الكويت ـ «القدس العربي»: في الجزيرة التي يحتضنها بحر الكويت من جهاتها الأربع ويعكس لونه الفيروزي عليها تتلألأ كجوهرة ثمينة على الصفحة الزرقاء، تحت أشعة الشمس التي ترمي خيوطها بخجل عليها تحت غلالة بيضاء من الرطوبة الساحلية التي تتمدد على المساحات الشاسعة من الهدوء والتأمل والراحة لا يعكر صفوه إلا أصوات النوارس التي تحلق في المكان وهدير الموج الذي يغازل السواحل الجافة ليسقيها بعد عطش. هنا جزيرة فيلكا أو كما يسميها أهلها «فيلجه» لا تمحو الخطوات الأولى في المكان القديم بصمات الآثار التاريخية حيث يطلق عليها تاريخيا (ايكاروس). تاريخ عريق موغل في القدم يعود لثلاثة آلاف عام قبل الميلاد حين كانت هذه الأرض ملجأ السفن الخشبية، تلاعب الماء وتداعب البحارة، فهي محطة أساسية للاسكندر الأكبر المقدوني والمحطة التجارية الأهم على الطريق البحري بين حضارات بلاد ما بين النهرين والحضارات المنتشرة على ساحل الخليج العربي. والواقع ان فيلكا مهملة من الحكومة الكويتية وقد رفضت الكثير من المناقصات التي تقدم بها تجار من داخل الكويت وخارجها لتحويلها إلى هونغ كونغ الخليج إلا أن رؤوس الأموال تلك عادت خائبة.
يعود بنا مراقب الآثار في المجلس الوطني للثقافة والفنون والآثار د.سلطان الدويش إلى أعمال المسح والتنقيب الأثرية في الجزيرة التي بدأت في العام 1958 بعناية واشراف البعثة الأثرية الدنماركية التي انطلقت من البحرين مرورا بقطر ثم الكويت واستمرت حتى العام 1963. وركزت البعثة في عمليات التنقيب والبحث في جنوب غرب الجزيرة تحديدا اعتمادا على الوثائق التاريخية التي بحوزتها.
وأضاف: ان عمل هذه البعثة في جزيرة فيلكا شمل اربعة مواقع أثرية، أولها (تل سعد) حيث تم اكتشاف مدينة دلمونية ترجع إلى الألف الثاني قبل الميلاد عبارة عن مجموعة مساكن متراصة كمدينة صغيرة يتوسطها معبد الإله (انزاك) إله دلمون.
وأوضح ان البعثة اكملت جولتها في مواقع أخرى من الجزيرة حيث اكتشفت في الموقع الثاني قلعة اغريقية تعود للقرن الثالث قبل الميلاد وعثر وسط القلعة على معبدين وقصر وورشة تابعة له، وأخيرا عثر على موقع دار الضيافة وهو منزل يتكون من 12 غرفة تتوسطه (باحة أرخ ) العائدة للقرن الثالث قبل الميلاد.
وذكر الدويش: توالت بعد ذلك بعثات التنقيب في الجزيرة، ففي العام 1973 بدأت البعثة الأمريكية في (جامعة جون هوبكنز)عملها، ثم البعثة الايطالية في (جامعة فينيسيا) العام 1976 ومن ثم تبعتها البعثة الفرنسية التي بدأت عملها عام 1983.
وبين ان آخر البعثات كانت السلوفاكية التي عملت في موقع الخضر شمال الجزيرة والتي كشفت عن مستوطن يرجع للألف الثاني قبل الميلاد.
وقال: ان أرض الكويت في الجغرافيا القديمة تقع ضمن مملكة دلمون القديمة التي كانت تشمل الساحل الشرقي للجزيرة العربية وجزيرتي البحرين وفيلكا وتتركز فيها المستوطنات الكبرى لحضارة دلمون.
وأوضح الدويش ان أهم البقايا المعمارية في هذه الجزيرة هي المدينة الدلمونية التي تحتوي على وحدات سكنية ومعابد وخصوصا معبد الإله أنزاك كبير آلهة دلمون والمعبد المربع والأفران الفخارية لشي الفخار وقصر الحاكم وميناء الخضر. ورأى انه يحتمل ان تكون فيلكا بالفعل جزيرة (سيدورى) وان كان الأمر هكذا فذلك يفسر وجود الحرم في الجزيرة وسمعتها كمكان مقدس للآلهة وهي السمعة التي تمتعت بها طويلا.
معبد للآلهة وثلاثة مذابح واختام
الباحثون الكويتيون يؤكدون من خلال كتبهم وأبحاثهم عن الجزيرة ان حضارة دلمون كانت تشمل فيلكا والبحرين وساحل شرق الجزيرة العربية. كما أشارت نتائج الكشف الأثري في فيلكا إلى وجود مستوطنة تعود لألفي عام قبل الميلاد تقريبا وتبين ان المنطقة السكنية في تل سعد كانت معاصرة للطبقات السكنية في جزيرة البحرين، حيث يوجد وسط تل سعد معبد الإله انزاك كبير آلهة دلمون وهو مربع مكشوف عثر فيه على ثلاثة مذابح وفي الوسط خمسة أعمدة مكعبة وفي المنطقة الجنوبية من تل سعد توجد البيوت السكنية المبنية بالحجارة التي توجد في ساحل الجزيرة وعثر فيها على قطع كثيرة من النحاس وجرار ومجموعة من الأختام المصنوعة من الحجر الهش على ظهرها المدبب ثلاثة خطوط متوازية.
وعن بقية المكتشفات في الجزيرة تبين انه عثر في الجزيرة على أكثر من 650 ختما أغلبها أختام دلمون، دائرية الشكل واستخدمت للتعرف على الممتلكات الشخصية وختم المقتنيات الثمينة لحفظها من السرقة وكذلك ختم العقود والبضائع التجارية.
وأضاف ان مواضيع الزخرفة التي حفرت على الأختام تتنوع ما بين الخطوط والأشكال الهندسية البسيطة والمشاهد الطبيعية ورسوم الأشخاص والحيوانات.
وأشار الدويش إلى أن مراكز الحضارة تركز في جزيرة فيلكا بالجزء الجنوبي الغربي وتعاقبت على الجزيرة فترات سكنية منذ الفي عام قبل الميلاد وحتى العام 1200 قبل الميلاد حيث يظهر موقع قصر الحاكم في الجزيرة. وتم العثور على فخاريات حمراء تعرف باسم فخاريات دلمون المبكرة أو فخاريات بربار تشابه تلك الموجودة في قلعة البحرين وعلى مبنى كبير يسمى باسم قصر الحاكم كانت مقدمته تحــتــوي على غرف تستخدم للاستقبال والإدارة. في الـخـلـف يوجد القسم السكني ويتكون من فناء تحيط به غــرف اســتــخدمت للســكن والتخزين حيث يوجد مستودع مليء بجرار تخزين متوسطة الحجم وصل عددها إلى 70 جرة. كـما وجدت قرب قصر الحاكم أحواض لصهر المعادن بينما يقع ميناء الخضر الأثري في الجهة الشمالية الغربية ويطل على ميناء طبيعي ويعتبر الميناء الرئيسي للجزيرة.
كما كشفت اعمال التنقيب الأثري عن جزء من مستوطنة بنيت أسسها من الحجارة أما جدرانها فيحتمل انها بنيت من الطين ويشكل تقاطع الجدران غرفا سكنية كشف داخلها عن مجموعة من جرار التخزين
وقرب جدرانها الخارجية عثر في الموقع على 52 ختما دائريا وعلى ختم اسطواني يؤرخ للفترة الآشورية إلى جانب مجموعة من الأدوات النحاسية. كما عثر شمالي الجزيرة على أوان فخارية كاملة وشقاقات كثيرة تعود لفترات زمنية متفاوتة ابتداء من مستهل الألف الثاني قبل الميلاد، والمكتشفات الأثرية التي تم العثور فيها على جرار للتخزين الفخاري كبيرة الحجم وأوان واختام من الحجر الصابوني ومخلفات معدن البرونز.
وحسب اشارات وردت في نصوص كتابية مبكرة من بلاد الرافدين كانت دلمون تتمتع بمركز هام ضمن شبكة من الأنشطة التجارية بين كل من دلمون وعمان (ماكان) ووادي السند (ملوخا) ووادي الرافدين وايران.
متاحف فيلكا تتنقل
انشئ أول متحف في فيلكا في منزل الشيخ أحمد الجابر الصباح الصيفي في الجزيرة من قبل طارق رجب في 1997 ثم نُقلت موجودات المتحف إلى متحف الكويت الوطني للمحافظة عليها بعد إصابتها بالدمار بسبب الغزو العراقي للكويت.
وقد افتتح في 6 حزيران/يونيو 2005 معرض لعرض آثار الجزيرة في مدينة ليون الفرنسية، والهدف من افتتاح المعرض هو إبراز أهمية الجزيرة وتسليط الضوء على التعاون بين الكويت وفرنسا في مجال الآثار الذي بدأ في العام 1983 .
الجزيرة في الغزو العراقي
في 2 اب/أغسطس1990 خلال الغزو العراقي للكويت هاجمت القوات العراقية الجزيرة. وطال الاحتلال العراقي للكويت الجزيرة وآثارها بالتدمير المتعمد. هجر السكان الجزيرة وقامت القوات العراقية بزراعة عدد كبير من الألغام فيها، وبدأ الجيش العراقي بوضع أسلاك شائكة على طول ساحل الجزيرة، وفي يوم 8 كانون الاول/ديسمبر 1990 تم إخلاء الجزيرة من سكانها ويرجع سبب طرد السكان إلى نية الجيش العراقي تحويلها إلى معسكر للقوات العراقية.
تم تحرير الجزيرة في بدايات شهر اذار/مارس عام 1990 وكان فيها 1،500 جندي عراقي وأصبحت الجزيرة منطقة عسكرية مغلقة بعد ذلك ولا يستطيع الناس دخولها إلا بترخيص.
الجغرافيا
تبلغ مساحة الجزيرة الكلية 43 كيلومترا، وطولها الأقصى 14 كيلومترا وأقصى عرض يصل إلى 6 كيلومترات، وأعلى ارتفاع للجزيرة هو 10 أمتار. وتمتلك شريطا ساحليا طوله 38 كيلومترا، وهي تتخذ شكل مثلث قاعدته في الغرب ورأسه في الجنوب الشرقي.
وتُعد أرض فيلكا من الأراضي الطينية الصالحة للزراعة، وكانت الجزيرة وحتى منتصف القرن العشرين معروفة بزراعة القمح والذرة والبرسيم ومختلف الخضار الورقية والبطيخ الشمام بكميات كبيرة. وهنالك أجزاء في الجزيرة تغلب عليها الرواسب البحرية، وعلى الساحل الغربي وحتى وسطها تتشكل التربة من المواد المالحة، وفي المنطقة الشمالية الغربية القريبة من الشاطئ يمكن العثور على تربة رملية قليلة الملوحة. وهناك أرض سبخة في وسط الجزيرة، أما بالنسبة لشواطئها الشرقية والجنوبية والجنوبية الشرقية والشمالية فتتكون من صخور بحرية والتربة فيها رملية خشنة. ونظرا لأن الجزيرة صالحة للزراعة، فقد كانت تسد حاجات سكانها الغذائية بنفسها، وكانت 70٪ من أراضيها صالحة للزراعة، التي كانت من المهن الرئيسية لأهاليها في بداية القرن العشرين .
توجد عدة تلال في مختلف أنحاء الجزيرة، متفاوتة من حيث ارتفاعها، إلا أنها لا تتجاوز عدة أقدام، وبعض تلك التلال دلّت على مكتشفات أثرية، إذ تم اكتشاف دور سكنية تحتها أو معابد مثل تل سعد وسعيد وقلة القصور وقلة العلم، وتعني كلمة «قلة» اسم التل في لهجة السكان المحلية.
قرى الجزيرة
تواجدت في الجزيرة عدّة قرى مأهولة على طول سواحلها من شمالها إلى جنوبها استوطنت في فترات زمنية متباعدة. يرجع تاريخ استيطان بعضها إلى فترات ما قبل الميلاد والبعض الآخر في العصور الإسلامية. بقيت الجزيرة آهلة بالسكان حتى منتصف القرن التاسع عشر ومن تلك القرى .
1 ـ قرية سعيدة: تقع في الشمال الغربي للجزيرة، وتمتاز بساحلها الكبير وكانت أحد أهم الموانئ، وكانت تتواصل مع جيرانها في العراق وايران على الدوام.
وقد عُثر فيها على أساسات مسجد، ويقع بالقرب من القرية مقام الخضر الذي كان يزوره الكثيرون، وهو تل حجري كانت له مكانة عند أهل القرية، وقد أزيل في منتصف السبعينيات من القرن العشرين .
2 ـ قرية الدشت: تقع في الشمال الشرقي من قرية سعيدة، كان يوجد بها جامع كبير. وكان الشيخ عثمان بن سند يؤم المصلين فيه عندما كان يتواجد في الجزيرة.
3 ـ قرية القرينية: تقع على مرتفع يطل على البحر، وهي تُشرف على سهل واسع، وكانت سفن الغوص بحثا عن اللؤلؤ وسفن صيد السمك وبعض السفن التجارية ترسو فيها.
4 ـ قرية الصباحية: اشتهرت في السابق بكثرة آبار مياهها العذبة، وكانت تكثر فيها أشجار النخيل، حيث كانت السفن تستدل على الجزيرة من تلك الأشجار.
5 ـ منطقة القصور: تقع في وسط الجزيرة وهي عبارة عن عدة أماكن أثرية بلغ عددها 12 مكانا، وقد وُجد فيها كنيسة تعود إلى فترة ما قبل البعثة النبوية بمئة عام، وكانت تُستعمل حتى العهد العباسي، ولكنها هُجرت بعد ذلك.
6 ـ قرية الزور: كانت القرية مكان تواجد السكان قبل أن يتم هجر الجزيرة في أعقاب حرب الخليج الثانية، وقد انتقل السكان إلى هذا المكان في منتصف القرن الثامن عشر بعد انتشار الطاعون في جميع أنحاء الجزيرة في سنة 1773. ومن الأسباب التي جعلت أهل الجزيرة يفضلون هذا المكان، موقعه المميز وساحله الرملي الخالي من الصخور البحرية، ومياهه الصالحة لصيد السمك. وبالإضافة إلى كونه مرسى طبيعيا محميا من الرياح والأمواج، ومواجهة هذا المكان لمدينة الكويت الناشئة، ووجد عدد من آبار المياه العذبة ذات العمق القليل.
من هم سكان الجزيرة
سكان جزيرة فيلكا القدماء كانوا خليطا من العرب وقد ظلت الجزيرة تستقبل الهجرات حتى مطلع الخمسينيات من القرن العشرين وكانت الهجرات تأتي من بر فارس ونجد وسواحل الإمارات العربية المتحدة والبحرين وعُمان والعراق.
كان أول تعداد رسمي لسكان الجزيرة عام 1957 ولم يزد عدد السكان كثيرا حتى اخلائهم منها في 1990 وكان سبب ذلك رغبتهم في العمل في مدينة الكويت، ومن الأسباب الأخرى شراء الحكومة لبيوت بعضهم بين عامي 1957 و 1967.
بلغ عدد سكان الجزيرة عام 1957 حوالي 2442 شخصاً، وكان آخر تعداد رسمي للسكان جرى عام 1985 وبلغ عددهم آنذاك 5832 شخصا، وقد هُجّر السكان في 1990 أثناء الغزو العراقي للكويت.
وجهة سياحية
تعتبر فيلكا وجهة سياحية لأهل الكويت وضيوفها من العرب والأجانب الذين يأتون إليها بواسطة عبارات تقلهم من ميناء الشويخ، ويوجد فيها حاليا منتجع بحري تراثي مبني على الطراز الكويتي القديم ويحتوي على فلل منفصلة بنظام البيوت العربية وفندق إيكاروس المطل على البحر وموتيل مطل على بحيرة صناعية ومتحف للشيخ عبد الله السالم يعتني بالتراث الكويتي. هناك عدة مقاه تراثية وأخرى حديثة، ومصنع لصناعة الحلوى الكويتية ومصنع للمخللات الكويتية وإسطبل لتأجير الخيول وخدمة السيارات والدراجات النارية. فالآثار التي تحتضنها جزيرة فيلكا، منحت أهمية حيوية لهذا الموقع الذي كان له دور بارز في توثيق وكتابة مسيرة الإنسان في إقليم الخليج العربي، وجذورها ضاربة في عمق التاريخ منذ الألف الثاني قبل الميلاد وحتى الفترات الإسلامية المختلفة.
إن أرض فيلكا تتلون بتاريخ عريق وعبق الحضارات حولها من دلمون حتى بابل والتراث الإنساني الذي يمتد على ثراها وحبات رمالها تشكل ثروة قومية وتاريخية للكويت التي تنظر للرئة التي تتنفس فيها بكثير من الفخر والاعتزاز.
هنا فيلكا لا تعني هنا الأصداف والبحر ورحلات الحداق «الصيد» وحمامات الشمس والاجساد البرونزية التي تستلقي على شواطئها، ولا لعب وعبث الأطفال في طينها ولا انبهار الاوروبي بطقسها الصيفي المذهل، انها متحف يروي سيرة حضارات استرخت فيها وآلهة عشقتها فسكنت فيها وتركت بصماتها وآثارها شاهدا عليها عبر التاريخ.
قصة مقام الخضر
مما يدور من أحاديث ومزاعم في فيلكا لم يثبت صحتها أحد، انه كان للخضر عليه السلام مقام فيها. واختلف المؤرخون المسلمون في كونه نبيا أم عبدا صالحا والأشهر انه عبد صالح أُعطي الحكمة كما جاء في سورة «الكهف» في القرآن الكريم.
وشارك ذو القرنين الحروب واستطاع ان يشرب ذاك الماء الذي كان يبحث عنه ذو القرنين الذي من شربه يعيش حتى يوم القيامة.
ويتردد عند أهل فيلكا أنه لا يزال حياً ولكن يجهله الناس، وقيل سمي بالخضر لانه يترك المكان اخضر بعد مروره عليه.
ومقام الخضر عليه السلام مرت عليه عشرات السنين وأخذ شهرة واسعة عند الشيعة وصار الكل يذهب ويصلي هناك طلبا للبركة وتفريج الكربات وبذل المال والنذور ولم يعد مزارا سياحيا وخشيت الحكومة الكويتية تحويله إلى مزار ديني فقامت بإزالته تحت ضغط التيار السلفي في الكويت.
منى الشمري