جغرافيا الوهم وتجلّيات الغياب في رواية «الوصفة رقم 7»

حجم الخط
0

يمهد الروائي المصري أحمد مجدي همام في روايته الجديدة «الوصفة رقم 7» الصادرة عن الدار المصرية اللبنانية، بما حدث في بلاد بعيدة، شبهها بالفلبين، عندما قام رودريغو دوتيرتي (وهو الرئيس الحالي للفلبين) بقتل ثلاثة آلاف من تجار المخدرات، فترك سكان أكثر من سبعة آلاف جزيرة «غارقين في الواقع الكئيب، بلا حقنة واحدة، بلا سيجارة حشيش واحدة، بلا سطر هروين واحد.. بلا أي شيء».
أما ما حدث في المدينة التي يعيش فيها مليجي، في بلاده المجهّلة، أنه وبعد أن كان مروجو المخدرات يقفون بحرية على نواصي الشوارع، والصيادلة يعطون المدمنين ما يريدونه بدون شروط، والحانات تغلق أبوابها في السابعة صباحاً، وكان الجميع ينامون مساطيل وسكارى ومبسوطين. لكن سرعان ما تغيرت الحال، مات الأب المؤسس للدولة، وتولى الحكم رجل صارم متجهم، قرر منع كل المخدرات والمسكرات، فانهار المجتمع الذي كان يستمد قوته الدافعة من وجود هذه المكيفات – صحيح أنه مجتمع منحدر اقتصادياً لكن وضعه المزاجي مزدهر، كما قال السارد الرئيسي للرواية.
حدثت أعراض انسحاب فردية وجماعية، تمثلت في إفلاس المروجين وانتحار المدمنين، وفقد الصناع المهرة براعتهم، كما فضل ممثلو المسرح الانزواء. وبات المزارعون «لا يجدون في أنفسهم رغبة لينشدوا أهازيجهم في نهارات عملهم في الحقول، فبارت الأراضي وانتشر التصحر والآفات الزراعية». كذلك انتشرت حالات الطلاق والجرائم بأنواعها وانخفض معدل المواليد، واستمر الوضع هكذا فتغيرت الأمزجة وكلحت الوجوه.. واحد فقط من الناس لم يتأثر بذلك الخراب والاقتصادي والاكتئاب الجماعي، وهو «مليجي الصغير».
لم يكن مليجي خريج إحدى كليات العلوم التي أراد دخولها في البداية، إلا أن والده تاجر الأنتيكات ضغط عليه فالتحق بكلية الفنون الجميلة، لكنه كان يواصل القراءة في المجلات العلمية. بعد تخرجه وجد نفسه معلقاً بين عالمين، فلا هو بالعالم المتخصص ولا هو بالفنان المبدع.
جهز مليجي معملا صغيرا في إحدى غرف بيته، وقام بتجارب كثيرة على الفئران والصراصير والعصافير، وكان هدفه تخليق مخدر بديل، كي يواجه ما أسماه «شبح خواء الدماغ»، وكذلك «مجاعته المزاجية»، فواصل تجاربه حتى توصل إلى ما أطلق عليه «الوصفة رقم 7». وكان صديقه «علي علي» قد أحضر له بذرة نبات (البانجو) المخدر، فحقن مليجي بذرة البانجو بدقة بالوصفة رقم 7، وزرعها.
تنمو البذرة المنقوعة في التركيبة فتشكل شجرة غريبة، أوراقها خضراء تأخذ لوناً بنفسجياً عند المنتصف، سبع وردات في كل وردة سبع وريقات. استخلص مليجي وردة من هذه الوردات ولفها في سيجارة ودخنها. وتدريجياً شعر بالخدر والتنميل وضربته الزلازل. غاب مليجي عن الوجود ودخل في عالم الخيال والأحلام، عبر أراضي شاسعة وجبالا وأنهارا وقفارا وغابات، وكانت بداية رحلته عندما وصل إلى بلاد الحراصيد.

الرحلة وجغرافيا الوهم

«الوصفة رقم 7» لا تقف عند مجرد الحكي والدراسة والوصف للحالات الجسدية والنفسية للمتعاطي، من تغير الإدراك واختلال التوازن، وتشوش الوعي وتحريفه وتحول البشر إلى أشباح وظلال، مع فقدان للشعور بالآن والواقع، بل تمتد بعوالمها إلى ما يسمى بفضاء جغرافيا الوهم، الذي تلعب فيه الرحلات المتخيلة عبر أماكن متوهمة (أو حقيقية) دوراً كبيراً. فتجسد الرحلة في الأعمال الإبداعية، إجبارية كانت أم اختيارية، علاقة ما للذات مع المكان، وقد تكون العملية التي يكتمل من خلالها تحول الذات أو اكتشافها.
هذه الرواية قريبة بدرجة كبيرة من ذلك الصنف الأدبي الذي أطلق عليه حسني زينة اسم «جغرافيا الوهم». وصحيح أن ثمة قرابة روحية بين ما كتبه القزويني في رحلاته الخيالية العجيبة «آثار البلاد وأخبار العباد»، وكذلك «عجائب المخلوقات وغرائب الموجودات»، وأيضاً كتاب «مقامات الوهراني» و «ألف ليلة وليلة»، و«نزهة المشتاق في اختراق الآفاق» للإدريسي، وبين ما أشار إليه حسني زينة وأعمال إبداعية استلهمت تلك الروح، ومنها تمثيلاً لا حصراً «هاتف المغيب» لجمال الغيطاني، وما كتبه أحمد مجدي همام في روايته «الوصفة رقم 7» من ناحية أخرى، إلا أنه تقارب يقف عند حدود الشكل الخارجي، فتاريخ جغرافيا الوهم في النصوص التراثية القديمة، غالباً ما يكون تاريخاً محدداً مرتبطاً بالماضي، أما تاريخ جغرافيا الوهم في هذه الرواية فهو تاريخ كلي يجمع بين الماضي والحاضر والمستقبل. كما تكون نظرة الكاتب إلى ما هو داخل الإنسان من مشاعر وصراعات وأحلام وإحباطات أقوى غالباً من نظرته للخارج، حيث تكون جغرافيا الوهم التراثية متعلقة أكثر بما يحدث خارج الإنسان من ظواهر عجيبة غريبة أكثر من اهتمامها بما يعتمل داخله من صراعات ورغبات.
وهكذا اشتملت «الوصفة رقم 7» على رحلة لأماكن متوهمة، امتزجت بالخيال وعوالم الحلم والكابوس. رحلة استغرقت فترة الليل كله أو النوم، عبر ليلة كاملة قضاها المروي عنه «مليجي الصغير» الذي انتقل إلى بلاد وأقاليم عدّة، وقابل خلال تلك الرحلة كائنات مهجنة وناقصة وعجيبة ومتنوعة ومنها: «بلاد الحراصيد»، وفيها التقى أقزاما لهم أنوف معقوفة تشبه خطم الحيوان. ثم «صحراء القفر» التي تفصل بين بلاد الحراصيد و «أباشيريا»، فالتقى فيها كائنات غريبة، أشباه بشر ومسوخا غير مكتملة يتكون الكائن منهم من «نصف إنسان، بعين واحدة، وخد واحد، وذراع واحدة وساق واحدة»، وقد سميت تلك الكائنات بسلالة «الشق المتشيطنة». ثم في «جبل التخوم» يقابل رجالاً من صخور وأحجار تنبت في وجوههم الألثمة، يعيشون بين رمال وأتربة وحصا وجلاميد ويقتاتون على مشتقات منها. وفي سلطنة أباشيريا يرى كائنات مهجنة من تزاوج الحيوانات بالبشر، أهلها ذوو أنياب طويلة ومخالب وذيول، لكنهم يعيشون حياة أقرب لحياة الناس الذين نجدهم في أفلام الغرب الأمريكي (الويسترن)، وهناك يحب مليجي ويتزوج من «سنورية» أجمل فتيات تلك البلاد، التي سعى أحد أمراء تلك البلاد من أجل أن يتزوجها، بدون جدوى، فيهرب مليجي وهي معه ومعهما أخوها «نمير»، وخلال تلك المطاردة تتجلى روح الحيوان الموجودة في الإنسان وروح الإنسان الموجودة في الحيوان أثناء الحب والخوف والهلع.
بعد ذلك يصل أرض الدلهاب. ومن ساحل الدلهاب إلى جزائر اليوم التي تعيش فيها الجسّاسة وهي دابة مخيفة عملاقة يكسو جسدها الشعر. ومن هناك انطلق مليجي وسنورية إلى بلاد العماليق «عماليقسان»، حيث كان أول من قابلهما طفل يوازي طوله طول ثلاثة رجال. تستمر الرحلة عبر الرواية ما بين أقزام وعمالقة، وتلعب السمات الخاصة بالتفاوت الكبير في الحجم وكذلك الاختلافات في الزمان والمواقيت المحلية لتلك البلدان، دورها في تأكيد الغرائبية المحيرة الخاصة بهذا النص العجيب.
بعدها يظهر نهر «البكيفو»، وقد سمي بهذا الاسم لأنه «يتصرف تصرفات هوجاء وعلى كيفه»، وهو نهر يقرأ الأفكار ويتلون غضباً، أحياناً يكون طيباً وأحياناً يكون عنيفاً وأحياناً يلعب بمرح. وهناك أيضاً ضفدع أخضر يتكلم ويعتذر ويخادع ويضلل.
ثم يصل إلى الكرنتينا، وهي دولة حجر صحي للمرضى والمجذومين والعميان، وتضم سبعة أنواع منها، المجانين والأقزام والممسوسين والعميان وهم الحكام. وفي الكرنتينا ماتت سنورية، على الرغم من محاولات الحكيمة محروقة الوجه لعلاجها، فقد رجمها العميان بالحجارة، وكانت حجارتهم سامة ومسحورة. والمحطة قبل الأخيرة في رحلة مليجي، التي زارها على ظهر براق يطير قاصداً بلاد يأجوج ومأجوج، وصحبه في الرحلة حيوان سمندر صغير ساعده في استطلاع الطرق والأسوار والأنفاق. في تلك البلاد يهرب مليجي بالحيلة من السجن، ويمتطي براقاً ويطارده ضابط يأجوجي ومأجوجي فيسقط في المياه المقابلة للسواحل الكابورية، (الجزيرة التي يسعى من البداية إلى أن يصل لها)، وهناك يلتقي بالفنان أحمد زكي ويدور بينهما حوار عن تلك الرحلة وحول دلالة الأرقام والموت والحياة والوجود، ويغنيان معاً أغنية «كابوريا» المعروفة، وهكذا يغيب مليجي ثم يستيقظ ويجد أن الرحلة لم تكن إلا ما انقضى خلال ساعات نومه، وأن ما رآه كان حلماً وأن حياته بعد تلك الرحلة لن تكون كحياته قبلها، وهكذا أمسك القلم وجلس يكتب ما رآه.

الغياب

الغياب في «الوصفة رقم 7» ليس من خلال الأحلام أو المخدرات أو النوم أو غير ذلك من الحالات، بل أيضاً في ذلك الحضور الكثيف للكائنات المهجنة التي غابت هويتها المحددة، فصارت موجودة في مرحلة بينية تنتمي إلى نوع ثالث مزيج أو خليط، وكذلك في غياب الإبصار عند العميان، وغياب الأفواه والحواس الأخرى في حالة المحروقين، وغياب نصف كامل من الجسد بالنسبة لكائنات الشق ودلالة هذا الغياب/التهجين المباشرة لا بد أن تشير إلى غياب الهوية. كما يوجد غيابٌ أيضاً بالموت، كما تجلى ذلك في موت شخصيات مهمة في الرواية مثل نمير وسنورية وغندور وغيرهم.. وهكذا كان الغياب عن الواقع والوعي والإدراك وسيلة للحضور والفهم والاكتشاف، من خلال هذه الرحلة المتوهمة عبر جغرافيا الوهم وتاريخ الذات، فوصل مليجي إلى ما سعى وراءه وهو أن يجد ذاته وأن يكتب رحلة غيابه ويكتب عن الفقدان الذي شعر به والفقد الذي عانى منه وعن حياته التي اضطربت وقلبه الذي انكسر.
يستخدم أحمد مجدي همام، الثيمة الخاصة بالرحلة، ويستلهم روح جغرافيا الوهم التراثية التي تبدو أحياناً أشبه بألعاب أو رحلات الفيديو جيم الافتراضية، ويستلهم كذلك أعمالا حداثية لبورخيس وإيتالو كالفينو وغيرهما، ثم إنه يمزج ذلك كله بروحه، بحس ساخر ينزع إلى المحاكاة والتهكم من بعض الأفكار التراثية الخاصة بالفخر تحديداً، والقوالب الشعرية، والحِكَم والأفكار النمطية، وهو يجعل ذلك كله يحدث على ألسنة كائنات مهجــــنة وناقصة ما يعكس أزمة جيل صار هجيناً لا يدري إلى أين يذهب أو إلى من ينتمي؟ إلى المستقبل بتقنياته وحياته؟ أم إلى الحاضر وهيمنة الماضي والتخلف والاستبداد والفساد والظلم، فتحول الناس فيه هائمين باحثين عن فرصة عمل، أما العاطلون فيبحثون عن مخدر، حيث لا يتصورون وجوداً لحياتهم بدونه، إذ صار الغياب بالنسبة لهم أكثر يقيناً من الحضور.

٭ ناقد وأكاديمي
وزير الثقافة المصري الأسبق

جغرافيا الوهم وتجلّيات الغياب في رواية «الوصفة رقم 7»

شاكر عبد الحميد

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية