الحديث في الإرهاب وعنه معقد منذ أن كان لهذا الإرهاب، بمفهومه الأكثر بداهة أو تبسيطا أي استهداف المدنيين الأبرياء في الصراعات السياسية أو المسلحة، تلويناته اليسارية في الستينات، إلى أن استقر به المقام الآن بيافطة إسلامية تزداد قسوة. لكن ماذا لو تجرأنا قليلا على وضع أنفسنا داخل منظومة تفكير هؤلاء الذين يقدمون على عمليات إرهابية استعراضية في دول غربية على غرار ما حدث مؤخرا في باريس و ماهو متوقع في غيرها ربما.
لو وضعنا أنفسنا في جلابيب هؤلاء، أو بالأحرى في عقلهم الجمعي، و افترضنا جدلا، فعلا جدلا، أننا قبلنا بهذا النوع من العمليات التي يقومون بها في أوروبا وأننا لا نمانع في سقوط هذا العدد من الضحايا طالما أن القضية التي نقول إننا نذرنا حياتنا لها، ونتوق إلى الشهادة من أجلها، هي إعلاء كلمة الإسلام في الأرض وإيذاء هؤلاء «الكفرة» الذين ما فتأوا يعتدون علينا وعلى أرضنا ومقدساتنا منذ عقود أو قرون. لنفترض كل ذلك… ثم تعالوا نجلس للقيام بجردة حساب سريعة لنرى مدى ما قدمناه من خدمة للإسلام والمسلمين بهذه الأعمال أو ما نكون ألحقناه بهما من ضرر.
قد لا يكون مهما كثيرا هنا القول إن هؤلاء، وعلى رأسهم حاليا تنظيم «الدولة الإسلامية»، ما هم إلا مجموعة من المتطرفين المغرر بهم، لأنه في النهاية ومهما كانت التسميات فإنها لا تغني عن الاعتراف بأن لهؤلاء قضية يرون هم وجاهتها الكبرى ومن أجلها تهون الأنفس. و طالما أن هؤلاء الشباب والشابات ممن اختاروا لأنفسهم هذا السبيل ليسوا بالمعتوهين، فيفترض أن ينبري من بينهم الآن من يطالب بجردة الحساب هذه، أو يفكر فيها على الأقل بينه و بين نفسه، لأن المجاهرة بها قد تعني حاليا عند قادتهم الارتداد أو في أحسن الحالات الجبن وتولية الدبر. جردة الحساب قد تبدأ على الأقل بطرح أسئلة حارقة في وقفة صادقة مع الله أولا ومع النفس ثانية:
هل الدول التي ضربت بعمليات إرهابية ذهب ضحيتها مدنيون لم يعتدوا عليهم ولا هم أذوهم في شيء غيّـــرت من سياساتها التي أثارث خنق هؤلاء؟ بالتأكيد لا بل بالعكس ازدادت شراسة، من ضربة 11 سبتمبر/ايلول2001 إلى اليوم.
هل سمعة الإسلام الآن في العالم أفضل بعد هذه العمليات؟ بالتأكيد لا. والأمر يزداد سوءا على مر السنين حتى لكأن هذا الدين الحنيف الذي جاء رحمة للعالمين نجح قلة في تحويله إلى نقمة لا ينظر إليه و إلى أتباعه إلا شزرا.
هل سمعة المسلمين أفضل بعد هذه العمليات؟ بالتأكيد لا. حتى أن هؤلاء باتوا في كل مرة مدفوعين بطريقة أو بأخرى للاعتذار عن شيء لم يقوموا به ولا هم يرضونه. وبات المسلمون في غالبيتهم العظمى ميالين إلى بذل كل جهد للنأي بأنفسهم عن أناس لا يرون أنهم يمثلونهم في شيء، وعن مفهوم للدين لا يرون له علاقة بالدين الذين عرفوه وارتضوه لأنفسهم.
هل وضعية المسلمين في أوروبا والغرب عموما أفضل بعد هذه العمليات؟ بالتأكيد لا. بل باتوا أكثر ضيقا وحرجا وأكثر استهدافا من الأوساط اليمينية المتطرفة التي تناصبهم العداء والتي تقوى شوكتها بعد كل تفجير. لقد بات المسلمون يشعرون أنهم أناس متوجـّـس منهم. كل واحد منهم بات، في نظر البعض، مشروعا إرهابيا حتى وإن ولد على هذه الأرض وتربى في مدارسها. حتى ترسانة القوانين صارت مهيئة الآن للتعديل لضمان أقوى قوة تشريعية ضاربة لمواجهة هذا الخطر.
هل ما زالت أوروبا أو غيرها من «بلاد الكفر» ترحب بقدوم الهاربين منا من جحيم الاستبداد وفتك البراميل المتفجرة والقتل بالكيمياوي الذي لم يعد «خطا أحمر» لا عند أوباما ولا غيره؟ بالتأكيد لا. هذا يعني أننا على وشك إضاعة حتى الملاذ الذي كان إليه يلتجأ الفارون من جحيم حروب المنطقة التي تشتعل الواحد وراء الآخر.
وحتى إذا قلنا إن سمعة الإسلام والمسلمين لا تهم هؤلاء، فإن الضرر اللاحق بهم مباشرة، هم دون غيرهم، كتنظيم و كـــ «دولة» كما يقولون، ضرر كبير. هم في النهاية غير قادرين على مجابهة العالم كله شرقه وغربه. هم بالتأكيد قادرون على مزيد من بث الرعب ومزيد سفك الدماء ولكنهم لن يذهبوا أبدا أبعد من ذلك. هل من رجل رشيد من داخلهم يقول لهم هذا الكلام فيرعووا؟ هل من أمل ينهي هذه الضلال المبين الضار بأصحابه وبالإسلام وأهله؟!! « قُلْ هَلْ نُنَبِّئُكُمْ بِالأخْسَرِينَ أَعْمَالا الَّذِينَ ضَلَّ سَعْيُهُمْ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَهُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعًا»، صدق الله العظيم.
٭ كاتب تونسي
محمد كريشان