جدل في تونس بسبب «قانون المصالحة»

حجم الخط
3

تونس ـ «القدس العربي»: احتدم جدل كبير في تونس على ما يسمى «قانون المصالحة الاقتصادية» الذي يدافع عنه بشراسة رئيس الجمهورية الباجي قائد السبسي، ويرى أنصاره والمدافعون عنه أنه كفيل بمساعدة الاقتصاد التونسي على تجاوز حالة الركود التي تخنقه. فيما يرى معارضو هذا القانون، الذي ما زال مشروعا ولم يصادق عليه مجلس النواب بعد، أنه تشجيع ضمني لظاهرة الإفلات من العقاب وخطره كبير على البلاد والثورة ومسار العدالة الانتقالية. ورأى طارق الكحلاوي القيادي في حزب المؤتمر الذي يرأسه المنصف المرزوقي، رئيس الجمهورية السابق، أن مشروع القانون هذا هو مكافأة لممولي حملة الباجي قائد السبسي الرئاسية وإعادة تمكين للوبيات الفساد بفسخ ديونهم تجاه المجموعة الوطنية وإيقاف للتتبعات تجاه المتورطين في المال العام.
ويتضمن مشروع القانون المشار إليه بنودا للمصالحة مع رجال الأعمال الذين تورطوا في اختلاس المال العام قبل الإطاحة بنظام بن علي شريطة قيامهم بجملة من الإجراءات منها إرجاع ما تم نهبه من المال العام، وهو ما ترفضه شريحة واسعة من المعارضة التونسية وحتى من «الموالاة». فقد أطلق حزب المؤتمر من أجل الجمهورية على سبيل المثال حملة للتصدي لمشروع القانون شعارها «هو يسرق، إنت تخلص» أي رجل الأعمال يسرق والمواطن يسدد ستبدأ في مواقع التواصل الإجتماعي لتنتقل إلى الشارع من أجل التصدي إلى «التطبيع مع الفساد» بحسب تعبير أحد قياديي الحزب قبل أن يبدأ مجلس النواب في مناقشة مشروع القانون.

حياد عن أهداف الثورة

وفي هذا الإطار يرى الدكتور عبد الرحمان المرساني الأستاذ والباحث في علم اجتماع الموارد البشرية في الجامعة التونسية أن هذا القانون إن وقع تمريره فهوّ خطير بكلّ المقاييس على السلم الأهليّة. وهوّ جحود ونكران للأهداف العامّة والساميّة التّي قامت عليها ثورة 17كانون الاول/ديسمبر 2010 / 14 كانون الثاني/يناير 2011، ويضرب في الصّميم مبادئ دستور 2014، وهوّ في نهاية المطاف مكافئة مجزيّة للرّأسمال الفاسد الذّي نخر الاقتصاد ورهن الدّولة ومؤسّساتها والأجيال القادمة لسنين طويلة. ويضيف قائلا: «وجوابا عن السّؤال المركزي لماذا هذا القانون وفي هذا الوقت بالذّات؟ فإنّ الإجابة لا يختلف عنها عاقلان، وهي أنه أتى كردّ للجميل وجزاء لرجال الأعمال الذّين ساندوا الحزبين الكبيرين اللذّين يشكّلان عمادي الائتلاف الحاكم. فالحملة الانتخابيّة السّابقة كان عمادها تنافس هذين الحزبين على خطب ودّ رجال الأعمال وتمرير رسائل طمأنة في عدم محاسبتهم جبائيّا وجزائيّا لذا تمّ ترشّح عدد من رجال الأعمال في كلا الحزبين، ولا نستغرب اليوم وبطريقة فجّة تمرير هذا القانون في تعدّ صارخ على كلّ التقاليد العالميّة للإنتقال الديمــقـــراطي وما تفرضه من محاسبة تليها مباشرة مصالحة وطنـــيّة». إنّ استنزاف مقدّرات الدّولة بهذا الشّكل السّافر سيزيد، بحــسب المرســـاني من درجة احتقان الفئات الفقيرة والمتوسّطة وقطـــاعات كبيرة من المفقّرين والمهمّشين والمثقّفين الذّين سيتّفقون على ضـــرورة التـصــدّي لهذا الإجراء غير الدستوري بل وغير الأخلاقي.

ظروف صعبة

من جهته اعتبر الناشط السياسي والحقوقي التونسي باديس الكوباكجي في حديثه لـ «القدس العربي» أن هناك استقرارا سياسيا تحقق في تونس وكان للمجتمع المدني فيه نصيب الأسد، وهذا الأمر لا ينكره إلا جاحد. فقد عبر جهد منظمات المجتمع المدني بالبلاد إلى بر الأمان من مرحلة اتسمت سياسيا بالعنف وبممارسات ذكرتنا بالعهد الاستبدادي السلطوي من خلال القمع الأمني الذي تجلى في أحداث مدينة سليانة وغيرها وكذا الإنفلات الأمني في أحداث حرق السفارة الأمريكية وأحداث 9 نيسان/أبريل إلى جانب تواتر الاغتيالات السياسية وانفجار المطلب الاجتماعي نتيجة اليأس من ذلك النظام. فوقعت الاستجابة تشريعيا، وإلى حد ما، إلى صوت الشارع الذي خرج يومها محتجا إلى ساحة باردو ومثل صوت العقل وأجبر السياسيين والمنتخبين صلب المجلس التأسيسي على صياغة نص بعيدا كل البعد على ما كان مزمعا تمريره من نصوص وتشريعات تتعسف على أبسط أبجديات الحكم الديمقراطي. ويتابع: «وفي هذا الإطار وقع سن دستور الجمهورية الثانية وكذلك منظومة العدالة الانتقالية التي من خلال قراءة بسيطة في سوسيولوجية اللجان التي تولت العمل على سن النص التشريعي المنظم لها نستنتج انها ليست إنتقالية …بل في بعض الأحيان نجدها صمتت على الإجراءات التي اتخذتها الترويكا الحاكمة السابقة تعسفا منها في الميادين التي كان من المفروض ان يشملها قانون العدالة الانتقالية إذ نجد عددا من القرارات الهاضمة لحقوق أشخاص اتخذت بمعزل عن قانون العدالة الانتقالية».
ويضيف محدثنا «ففي ظروف غامضة انتقامية وغير مفهومة حصلت تغييرات وعمليات عزل لا نجدها مشمولة بمنظومة العدالة الإنتقالية على غرار ما تم من عزل مباشر للقضاة ومن عفو تشريعي عام وكلها قرارات ارتجالية اكدت الأيام والأحكام القضائية انها لم تتخذ بروية وغابت عنها العقلانية المطلوبة لمن هو في دفة تسيير دواليب الدولة. لقد كانت مجرد قرارات انتقامية فئوية نالت من مصداقية أجهزة بأكملها صلب الدولة وهو ما يجرنا للتساؤل المشروع حول امكانية تحقق العدالة الانتقالية كمنظومة متميزة بالتعقل والانتصار للتعايش وليس للإنتقام والإجحاف القانوني. كل هذا يعطي فكرة عامة أولية وبسيطة عن المناخ السياسي والظروف التي حفت بعملية التقنين المتعلقة بالعدالة الانتقالية والنموذج التونسي منها».
ولعل أبرز مثال على ذلك، بحسب الكوباكجي هو هيئة الحقيقة والكرامة التي تترأسها السيدة سهام بن سدرين والتي وقع اختيارها دون مباركة شعبية ولم يقع بشأنها استفتاء شعبي. وهنا يتساءل محدثنا كيف يقع اسناد هذا الاختصاص الحساس في تلك الفترة الحساسة لأشخاص لم تتفق عليهم الإرادة الشعبية والإختيار العقلاني بل المحاصصة الحزبية؟
قانون إيجابي

لذلك فإن قانون المصالحة الوطنية على علاته يعتبر إيجابيا في نظر محدثنا، إذ وبالإضافة إلى كونه لا يتعدى في موضوعه جرائم المال العام على غرار الرشوة التي هي أكثر الجرائم شيوعا في أوساط النظام القديم …نجد كذلك ان هذا القانون ينطبق على فئة معينة من الأشخاص أمكن لهم القيام بمثل تلك الأفعال بالنظر إلى نفوذهم.
لكن رغم إيجابيته فإن محدثنا يرى أن من الضروري إخضاع مشروع القانون للاستفتاء الشعبي شأنه شأن دور هيئة الحقيقة والكرامة (الهيئة المكلفة بملف العدالة الإنتقالية في تونس) والتي وقع إقحامها في النص الدستوري إقحاما في ظروف سياسية يعلمها الجميع وهي ظروف تلت فترة حكم لم تخل بدورها من الفساد والاستبداد ومنطق المحاصصة الحزبية لكل مفاصل ودواليب الدولة وليس فقط للمناصب والسلطات. فمحدثنا مع مصالحة شاملة تنطلق من 1956 تاريخ استقلال تونس مرورا بكل التواريخ الهامة وصولا إلى كشف لغز 14 يناير…حتى لا يتم صنع تاريخ زائف تكبل به العقول وتنتج عنه ايديولوجيات تتبناها أجيال بأكملها قائمة على منطق الغنيمة يصوغها المنتصر في انتخابات.

ضرورة المراجعة

ويختم المحامي باديس الكوباكجي بالقول «هذا القانون في حالته الحالية حري بالمراجعة في اتجاه إيجاد صيغة تربط بين المصالحة ونتائجها بصورة واضحة فعبارات ان تذهب الأموال إلى الخزينة في صندوق خاص وكل ذلك التعقيد، أرى انه يجب تجاوزه وعلى المشرع التدقيق بكل وضوح على كون الأموال ستذهب بشكل أو آخر إلى المعوزين. فهذا القانون وجب ان يكون صرحا نبني عليه تونس لكل التونسيين بقطع النظر عن الحاصل الانتخابي. لذلك وجب ان يأخذ بخصوصيات المرحلة وخاصة الحراك الشعبي الذي حصل قبيل الانتخابات بساحة باردو الشهيرة التي اعتبرها المؤسس الحقيقي للجمهورية الثانية.

روعة قاسم

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية