لم يصبح حسني مبارك ماضيا بعد، ولم تحدث القطيعة الكاملة مع اختيارات ومآسي عصره الأسود، صحيح أن الرجل أزيح عن الحكم، وخلعته ثورة الشعب المصري العظمى في 25 يناير 2011، وقال عنه الرئيس السيسي «منه لله مبارك.. خرب البلد».
لكن مشهد اللحظة لا يخلو من رجال المخلوع، وفي صورة مسؤولين من «الفرز العاشر»، لهم مواقع متحكمة في الحكومة والبرلمان والجهاز الإداري للدولة، بل في أجهزة أكثر خطورة، يتصرف بعضها كأننا لانزال في عام 2006، وليس 2016، ويعطون للمخلوع حصانة، لا يعطونها للرئيس السيسي نفسه.
وليست القصة في أن تحب أو أن تكره مبارك، فلسنا بصدد تفضيلات ومشاعر شخصية، ولا بصدد شن حرب على رجل مدفون في سريره بمستشفى المعادي، بل بصدد عنوان على عصر كامل من المذلة والتجريف، صدر ضده حكم الشعب المصري صريحا قاطعا ونهائيا وباتا، ليس فقط بخلعه، بل بإعدام نظامه الذي لم تطلق عليه بعد رصاصة الرحمة، ولا يزال يسد أفق النور على المصريين، ويتحكم مليارديراته وأغواته في الإعلام والسياسة والاقتصاد بالذات، ويدافعون عن مبارك بصفته كبيرهم وولي نعمتهم، ويغسلون سمعته، ليس بفوائض محبة للرجل القابع في الظل الموحش، بل بجعل غسل سمعته سبيلا إلى غسل سمعة مئات المليارات الحرام التي استولوا عليها، وانتفخت بها كروشهم، وحساباتهم البنكية في مصر وخارجها، وبتصميم أكيد على مواصلة لعبة النهب العام للبلد، والضحك على ذقون الناس باستحمار يسمونه استثمارا، رغم أن الرئيس السيسي كررها مرارا، وقال ذات مرة «ماعادش فيه حاجة في البلد تتسرق»، ولكن دون اتخاذ إجراءات حاسمة، تكنس الفساد وأهله وامبراطوريته المتحكمة لا تزال.
ورغم مرور زمن لا بأس به على النهاية الرسمية لحكم المخلوع، إلا أن الملف الأسود يأبى أن يغلق، وتتكشف في كل يوم جرائم جديدة، أو قل إنها خيانات مضافة، تنسب لرجل وصفه الجنرال بنيامين بن أليعازر على نحو دقيق، وقد كان بن أليعازر واحدا من أخطر جنرالات إسرائيل، وكان صديقا حميما لمبارك، وأعلن حزنه العميق عليه يوم أسقطه الشعب المصري، وكرر وصفه لمبارك بأنه كان «أعظم كنز استراتيجي لإسرائيل»، وكان امتداح بن أليعازر أعظم إدانة لمبارك، فقد كان الأخير جنرالا مصريا بارزا في وقت مضى، ولعب دورا قياديا لا ينكر في الضربة الجوية لإسرائيل خلال حرب 1973، وبالطبع لم يمتدح بن أليعازر مبارك لماضيه العسكري، ولا لقيادته الضربة الجوية، بل كان المديح لسبب آخر، يتعلق بما فعله مبارك بالسياسة لا بالسلاح، بعد أن جعلته الأقدار رئيسا لمصر على مدى ثلاثين سنة كبيسة، انحطت فيها مصر إلى الدرك الأسفل، ونهبت كما لم يحدث طوال تاريخها الألفي، وجرى تجريف كل عناصر قوتها، ولحقت بها الهزيمة الاقتصادية والسياسية والحضارية الشاملة، وبصورة أفدح مما لو كانت مصر قصفت بالقنابل النووية، فقد صارت الضربة الجوية لإسرائيل ماضيا بعيدا، كانت إسرائيل تتخوف فيه من خطر مصر، وتحلم بتقويضه، وهو ما تكفل به مبارك «كنز إسرائيل الأعظم»، وكان عهده بمثابة الضربة النووية المدمرة لمصر، وبسياسات تجريف للموارد وهدر للإمكانيات، تتوالى عليها الشهادات حتى اليوم.
خذ عندك ـ مثلا ـ شهادة جديدة من عالم مصرى جليل، نشرتها جريدة «الأهرام» الحكومية قبل أيام، وبالتحديد في صباح 2 ديسمبر 2016، وبطول وعرض الصفحة الثالثة من «ملحق الجمعة»، العالم هو الدكتورالبهى عيسوي شيخ الجيولوجيين المصريين، وهو واحد من أكبر علماء الجيولوجيا في الدنيا كلها، واختاره الرئيس السيسي ضمن مستشاريه العلميين الكبار، وشهادة الدكتور عيسوى مفزعة، وكاشفة لواحدة من أخطر جرائم المخلوع، كان عيسوى مكلفا بكشف ورسم خرائط الآبار الجوفية في سيناء قبل عشرين سنة، وكان التكليف رسميا من وزير الرى وقتها عصام راضي، وبعلم مباشر من مبارك، وكانت النتائج مبشرة جدا، فقد اكتشف عالم الجيولوجيا المصري مخزونا هائلا من المياه الجوفية، يكفى لزراعة أكثر من مليون فدان في سيناء وحدها، ونشرت وقتها نتائج أبحاث عيسوي في مجلات علمية دولية، وكان الأخطر فيما نشر، متعلقا بخرائط الآبار الجوفية في شرق سيناء، فقد بدأ فريق عيسوي في حفر 25 بئرا في «وادى الخراف» و»وادى وتير» و»عريف الناقة» و»سهل القاع» و»جنوب العريش»، ومع حفر هذه الآبار، يقول عيسوي إننا «اعترضنا مياهنا التي تنحدر إلى منطقة النقب وتستفيد منها إسرائيل»، وهنا دقت أجراس الخطر، ونترك للدكتور عيسوي أن يحكى ما جرى بنصه وحرفه، كما جاء في الحوار الذي أجراه معه الزميل أيمن السيسي، يقول عيسوي «أذكر أن الراحل الدكتور رشدي سعيد بعد قراءة الأبحاث اتصل بي من أمريكا، وقال لي سيخطفك اليهود أو يقتلونك، فاحذر، أو على الأقل سيفجرون البريمة التي تعمل في حفر الآبار»، وهنا سأل المحرر: وهل فعلوا شيئا مما حذرك منه؟ ويجيب عيسوى بوضوح «لا.. ولكن حسني مبارك أعطى توجيهاته بالتوقف عن هذا المشروع»، بدت كلمات البهى عيسوي قاطعة المغزى، لا تحتمل تأويلا ولا تفسيرا، سوى أن مبارك كان يد إسرائيل التي تضرب بها في مصر، وقد أرادت إسرائيل وقف التنمية في سيناء، وكان لها ما أرادت دون تعقيب ولا تثريب.
الشهادة الثانية بطلها عالم مصري آخر، وفي غرب مصر لا في شرقها هذه المرة، ونشرتها جريدة «أخبار اليوم» الحكومية كذلك، في عددها الصادر بتاريخ 26 نوفمبر 2016، وضمن تحقيق مثير للزميل صابر شوكت، وقد رافق الزميل بعثة علمية يقودها الدكتور علاء النهري النائب السابق لرئيس «هيئة الاستشعار عن بعد»، وكشف بالفيديو والصور عن معجزة مائية في الصحراء الغربية، فقد جرى اكتشاف خزان جوفي ممتد لمئات الكيلومترات على طول طريق «محور الضبعة»، تكفي مياهه لزراعة سبعة ملايين فدان، وجرت اختبارات معملية دقيقة على المياه المكتشفة، وتبين أنها في عذوبة مياه النيل، ونسبة الملوحة فيها بين 400 و600 جزء في المليون، وكانت تلك هى المفاجأة الأولى، التي خالفت بالجملة نتائج أبحاث سابقة جرت قبل عشرين سنة، أي في عمق أيام مبارك، وادعت أن نسبة الملوحة في المياه الجوفية هناك تزيد على تسعة آلاف في المليون، أي أنها لا تصلح للزراعة، وهو ما كان سببا في إغلاق الملف، المفاجأة الثانية أن المياه المكتشفة على عمق 50 مترا وحتى 160 مترا، وتتجدد سنويا مع نزول الأمطار، وقد جرى حفر أكثر من 25 بئرا استكشافية، وفي منطقة مثالية صالحة لزراعة القمح الذي تحتاجه مصر، وهنا تأتي المفاجأة الثالثة الكاشفة لجرائم مبارك، فأهالي المنطقة يعرفون إمكاناتها المائية، ويزرعون قطع أراض صغيرة بمعرفتهم، وفي منطقة كانت «سلة القمح» للدنيا كلها زمن الامبراطورية الرومانية، ثم لحقها الإهمال والتغاضي والتصحر على مدى عشرات القرون، وإن ظل عدد السكان القليل الباقي يواصل زراعة القمح والشعير على مياه الأمطار، وهو ما لقي تشجيعا في عهد عبد الناصر، ثم كانت الضربة القاضية مع تولى مبارك للسلطة بدءا من عام 1981، فقد أصدر عبد الناصر القانون رقم 100 لسنة 1964، ونص على تمليك الأهالي لبيوتهم وأراضيهم رسميا، إن هم زرعوا قمحا، ثم صدرت قوانين تمنع زراعة القمح في منطقة الضبعة والساحل الشمالي، وتشجع على زراعة أشجار مثمرة أو غير مثمرة بدلا من القمح، وهو ما كشفه مشايخ المنطقة لتحقيق «أخبار اليوم»، وتحدثوا بالذات عن قوانين منع لم يكونوا يجرأون بالكلام عنها زمن المخلوع، بينها القانون رقم 143 لسنة 1981، وقد جرى تأكيده والإضافة إليه في 2006، وبهدف تشجيع زراعة أشجار التين والزيتون بدلا من القمح، ثم صدر القرار الوزاري رقم 2041 لسنة 2006 في الاتجاه نفسه، ودعك من أرقام القوانين والقرارات، فقد كان الهدف المدمر ظاهرا، وهو حرمان مصر من أي فرصة اكتفاء ذاتي من القمح، وجعل مصر أسيرة لاستيراد القمح الأمريكي، والمعروف أن مصر من عهد مبارك وإلى الآن، صارت أكبر مستورد للقمح في الدنيا كلها، وكانت تلك ـ ولا تزال ـ واحدة من أكبر جرائم وآثام مبارك وزمنه الأسود.
وهنا يظل السؤال الحائر معلقا، فهل يمكن أن يتآمر رئيس على بلده إلى هذا الحد ؟ وهل ما فعله مبارك أقل من جريمة خيانة عظمى كاملة الأوصاف؟ فالحقيقة تبدو أكثر هولا من الظنون، وكما جرف مبارك قلاع مصر الصناعية الكبرى بالخصخصة، فقد فعل ما هو أسوأ بالمزارع وموارد المياه، وكانت طاعة أمريكا وإسرائيل عنده أولى من طاعة الله، ولم يكتف بالتجريف وإهدار موارد البلد وإمكانياتها، وإفقار غالب المصريين، وتسميم أبدانهم بالمبيدات المسرطنة، بل أدار أوسع عملية شفط لثروة وأصول البلد، وجعلها حكرا لطبقة الحيتان التي تمص دم المصريين إلى اليوم.
كاتب مصري
عبد الحليم قنديل