جدل في تونس بسبب الحق في التظاهر ضد قانون المصالحة

حجم الخط
1

تونس ـ «القدس العربي»: ما زال الجدل محتدما في تونس بشأن مشروع قانون المصالحة الاقتصادية المثير للجدل والذي يلقى معارضة من قبل أطياف واسعة ترى فيه إفلاتا من العقاب لمن تلطخت أيديهم بنهب المال العام. ويرى فيه البعض الآخر أيضا التفافا على مسار العدالة الإنتقالية الذي يقتضي وجوبا كشف الحقائق والمحاسبة قبل المرور إلى المصالحة التي تكون في نهاية المطاف وفقا لهذا المسار.
وتعرف البلاد محاولات لحشد معارضين لمشروع القانون على مواقع التواصل الاجتماعي ودعوات لهؤلاء للنزول إلى الشارع تعبيرا عن الرفض لهذا المشروع الذي لم يصادق عليه مجلس نواب الشعب بعد. ومن بين الأطراف السياسية المعارضة لهذا القانون، الجبهة الشعبية (تجمع لأحزاب يسارية وقومية تونسية) وما يسمى بـ»حراك شعب المواطنين» الذي يقوده رئيس الجمهورية المؤقت السابق المنصف المرزوقي والأحزاب السياسية التي تفرعت عن حزب المؤتمر وآخرين.

قمع المتظاهرين

ومنعت قوى الأمن التونسي متظاهرين من التعبير عن رفضهم لهذا القانون بشارع الحبيب بورقيبة بقلب العاصمة الذي له رمزيته باعتباره المكان الذي شهد آخر تظاهرات الإطاحة بنظام زين العابدين بن علي وباعتباره أيضا الشارع الرئيسي والحامل لإسم باني تونس الحديثة الزعيم الحبيب بورقيبة. وتم الحديث عن اعتداءات طالت المتظاهرين من قبل قوى الأمن سواء بالشارع المذكور وكذلك بساحة محمد علي معقل الإتحاد العام التونسي للشغل (المركزية النقابية العريقة ذات التاريخ الحافل بمقاومة الإستعمار الفرنسي والإستبداد والدفاع عن حقوق العمال التونسيين).
وقد بررت أطراف محسوبة على الفريق الحاكم منع المتظاهرين المحتجين على قانون المصالحة من التعبير عن رأيهم، بحالة الطوارئ والظروف الإستثنائية التي تمر بها البلاد. وأصر هؤلاء على أنه لا يجوز أن تشهد البلاد اضطرابات قد تسبب ثغرات أمنية يمكن أن يستغلها بعض المخربين من المتورطين مع الجماعات الإرهابية التي تتحين الفرص للإنقضاض على البلاد واستهداف أمنها واستقرارها.

حق التظاهر

فيما يرى آخرون أن حق التظاهر يجب أن تكفله الدولة حتى في الظروف الإستثنائية إذا كان سلميا ولا وجود فيه لأعمال عنف على غرار المظاهرات الإحتجاجية الأخيرة على مشروع قانون المصالحة. وأن حق الإختلاف حول مشروع القانون هذا مع الفريق الحاكم لا يجب أن يكون مبررا للإعتداء على المتظاهرين السلميين الرافضين للتطبيع مع الفساد، على حد تعبيرهم، والرافضين لأن تذهب أموال المجموعة الوطنية إلى جيوب الفاسدين.
وفي هذا الإطار يعتبر ماجد البرهومي الأمين العام للمعهد العربي للديمقراطية في حديثه لـ«القدس العربي» أن الإعتداء على المتظاهرين السلميين المحتجين على مشروع قانون المصالحة كان خطأ فادحا من قبل الدولة وجب عليها الإعتذار عليه وعدم تكرارها. وحمل محدثنا مسؤولية الإعتداء للسلطة السياسية وحدها معتبرا أن الأمنيين هم أعوان تنفيذ لا غير وعليهم إطاعة الأوامر وتنفيذ ما يطلب منهم ولا يمكن تحميلهم المسؤولية، وأضاف بأنه يوم نحمل السياسيين دون سواهم المسؤولية عن القمع باعتبار مسؤولية الرئيس عن أفعال المرؤوس سيرتدعون عن إعطاء الأوامر القمعية لقوى الأمن، خاصة وأنها تتكرر مع كل فريق حاكم يهيمن على السلطة في مراكز السيادة أي قرطاج وباردو والقصبة سواء قبل ما تسمى «الثورة» أو بعدها.

توقيت خاطئ

وحول مشروع قانون المصالحة الاقتصادية اعتبر توقيته خاطئا وكان يجب أن يأتي بعد كشف الحقائق والإعتذار للمجموعة الوطنية عن نهب المال العام. ويتم ذلك من خلال مسار عدالة انتقالية حقيقي مختلف عن المسار الذي انتهجته تونس من خلال قانون مثير للجدل وهيئة مشرفة على المسار سميت «هيئة الحقيقة والــكــرامة « تركيبتها مريبة ولا تحــظـــى بـثقــة جميع الأطراف والأطــيــاف الســياسية التونسية.
ويشير البرهومي إلى أن البنوك الوطنية التونسية تعاني من صعوبات مالية بسبب النهب الذي تعرضت له من قبل رجال أعمال يمتنعون عن إرجاع ما منح لهم من قبل هذه البنوك في شكل قروض سواء قبل ما تسمى «الثورة» أو بعدها. وقد انعكس هذا سلبا على ضعاف الحال الذين أصبحت البنوك تضع لهم إجراءات مجحفة وتضيق عليهم في قروض السكن وقروض الإستهلاك الشخصية فيما كبار القوم ينعمون بما تم نهبه من مدخرات البلاد بدون أي وجه حق.

إرجاع الأموال المنهوبة

ويضيف بالقول: «نعم للمصالحة مع الفاسدين ولكن بعد إرجاع ما تم نهبه من أموال المجموعة الوطنية لينتعش الإقتصاد التونسي الذي يعاني من ركود تحدث عنه مؤخرا محافظ البنك المركزي. يجب أن تضخ السيولات المنهوبة، والمدخرة في البيوت أو في بنوك خارج البلاد، في البنوك الوطنية بداية وبعدها لكل حادث حديث».
ويختم البرهومي حديثه بالقول «يمكن التفكير في إسقاط العقوبات الجزائية التي قد يتم تسليطها على النهابين فالتونسي بطبعه متسامح ولا يميل إلى الإنتقام والتشفي. لكن لا يمكن التسامح مع المال المنهوب الذي وجبت إعادته في أقرب الآجال وضخه في الدورة الاقتصادية لأن وضع البلاد لم يعد يحتمل خاصة وأن نسبة النمو لن تتعدى هذه السنة الصفر فاصل خمسة بالمائة في أحسن الحالات وهي نسبة لن تمكن من تحقيق التنمية المرجوة».

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية