جدي البعثي لا قبر له في بلاد البعث

حجم الخط
6

جدي الذي اشترى قبراً منذ عام 2010 وجهزه لساعة الرحيل، لم يستطع أن يكون نزيل هذا المكان، ولم يجد جدثاً لمثواه الأخير، بعد أن احتلت ميليشيا حزب الله قريتي « إفرة « الواقعة في جبال وادي بردى، والتابعة لمنطقة الزبداني.
الغربة بكل الأحوال صعبة، ولكن الغربة في داخل الوطن هي أصعب الصعاب، فما بالك عندما يحتل بلدك إنسان محقون بكل سواد التاريخ و سردياته الحقدية، فلم يكن جدي رغم كبر سنه يعاني من المرض، وإنما جاء موته السريع قهراً على أرض سقاها سنيَّ عمره كله، حتى أينعت.
لم يخرج جدي خارج سوريا طوال سنوات عمره التي قاربت الثمانين، سوى للحج إلى بيت الله الحرام، ثم ما لبث أن أفل راجعاً، ليقول لي بعد تلك الرحلة المقدسة إن مياه ينابيع ضيعتنا، أطيب من مياه زمزم، لولا القدسية التي أسبغها الله على هذا النبع، وجاء موته كذلك قهراً على حفيده الشاب الذي لقي مصرعه، أثناء تصديه للغزاة القادمين من خلف الحدود، والذين أكرم جدي وفادتهم، كغيره من السوريين عام 2006.
لقد منعت ميليشيا حزب الله حتى بعد أن هجروا المعارضين للاتفاق، الأهالي من العودة إلى منازلهم، التي تكفلوا هم وجيش النظام وميليشياته بتعفيشها وإفراغها من محتوياتها، طبعاً البيوت التي نفذت من قذائف حقدهم، ولم يصبح عاليها سافلها.
رغم أني جدي لم يكن منتسباً لحزب البعث، ولكنه ظل موالياً – أو نصيراً كما يقال في أدبيات الحزب- له أغلب عمره، على ما أعلم، كغيره الكثير من فلاحي الريف السوري، فهو كان يرى أن فقيدنا الحي – حزب البعث – هو حزب العمال والفلاحين، والمعبر الحقيقي عن تطلعاتهم وآمالهم، نعم هكذا كان رأيه في آخر نقاش دار بيننا عام 2010، بعد الثورة لم يتسنَ لي الاجتماع الطويل بجدي كي نناقش مطولاً أوضاع البلاد.
كان جدي المتدين بفطرته يرى أن جماعة الإخوان المسلمين هي الوجه الآخر للإقطـاعيين، إنما بذقن وسبحة وعباءة، فالدين حسب رأيه لا يمكن أن تحتكره جماعة لنفسها، وتمنعه عن الآخـرين.
في كل الأحوال ما كان جدي بدعاً بحبه للبعث في فترة الصعود القومي العربي، والآمال العراض التي بناها ذلك الجيل المسكين على حزب البعث، من تحرر من الاستعمار إلى تحقيق الوحدة العربية، وبناء بلدان عربية تسودها الوحدة والحرية والاشتراكية، خلال ستينيات القرن المنصرم، والإنسان يشيب على ما شب عليه، فمثله الكثير من أبناء جيله الذين كانوا القاعدة الشعبية، والجسر الذي عبر عليه البعث وصولاً إلى السلطة.
لقد غرر البعث بذاك الجيل الساذج وكذب عليه، حتى باتت رؤية الحقيقة مستحيلة عليه، ومن خلال الكذب والخداع والمكر والتضليل والطائفية المقنعة بالبعث وصل حافظ الأسد للسلطة، وسريعاً في عهد الأب المناضل تم التزاوج بين برجوازيي المدن وقياديي البعث الاشتراكيين، فالرأسمال جبان، وأصحابه يتعاملون بمنطق المصلحة والبرغماتية، فإن يخسر شيئاً من مرابحه، خير من أن يرفض التعامل مع العسكر الطائفيين، ويخسر بالتالي المال والرأسمال.
وعلى هذا المنوال من الطبيعي أن يصبح القيادي البعثي فقير الضمير أولاً من خلال صفقات الفساد رجل أعمال كبير، وكان حافظ الأسد يطلق لمسؤوليه أيديهم في الفساد، ولا تفتح ملفاتهم السوداء، إلا إذا فكروا أن يقولوا له لا، فلو لم ينشق عبد الحليم خدام عن النظام، لما علمنا انه دفن نفايات نووية في صحراء تدمر، وعلى هذا المثال فقِس.
في دولة البعث الاسدي من يتزلف وينافق لرجال السلطة يرمى له بالفتات من مال الفساد والزقوم، وأبناء الريف السوري عزيزو النفس، فمن الطبيعي والحال هذه أن تخرج الثورة من مناطقهم، لقد كان الريفيون بشكل عام هم ضحايا هذا الحزب الطائفي.
نعم طائفي .. فعلاقة حزب البعث في عهد حافظ مع كل الدول العربية، كانت متحولة بين شد وجذب، فيما كان ثابت البعث القومي الوحيد مع الجمهورية الإسلامية الإيرانية، وللأمانة في عهد الديكتاتور الأب كانت العلاقة بين البلدين هي تحالف، بينما في عهد الوريث أصبحت علاقة تابع ومتبوع، حيث فتحت البلاد على مصراعيها للإيرانيين، وباتت أجواء اللطم مشاهدة في عاصمة بني أمية، وأصبحت عملية التشييع تسير بشكل علني في أكثر من منطقة.
مع بداية الثورة، كانت إيران هي المساند الحقيقي شبه الوحيد للنظام، فلو خسر هذا النظام ستخسر كل مكتسياتها، وبالتالي من الطبيعي أن تزج بسرعة بحزبها الإلهي في هذه المعمعة، فهي ما أنشأته إلا لهذا الهدف، وبعد أن فشل حزب الله في المهمة مع عشرات الميليشيات الشبيهة، لا بد من دعوة روسيا لاحتلال البلاد، وترْك ريف دمشق الغربي كبدل أتعـاب لحزب الله، فهو وأهله يعرفون تلك المنطقة جيداً، ولطـالما أكـلوا من طـعام أهلهـا.

كاتب من سوريا

جدي البعثي لا قبر له في بلاد البعث

مصطفى عباس

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية