المحامي آفي ميليكوفسكي إن «الموضوع طرح على رئيس الحكومة». وأن القرار في هذا الامر سيتم خلال اربعة اشهر.
حسب مصدر مطلع، «جهات اخرى (باستثناء الجيش) لم تفحص بعد الطلبات بشكل حقيقي. كانت هناك توجهات أولية لبعض هذه الجهات لمعرفة من لديه المعلومات، لكن العملية في بدايتها. ولهذا بالضبط يجب تعيين الجهة التي تركز المعلومات وتنقلها بين الجهات ذات الصلة لمعرفة مصير كل جثمان».
وحسب رد الدولة على الدعوى فإن دفن الفلسطينيين هو من مسؤولية جهات مختلفة ـ الشرطة، الجيش الاسرائيلي وفي بعض الحالات شركات خاصة. ومن خلال عدد الطلبات التي قدمها مركز الدفاع عن الفرد للتأمين الوطني الذي يقوم بتمويل عملية الدفن، تظهر صورة مقلقة بسبب المعلومات الجزئية والمتناقضة احيانا. على مدى السنين عمل التأمين الوطني مع ثلاث شركات خاصة كانت تدفن في مقابر في بئر السبع ونتانيا وعسقلان وفي كيبوتس رباديم وزكيم. وحسب احد المصادر قد تكون اماكن اخرى.
في التأمين الوطني يصعب ايضا ايجاد آثار جثامين الفلسطينيين. حتى منتصف العام 1999 كان يتم كتابة التفاصيل يدويا، ويتم اتلافها بعد سبع سنوات. والجهاز المحوسب لا يشمل هذه التفاصيل.
«لقد طلبنا من الدولة الاسراع في هذا الامر وتعيين جهة تركز العمل»، جاء في قرار محكمة العدل العليا التي أوصت بأخذ عينات الـ دي.ان.إيه من الاقارب. وفي نهاية آذار قررت محكمة العدل العليا توحيد عشر دعاوى مختلفة حول اعادة جثامين الفلسطينيين.
وقد كان رد الجيش الاسرائيلي «من خلال الفحص الذي تم حتى الآن، هناك عدد من الجثامين قام الجيش بدفنها. وقد دفنت في مقبرة قتلى العدو، وهناك تسجيل بخصوصها. والجيش سيعمل بناء على القرارات التي سيتم اتخاذها في هذا الامر. وسيتم علاج الجثامين حسب توصيات المستوى السياسي».
وأضاف الجيش في رده: «بعد أن تبين أن هناك فوضى كبيرة، سنقوم بالالتقاء مع جميع الجهات حول طاولة واحدة. ورغم ذلك ليست لدينا المعلومات الكاملة». وكما يبدو، فإن علاج الامر سيتم من قبل مكتب رئيس الحكومة أو وزارة الدفاع. «صحيح أن بعض الجثامين ضاعت آثارها، لكننا نستمر في البحث ونستخلص الدروس من اجل المستقبل».
هآرتس 10/4/2017