جريمة فضائية إسمها التضليل… دجالون يتغلغلون في العقل العربي… وعن «الخطاب البسكويتي» في الأردن

قامت قناة «دبي» الفضائية ببث جانب من جلسات منتدى دبي الأخير للإعلام، وكانت الجلسة مع الإعلامي الأكاديمي علي جابر، نجم حلقات «مواهب العرب» ومدير قنوات «أم بي سي».
تابعنا بفضول واستمتاع، ما يمكن القول إنها محاضرة علي جابر أمام حشد من المستمعين وكان عليه مهمة إبهار نخبة إعلامية رفيعة وخبيرة موجودة في المنتدى بما هو جديد في جعبته المعرفية.
بالنسبة لهؤلاء وغيرهم من خبراء الإعلام والتواصل الاجتماعي، لا أعتقد أنه تحدث بأي جديد لهم، لكنه، تحدث بما هو مهم فعلا حول التضليل الإعلامي في العالم، وتلك كانت جزئية مهمة دلل عليها بالصور والأمثلة الحية من الإعلام، وهو ما تجد مثله في مواقع وصفحات فيسبوكية متخصصة مثل «صحح خبرك» وغيرها.
هذا التضليل الإعلامي صار راسخا وقاعدة عامة لا رقيب عليها ولا حسيب، والمشكلة أنه يؤثر فعلا على الرأي العام، ويصيب «مقتلا» في المتلقي إذا اكتملت ثقته في مصدر المعلومة، وهنا الكارثة الأكبر حين نعلم مثلا، كما قال علي جابر في محاضرته، أن الكثيرين يثقون في وسائل تواصل مثل مجموعات «الواتس آب»، فتصبح المعلومة الدوارة والتي تنتقل بشكل عنقودي واسع حقيقة بديهية يتداولها الجميع ويصدقها الجميع، إلا من رحمه ربي بالوعي والعقل والشك. وتكبر الكارثة حين تعتمد تلك المعلومة التي قد تكون كذبة كبيرة، تعتمدها فضائية ما تعيش وتسترزق على الدجل المعلوماتي، وما أكثرهم على قمر «عربسات».

المجرم الذي نسبوه للإسلام

عام 2012 مثلا، نشرت جريدة مصرية خبرا نقلا عن دكتور طبيب باسمه ووصفته أنه أستاذ التحاليل الطبية في المركز القومي واستشاري الطب التكميلي، مفاده حسب نص الجريدة واسعة الانتشار وعلى لسان أستاذ التحاليل المذكور: «إن العالم روبرت غيلهم، زعيم اليهود في معهد ألبرت أينشتاين، والمختص في علم الأجنة، أعلن إسلامه بمجرد معرفته للحقيقة العلمية ولإعجاز القرآن في سبب تحديد عدّة الطلاق للمرأة، بمدة 3 أشهر» وتخلص الصحيفة في خبرها إلى خلاصة «علمية» نصها: (وعلى إثر ذلك اقتنع أن الإسلام هو الدين الوحيد الذي يضمن حصانة المرأة وتماسك المجتمع، وأن المرأة المسلمة أنظف امرأة على وجه الأرض).
ذلك الصيف ذاته، انتشر الخبر بدون تحقيق في باقي الصحف العربية حتى أن صحفا معروفة بالرصانة لم يكلف محرروها أنفسهم عناء التفكر، وأخذتهم العاطفة الدينية بالأخذ بالخبر على علاته وأغلب الصحف اختارت عنوانا لافتا يتحدث عن عالم يهودي أسلم يؤكد أن المرأة المسلمة أنظف امرأة على وجه الأرض.
انتقل الخبر إلى الفضائيات لتنقله قناة «روسيا اليوم»، والتي ما زالت تحتفظ بالخبر على موقعها الرسمي، ومنذ عام 2012 والخبر متداول على صفحات الفيسبوك حينا، والمواقع حينا أخرى، إلى أن كنت أتبعثر بين قنوات الستلايت وقد قمت بتركيب جهاز استقبال جديد يستقبل آلاف المحطات مرة واحدة، لأجد الخبر مع صورة الدكتور اليهودي روبرت غيلهام، زعيم اليهود في معهد ألبرت اينشتاين، على شاشة قناة من تلك القنوات، التي لا تفهم وجودها، وتبث موسيقى وأغاني على خلفية سلايدات خبرية وإعلانات صامتة، والأدهى أن المحطة ارتأت إضافة مصداقية للخبر القديم فنوهت في آخره إلى أن مصدر الخبر «وكالات»!
مراجعة بسيطة ببحث على الانترنت، تكشف لك أنه لا يوجد معهد اسمه ألبرت أينشتاين، وأن الإسم المذكور ليس لعالم في الأجنة، بل لمجرم مدان بحرق معرض أثاث، والصورة التي تم قصها ونشرها هي للمجرم في المحكمة أثناء محاكمته، التي انتهت إلى أنه مختل عقلي خطير.
مئات الآلاف يتداولون الخبر ويصدقونه، تترسخ في منطقة اللا وعي لديهم حقيقة التفوق الواهمة، وهي بالضرورة تستدعي ثقافة الإقصاء للغير، وهكذا نبقى ندور في حلقتنا المفرغة، بعيدا عن عقلانية فطرية مشتركة في هذا العالم.

بين قناتي «رؤيا» و«الأردن اليوم»

في الأردن، هناك تلفزيون أردني… ولنحاول نسيانه الآن، وكل أوان إلى أن تحدث معجزة إحيائه من جديد. ومحطات فضائية كثيرة أغلبها من نوعية تلك التي لا تفهم سبب وجودها من أساسه، وهي تعيد تعريف «تفاهة العبث» من جديد وتجسده.
لكن، من بين المحطات الخاصة، برزت قناة «رؤيا» منذ سنوات، كمحطة مؤثرة ونسبة مشاهدتها عالية، وهذا يعود إلى أسباب عدة بلا شك أولها أن في المحطة محترفين في المهنة بالمعنى الحقيقي للمهنة.
لكن، القناة، ورغم الكثير الذي تقدمه، إلا أنها لا تزال غير قادرة على تقديم نفسها لغالبية الأردنيين، وهي غير قادرة كذلك على الخروج من قوقعة الخطاب النخبوي- البسكويتي في العديد من برامجها.
وإذا استثنينا برنامجا مثل «نبض البلد»، وهو الأكثر حرية ونوعية، نظرا لأن طاقم إعداده وتقديمه نخبة مؤهلة.. فإن باقي برامج «رؤيا» الصباحية والمسائية موجهة للنخب العمانية الثرية والموسرة، وهو ما يجعلنا ننتبه لحضور محطة أردنية ناشئة جديدة هي «الأردن اليوم» والتي أعادت التوازن للمشهد عبر خطابها، الذي لامس الأغلبية الأردنية المسحوقة، والتي عجزت «رؤيا» عن مخاطبتهم، ولم تستطع ببرنامج مثل «دنيا يا دنيا» مثلا أن تخاطبهم عبر فقرات عديدة، حتى في عيد العمال، اختارت فقرة فوقية نخبوية تتناسب وذائقة المخمليين في عمان، دون باقي الأردنيين، ولا أفهم كيف لا تستثمر قناة ذكية مثلها في إعداد فقرات تلامس الشارع الأردني، لا أصص الزهور على أباريز نوافذ الأحياء الراقية وحسب!
رؤيا في حاجة إلى أن تعيد النظر في خطابها المخملي، وتبحث عن تلك المنطقة المعتمة التي استطاعت قناة «الأردن اليوم» أن تنيرها عبر شاشتها، فكانت أقرب لقلوب الأغلبية الصامتة والمسحوقة والمقـهورة.

إعلامي أردني يقيم في بروكسل

جريمة فضائية إسمها التضليل… دجالون يتغلغلون في العقل العربي… وعن «الخطاب البسكويتي» في الأردن

مالك العثامنة

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية