جعفر حسن حول فرقة القرائين اليهود: الحلقة المفقودة بين الإسلام واليهودية

حجم الخط
0

تعتبر فرقة القرائين اليهودية من الفرق التي نشأت في ظل الحضارة الإسلامية وتمثل تيارا مختلفا في اليهودية من ناحية نزعاتها الفكرية وتأثرتها بالمحيط الإسلامي الذي ولدت فيه. وتمثل في هذا الطريقة التي صهرت فيها الديانة اليهودية عناصر من الثقافة العربية- الإسلامية إن في الطريقة التي يتعامل فيها الفقيه/ الكاهن/ الحاخام مع النص اليهودي أم في النظر للتراتيبة والشعائر اليهودية. فقد نشأت فرقة القرائين في القرن الثامن الهجري بالعراق على يد عنان بن داوود. ولهذا أشارت بعض المصادر العربية للفرقة التي أنشأها داوود بالعنانية، ولم ينتشر مصطلح القرائين الذي يقابله باللغة العبرية «قرائيم» أو «بني مقرا» «يعلي هامقرا» إلا في القرن التاسع. وجاء ظهور فرقة القرائين لعدد من الأسباب فرضها ظهور الإسلام وانتشار «مملكة إسماعيل» كما يشير إليها كتاب المصادر عن هذه الفرقة. فقد طرح الإسلام مفاهيم فكرية وأطرا عن فهم العالم والوجود تحدت المفاهيم القديمة المتوفرة عند بقية الأمم من أهل الكتاب والأمم الوثنية. وأدى الإسلام لتثوير النزعات الرافضة للفكر التقليدي في الدين اليهودي خاصة الحلولية التي طغت على الفكر اليهودي طوال القرون. ولهذا فحركة القرائين كانت في بعد منها تمثل استمرارا للثورة على اليهودية الحاخامية/ التلمودية التي طغت على الدين ومنذ خراب الهيكل عام 70 قبل الميلاد. ومن هنا ربط الذين انتقدوا أفكار داوود بن عنان بينه وبين الفكر الثوري القديم. ويشير الدكتور عبدالوهاب المسيري إلى نظرية قدمها البعض وهي أن يهود الجزيرة العربية الذين أمرهم عمر بن الخطاب بالخروج منها واستوطنوا لاحقا في البصرة جنوب العراق لم يكونوا على علم بالتلمود الذي يمثل شروحات التوراة وهو ما ساعد على ولادة الحركة.

أسلمة اليهودية

ويرى المسيري أن القرائين تمثل مرحلة «أسلمة» لليهودية نظرا لتأثر أتباعها بالفكر الإسلامي، علم الكلام بخاصة، والفكر الأصولي نظرا لاهتمام الحركة بتحدي المنظومة الحاخامية ورفضها للتراث الشفوي المتمثل بشروح التوراة ودعوتها للعودة إلى النص باعتباره المحكم في الشؤون الحياتية الدينية والشعائرية من تحديد موعد الشهر الأول، وطقوس الصلاة وعلاقات الزواج والطلاق وما إلى ذلك. فقد طلب عنان ومن جاء بعده من رموز الحركة العودة للتوراة باعتبارها النص الحقيقي الممثل لليهودية واستخدموا في فهمه الأساليب التي استخدمها الفقهاء المسلمون في استنباط الأحكام، والتي قامت على «القرآن الكريم والحديث الصحيح، القياس والإجماع» وهذا واضح في طريقة نظر الفقيه اليهودي القرائي حيث استخدم المفهوم نفسه الاصولي، بل واتكأ على علم الجرح والتعديل الذي أنشأه العلماء المسلمون لدراسة رجال الحديث. وما يحدد طريقة الاستنباط عند القرائين مقولة عنان بن داوود «إبحث في الكتاب المقدس بعناية تامة ولا تعتمد على رأيي».
ويعد بنيامين النهاوندي أول من استخدم «القرائي» وتبعه بعد ذلك مفكرون آخرون منهم أبو يوسق يعقوب القرقساني الذي عاش في القرن العاشر ومؤلف «الأنوار والمراقب». ونظرا لتأثر الفرقة بعلم الكلام فإنها سعت لتنزيه الله وتطهيره تماما من أية بقايا وثنية أو طبائع بشرية فهو الواحد الذي لم يخلقه أحد ولا شكل ولا مثيل له إله واحد أرسل نبيه موسى وأوحى إليه التوراة التي تنقل الحق الكامل الذي لا يمكن تغييره أو تعديله. وعلى المؤمن أن يعرف المعنى الحقيقي للتوراة. والقارئ لكتب العقيدة «التوحيد» عند القرائين يلحظ كثافة التأثير الكلامي الإسلامي على القرائين واستعارتهم المضامين بل إن قراءة كتاب من كتبهم تعطي صورة وكأن القارئ يقرأ كتابا من كتب المعتزلة (حركة العدل والتوحيد). لكل هذا تعتبر حركة القرائين من أكبر الثورات الاحتجاجية في داخل الدين اليهودي حتى العصر الحديث حيث تعاني اليوم التمييز من المؤسسة الأرثوذكسية الإسرائيلية. وهناك من يرى أن القرائين هم «بروتستانت اليهودية». ولعل التأثيرات والمؤثرات الإسلامية على فكرة القرائين تعبر عن الطريقة التي استقى منها بن داوود وأتباعه من الثقافة العربية، ونظرا لتقارب كل من اللغة العبرية والعربية فهناك الاستعارة، بل ولم يتحرج الكتاب خاصة من ألفوا باللغة العربية عن الإشارة لإله اليهود «يهوه» بالله، واستخدام الأسماء والصفات «رب العالمين» والبدء بالبسملة وما إلى ذلك من الشعارات الإسلامية. والقراؤون ليسوا وحدهم في هذا المنهج فهناك طوائف يهودية استخدمت رموزا إسلامية في كتاباتها مثل السامريون وهم أقدم طائفة يهودية.

متشدد

وعلى العموم فرغم تأكيد بن داوود على النص كمعيار لترتيب الشعائر والحياة الدينية إلا أن تعاليمه الفقهية اتسمت بالتشدد، للتأكيد على روح النص اليهودي مع أنه أشار لأتباعه بأهمية الاجتهاد وشعاره كان «فلتبحث بعناية فائقة عن النص ولا تعتمد على رأيي». كان ظهور حركة مثل هذه مدعاة لقلق المؤسسة التقليدية التي طاردت أتباعه. ولعل تاريخ الحركة وانتشارها جاء بسبب ملاحقة المؤسسة التلمودية لهم. وبسبب التسامح الإسلامي أقام القراؤون مدارس لهم في القدس والرملة، وكان أكبر حضور لهم في فلسطين والعراق موطن نشأتهم ومصر، وسجلت المصادر حضورا قليلا لهم في شمال أفريقيا. وعثر الباحث العراقي الدكتور جعفر هادي حسن، المتخصص في الأبحاث والدراسات اليهودية والسامية ومؤلف عدد من الكتب عن اليهود واليهودية على نص في كتاب «وصف أفريقيا» لمحمد بن الحسن الوزان المعروف بليون الأفريقي وأشار فيه باختصار لجماعة من الفرسان اليهود «كرائيم» كانوا يعيشون في الجبال. ويعتبر هادي حسن أول من خصص دراسة مستقلة للقرائين حيث أصدر في نهاية الثمانينيات من القرن الماضي كتابا عن الفرقة وتتبع تطورها وتأثرها بالفكر العربي – الإسلامي وأماكن سكن أتباعها، والمعركة المستمرة مع المؤسسة التلمودية. واعتمد حسن على المصادر الأساسية المتوفرة عن الفرقة بالعربية والعبرية والإنكليزية. ونظرا لعدم توفر كتاب في المكتبة العربية أعاد هادي حسن طباعة الكتاب في طبعة موسعة هذا العام. وقدم فيها تحليلا للعلاقة بين بن داوود والمؤسسة التلمودية وثورته عليها، كما وتتبع الكتب والردود التي كتبها التيار الرسمي في اليهودية خاصة ما كتبه العالم اليهودي المعروف سعدايا الفيومي، وما ورد من تعليقات عن موسى بن ميمون وابنه إزاء هذه الحركة.

معركة الحجج

وقدم الكاتب تحليلا لتفاسير الحركة للتوراة وعلمائها ومنازلهم التي اختاروها وحجاجهم مع التلموديين، وقدم صورة عن الخلافات الدينية العقدية والفقهية بين الفريقين. وحلل جهودهم اللغوية وتأثرها بالثورة اللغوية وأساليب النحاة في العراق نظرا لنشأة الحركة هناك. وترسم دراسة هادي حسن مدى الكراهية التي كان يحملها التلموديون على القرائين. فقد كان هؤلاء مكروهين من قبل التلموديين أكثر من أية جماعة آخرى. كما علق زائر لفلسطين في القرن التاسع عشر، وقال حتى لو أراد أحدهم ان يتحول إلى اليهودية التلمودية فلن يقبل منه بل إن التلموديين مستعدون لقتل القرائين. وهو مثال بسيط عن العداء المستحكم بين الطرفين حيث استخدم فيه الثيولوجيون التلموديون كل ما لديهم من ذخيرة للهجوم على القرائين واتهامهم بالخروج عن الدين واعتناق الإسلام، نظرا للمحمول الثقافي في تراثهم. ويشير هادي حسن هنا للأثر الصوفي في كتاباتهم حيث استفادوا من مؤلفات رموز التصوف مثل الجيلي وأبو القاسم القشيري وابن عربي، ووجدت آثار هؤلاء الكتاب لدى علماء القرائين الذين استفادوا منها. ويشير الكاتب هنا إلى أن ردود سعديا الفيومي على القرائين أثرت على توسع الحركة ومنعت من اعتناق اليهود لها. ولكنها أدت في إطار آخر لتقليص الخلافات بين القرائين أنفسهم ودفعتهم للإهتمام بالفلسفة والتعمق به، ومن خلالها تمكنوا من دحض التلموديين ونقدهم. وفي اتجاه آخر أثرت هجمات الفيومي وغيره على التشدد الذي طبع فكر الحركة منذ بدايتها وقاد مفكريها للتخفيف في المواقف، فمثلا قصروا تحريم أكل اللحوم في الشتات على مدينة القدس وحدها بعدما كان عاما. ومهما يكن فالعداء للحركة قادها للتوطن في أماكن بعيدة في القرم وروسيا وليتوانيا حيث عاش اليهود القرائين بين التتار، ولكن تجمعاتهم في فلسطين ومصر ظلت مهمة. ورغم اعتراف الدولة القيصرية بوضعية القرائين كجماعة مستقلة عن التلموديين إلا أن الحرب ظلت متواصلة.

علاقات مع الخديوي

وفي مرحلة ما بمصر اعترفت الخديوية باليهود القرائين كطائفة مستقلة، خاصة ان اتباعها تمصروا وكانوا يتحدثون بعربية المصريين ولبسوا لباسهم. وكان لنسائهم بعض عادات النساء المصريات مثل لبس الأحراز والتمائم. واعتبر المصريون القرائين مواطنين مثلهم، وكان حاخامهم الأكبر شباتاي إلياهو منغوبي (توفي 1906) على علاقة طيبة مع الخديوي توفيق والخديوي عباس حلمي. وأسس القراؤون في مصر مجلسا مليا خاصا بهم ومدارس وجمعيات وأصدروا عددا من الصحف والمجلات مثل «الإرشاد» و «الكليم». وبرز منهم كتاب وفنانون ومغنون كبار مثل داود حسني ومراد فرج. وظل القراؤون يعيشون في مصر بأمن وسلام حتى عام 1948 أي قيام دولة إسرائيل وعندها بدأت سلسلة من الأحداث والتفجيرات في حارتهم وهو ما أثار خوفهم، لكن الحاخام الأكبر طوبيا ليفي يابوفيتش لم يشجعهم على الهجرة إلى إسرائيل، وكان يقول لهم إن الأمور ستتحسن، ولكن عددهم بدأ يتناقص من خمسة آلاف ولم يبق منهم إلا عشرات وتوفي رئيسهم في القاهرة عام 2013 حيث لم يبق منهم سوى 24 شخصا.

عنصرية «أرض الميعاد»

لكن الأرض الموعودة لم تعطهم المكانة التي يريدونها. واليوم لا يزيد عدد اليهود القرائين عن خمسة وعشرين ألفا أو ثلاثين ألفا وعانوا من التمييز. وفي البداية حيث خصصت الدولة لمن عاد طبقا لقانون العودة مساعدات من قسم الشؤون الإسلامية وهو ما أثار حفيظتهم واعترضوا عليه واعتبروه تشكيكا في يهوديتهم واشتكوا إلى رئيس الدولة إسحق بن زفي، وبعد مماحكات تم إنشاء صندوق خاص بالقرائين والسامريين. ولم يكن تعامل المؤسسة الدينية معهم أحسن، فقد أصدر الحاخامات خلال تاريخ النزاع معهم فتاوى حرمت التزاوج بين الطائفتين. ويقدم هادي حسن عددا من الآراء التي تمتد من موسى بن ميمون حتى العصر الحالي وكلها أجمعت على تحريم الزواج من القرائين، بل واشترط بعض الحاخامات تحول القرائي للمسيحية قبل قبوله يهوديا حسب الشريعة التلمودية. تمثل فرقة القرائين الحلقة المفقودة اليوم بين الثقافة الإسلامية واليهودية. ورؤيتهم مهمة في ظل الوضع الذي تسير فيه إسرائيل نحو اليمين والعنصرية وبناء الجدران. واليهود القراؤون في إسرائيل ليسوا بأحسن حالا من الأقليات الأخرى. كتاب مهم ويقدم رؤية عن تاريخ ثقافي وفكري ماض.
جعفر هادي حسن:
«تاريخ اليهود القرائين منذ ظهورهم حتى العصر الحاضر»
العارف للمطبوعات- بيروت 2014
431 صفحة

إبراهيم درويش

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية