جدوى الصبر

حجم الخط
0

1. كما توقعنا، فإن الرئيس الأمريكي دونالد ترامب لن يخرج الكستناء من النار نيابة عنا، وليس هو الذي سيؤدي إلى احلال السيادة على كامل رحاب بلادنا؛ كما أنه ليس مسؤولا عن تعزيز الاستيطان في ظهر الجبل. لديه مشاكله في بلاده. فالامر منوط بنا، مثلما كان على مدى التاريخ. بعد خمسين سنة من حرب الخلاص وعودتنا إلى أقاليم البلاد التاريخية، عرش مولدنا كشعب، تعمل إسرائيل ببطء في كل ما يتعلق بتعزيز قبضتنا عليها. صحيح أنه توجد قوى قوية مع احلال السيادة، ولكننا ملزمون بالاعتراف بأنه توجد قوى قوية بقدر لا يقل ضد الخطوة.
في الوسط توجد محافل اجتماعية سياسية تتردد بالنسبة لمستقبلنا. في مثل هذا الوضع، فإن قرارا واضحا باحلال القانون سيكون فرضا لحل سياسي، مثل فرض اتفاقات اوسلو التي سقطت على رأسنا وتفجرت في وجهنا. في هذه الحالة، لا مفر من مواصلة المسيرة التاريخية البطيئة للاستيطان المدروس في ظل تربية واقناع المجتمع (والمساعدة من جيراننا). فمحبو البلاد والاستيطان مطالبون بتوجيه نظرة واعية إلى الواقع والاستعداد له. وبخلاف هضبة الجولان فإن المسألة المركزية بالنسبة لاحلال السيادة الكاملة هي اضافة نحو 2 مليون فلسطيني لمواطني إسرائيل (حسب الاستطلاعات الادنى). لقد عنيت بالمسألة الديمغرافية في مقالات سابقة. مشكلة عميقة اخرى، برأيي اكثر حسما، تتعلق بمسألة الهوية اليهودية التي تمثلها يهودا، السامرة والقدس، في وعينا التاريخي كشعب.
ان احلال السيادة على اقاليم البلاد هذه تنطوي على صلة لا تنفصم بالتسليم والمصالحة للمجتمع الإسرائيلي على انواعه بالتقاليد والايمان الديني وبلورتهما كجزء من هوية إسرائيلية جديدة ـ قديمة (ولا اتحدث عن «التوبة»). في هذا الموضوع نحن في بداية المسيرة وامامنا مخاض ولادة معقد. فاحلال السيادة دون الانصات لهذه المسيرة الداخلية، ستكون مثابة زراعة الريح ومن شأنها ان تحصد العاصفة. فالفعل السياسي يأتي بعد بناء الروح وتعزيز الوعي الوطني والتاريخي. لا يوجد اختصار للطريق.
2. إذن ما العمل في هذه الاثناء؟ أولا ابتعد عن الشر وفقط بعد ذلك افعل الخير، وفي ظل ذلك اطلب السلام ولاحقه. ينبغي غرس وتعزيز الاعتراف الواضح بأن الدولة الفلسطينية بين البحر والنهر هي خطر وجودي ومحظور أن تقوم. فالثورات الكبرى حولنا في دول الشرق الاوسط، وتفككها امام ناظرينا، والتغييرات الهائلة في التشكيلات العرقية، التراجع عن النزعة القومية الغربية التي فرضت على الشعوب العربية والعودة إلى البنى القبلية والعشائرية، والاستيقاظ الديني وازدهار الجهاد الإسلامي؛ التجربة الواضحة التي عشناها مع الانسحاب الكامل من قطاع غزة وسيطرة حماس، التحريض الدائم والتعليم الثابت في السلطة الفلسطينية على الحرب الابدية ضد إسرائيل واليهود (كله علني، ادخلوا إلى مواقع مثل «ممري» ونظرة إلى الإعلام الفلسطيني). تعزيز قوة النزعة القومية المناهضة لإسرائيل في اوساط قيادة عرب إسرائيل والمزيد فالمزيد من المعطيات الواضحة ـ كل هذه تفيد بأن اقامة دولة فلسطينية اخرى بين البحر والنهر، ولا سيما في ظهر الجبل المطل على تجمعاتنا السكانية، ستكون خطرا وجوديا واضحا على إسرائيل.
ان الوعود التي ينثرها خبراء الجيش والسياسة بتجريد الدولة الفلسطينية، محطات الانذار المبكر وجملة الابتكارات، قوتها جميلة على الورق. في اللحظة التي تقوم فيها دولة مستقلة، سيكون من الصعب منعها من التسلح. واصعب من ذلك سيكون منعها من صعود حماس إلى الحكم. وأصعب من ذلك أكثر سيكون منع استيقاظ خلايا غافية لداعش تبدأ بتنقيط الصواريخ من فوق. منظمات اليسار في إسرائيل وفي العالم لن تسلم بنشاط عسكري إسرائيلي تجاه الدولة الفلسطينية، واذا ما أغلقت إسرائيل حدود الدولة الفلسطينية لمنع تهريب الوسائل القتالية، فستتهم باستمرار الاحتلال. فدولة فلسطينية مستقلة، على مسافة بضع كيلومترات من التجمعات السكانية العربية في المثلث وفي الجليل، ستشعل النزعة القومية العربية في أوساط عرب إسرائيل وتزيد المطالبة بالحكم الذاتي الثقافي والسياسي، ما سيؤدي إلى اتهام إسرائيل بــ «الابرتهايد» في حدود «الخط الاخضر» (هكذا يدعون منذ الان). والمعركة الدولية ضد وجود إسرائيل وشرعيتها كدولة يهودية لن تهدأ ولن بل ستتعاظم، وما شهدناه في اتفاقات اوسلو، وبقوة اكبر بعد فك الارتباط عن غزة، سيكون المقدمة لواقع أكثر تضعضعا بكثير.
3. ان التحليل الواعي الذي عرض هنا، والذي يعتمد على الحقائق والتجارب الواضحة، يفيد بأنه مع كل مشاكله، فإن الوضع الحالي افضل بلا قياس من الفوضى الخطيرة التي ندعى اليها في الحالة الاخرى. والحلول التي اقترحها اليسار وبعض من المثقفين للنزاع العميق استندت بقدر أقل إلى الحقائق وبقدر أكبر إلى النظريات السياسية، الاماني الاخلاقية، انعدام الصبر تجاه السياقات التاريخية والتجاهل للفوارق الثقافية، الدينية، التقليدية والسياسية.
كتب المؤرخ روبرت كونكويست عن «سوء فهم عميق وخطير» من اليسار في الغرب للامبراطورية السوفياتية في زمن ستالين «قام على اساس خداع (سوفياتي)، وعلى خداع ذاتي، حيث ما كان يمكن للاول أن يكون موجودا بلا الثاني». وسأل: «لماذا اختارت الاغلبية الساحقة من طبقة كاملة من المثقفين تصديق القصة الكاذبة؟» واجاب بأنه لا يمكن شرح هذا بتعابير ثقافية. «فليس فعلا عقلانيا القبول بلا شك معلومات في موضوع توجد فيه أدلة متعارضة تماما ويمنع فيه التحقيق في الخلافات المركزية».
لقد أظهر كونكويست كيف أن التناقض بين الواقع السوفياتي الرهيب والشكل الرومانسي الذي نظر اليه في الغرب استعان «بطيف واسع من المراسلين الغربيين والمراقبين الاخرين في الاتحاد السوفياتي». عند فحص الساحة المحلية، نجد أن الامور أخطر باضعاف، لان المعطيات اليوم مكشوفة اكثر، ومع ذلك، بعض منا لا يزالون يعيشون الوهم بأن دولة فلسطينية ستحل المشكلة.
الاستنتاج الذي بموجبه محظور أن تقوم دولة فلسطينية على ظهر الجبل ينبغي إذن ان يكون الاساس لكل حل وسياسة مستقبلية. بعد أن نفهم هذا، سنسأل ما الذي يمكن عمله. وانطلاقا من ذلك من المهم تعزيز الاستيطان في السنوات القريبة القادمة وزيادة عدد المستوطنين، ليس فقط في «الكتل الاستيطانية» بلا ولا سيما في ظهر الجبل. وبالتوازي يجب اقامة معاهد بحث، مراكز دراسات، اصدار كتب ومناهج تعليم تعنى بتعزيز الروح وتقاتل في الساحة الثقافية، الإعلامية والاكاديمية.
يوجد تغيير في هذه المجالات، ولكن لعارنا، مقابل النشاط طويل السنين لليسار، المعسكر المحافظ ـ اليميني استثمر القليل في مجال الروح. لا يكفي الانتصار في الانتخابات؛ فالسياسة تحتاج إلى تعزيز ثقافي، روحي وفكري لجمع القوة لحسم هذه المسائل الاساس. في هذه الاثناء من المهم عدم تقريب النهاية. الصبر.

إسرائيل اليوم 17/3/2017

جدوى الصبر
لا بد من منع الخطر الوجودي الذي سيبتلعنا في شكل دولة فلسطينية بين البحر والنهر
درور ايدار

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية