في منتصف آذار/مارس 2003 وصلت إلى لندن والتوقيت كان دراماتيكيا: حكومة بريطانيا قررت الانضمام إلى الاجتياح العسكري الأمريكي إلى عراق صدام حسين. مئات الآلاف تظاهروا في شوارع لندن ضد الحرب. رئيس الوزراء توني بلير استند إلى الحلف الذي عقده مع الرئيس جورج بوش. ولمساعدة بلير سياسيا، تعهد بوش أن ينطلق، بالتوازي مع غزو العراق، لمبادرة سلام جديدة بين إسرائيل والفلسطينيين. وعلى هذه الخلفية دعتني الحكومة البريطانية إلى سلسلة من اللقاءات في داوننغ 10 وفي وزارة الخارجية. كنت ضيفا رسميا.
بريطانيا هي دولة مرتبة. والضيوف الرسميون ملزمون بالبروتوكول، ولهذا فقد عين لي مرافق، ضابط متقاعد في الجيش الاستعماري البريطاني، عجوز قروي حبوب، رافقني إلى كل مكان. في إحدى الأمسيات ذهبنا إلى المسرح، لمشاهدة «الملك لير». وكان المسرح جزءا من البروتوكول. وبعد معركة واحدة قلت لمرافقي، أطلب العذر، مع كل إعجابي بشكسبير، أنا ملزم بأن اكتب هذه الليلة 2.000 كلمة عن خطة الحرب. الدفتر ينتظرني. وكذا الصحيفة. وأنا ملزم بالذهاب. فقال المرافق: «يا للخسارة أردت جدا أن أرى المسرحية حتى النهاية». ما المشكلة، عجبت. إبق في المسرح. أنا سأعود إلى الفندق وحدي. وأنا أعرف الطريق.
فقال: «هذا متعذر. أنا ملزم بمرافقتك حتى مدخل الفندق».
لِمَ حتى مدخل الفندق.. سألت؟.
فنكس عينيه وقال: «أنظر، عندي الكثير من الضيوف من المستعمرات السابقة. ما يريدونه هو فتيات الهوى. عندما يطرحون الأمر نبعث بهم إلى دوربن. هو يرتب الأمر ونحن لا نتدخل في ذلك. ولهذا فنحن نودعهم في مدخل الفندق.
يا لهم من أذكياء هؤلاء الإنكليز. تذكرت ذاك الحديث حين سمعت الشريط الذي جلبه غي بيلغ من ليلة الترفيه ليئير نتنياهو ورفاقه. نتنياهو هو رجل ابن 26 ونصف ولا يعمل. وهو ليس مثيرا للاهتمام على نحو خاص، لا في آرائه، لا في عادات شربه، لا في سلوكه، لا في الأماكن التي يختار التنفيس فيها. شباب مثله ومثل رفاقه يصبحون خبرا ليس بفضل أنفسهم بل بفضل آبائهم. مكانه في صفحات الثرثرة. سبب واحد فقط يجعل الشريط قصة صحافية جديرة بل ومهمة: دور الدولة.
لا تكمن المشكلة في الابن أو في الأب. فهي أوسع بكثير ـ هي تتعلق بسلسلة من المؤسسات، الوزراء، الشخصيات العامة والموظفين الذين سمحوا لمثل هذه الظواهر بأن تحصل ويتركونها تحصل اليوم أيضا. مشكلة الفساد في إسرائيل لا تبدأ في عائلة نتنياهو: فهي تبدأ في الحفرة. هناك، في الحفرة السوداء التي تنشأ في قلب الديمقراطية الإسرائيلية، يبدأ التحلل.
مسألة الحراسة، مثلا. حراسة الشخصيات هي موضوع مشحون. الجانب الأمني هو عنصر واحد فيها: ليس أقل أهمية هي المكانة الاجتماعية التي يمنحها الحارس وغلاف الدلال الذي يأتي معه. فالحارس لا يبحث عن موقف للسيارة، لا يقف في الطابور في رقابة الحدود او في قاعة العروض، لا يجر حقيبة، لا يفتح باب سيارة، كل شيء يتم بكلمته. عندما كانت النائبة غولدا مائير توشك على أن تنتخب رئيسة للوزراء في 1969، بعثت المخابرات لها بحراس إلى بيتها. الجيران في المنزل الذي تسكنه عائلتان في رمات أفيف فوجئوا في ضوء الصورة التالية: رئيسة الوزراء المرشحة، امرأة ابنة 71، تحمل كيس القمامة إلى الخارج، بينما حارسان شابان يحرصان على حراستها في الطريق إلى الحاوية. تعاظمنا منذئذ.
رؤساء المخابرات يعيشون كل الوقت ضغوطا من شخصيات عطاش للحراسة. ولتحريرهم من الضغط، نقل الحسم إلى اللجنة الوزراية لشؤون الاستخبارات والى لجنة عامة معينة. المخابرات توصي، واللجنة تقرر. وموضوع أبناء عائلة نتنياهو طرح على البحث في أثناء ولاية حكومة نتنياهو الثانية، الابن يئير كان يوشك على التجند للجيش وبعد ذلك وضع في الوحدة العسكرية التي تطلع اليها ـ وحدة الناطق بلسان الجيش، قيادة المنطقة الوسطى. واعتقد رئيس المخابرات يورام كوهين أن لا حاجة لارفاق حراسة له. الأب والأم القلقان اعتقدا خلاف ذلك. اللجنة الوزارية، برئاسة وزير شؤون الاستخبارات دان مريدور، حولت الحسم إلى لجنة عامة برئاسة المحامي يوسي تشخنوفر.
تشخنوفر، هو رجل طيب، إيجابي، فعل على مدى السنين أمورا مهمة جدا، علنية وسرية، في خدمة دولة إسرائيل. خدم بتفان رؤساء وزراء، ووزراء دفاع من اليمين ومن اليسار. له نقيصة واحدة فقط. لا يعرف أن يقول لا. ليس بسيطا قول لا لرئيس الوزراء. سمعت هذه الجملة على ألسن كثيرين وطيبين، خدموا في عهد عدد من رؤساء الوزراء. حاولت أن أفهم لِمَ يتخذ أناس راشدون، واثقون بأنفسهم، مستقلون بآرائهم، قرارات تتعارض وإرادتهم، قيمهم وعقلهم السليم. أفهم، كان الجواب، على أكتاف رئيس الوزراء جبل من القرارات، بينها قرارات حياة وموت. كل الدولة تجلس له على الرأس. وفجأة تبشر انه يحتاجك. تشعر أنه أعطيت لك فرصة للتخفيف عنه، بالسماح له بالتركيز على الشؤون المهمة حقا. ما الذي يطلبه بالاجمال، تقوله لنفسك: أن يهدئ روع زوجته غير الهادئة على نحو ظاهر؟ ان يطفئ مشاعر الذنب لديه تجاه أبنائه؟ هل هذا فظيع جدا؟ بين كل البنود الزائدة في ميزانية الدولة فهذا بند واحد صغير، وحتى بالمستقبل تفكر. إذا استجبت له اليوم، فلعله يستمع لك في يوم الأمر. قرار اليوم هو ضريبة مبررة تدفعها من أجل الوطن. تشخنوفر قال نعم.
سيارة لكل نفر
مسألة حراسة نتنياهو الأبن التقيتها لأول مرة في الخليل. على طول حائط مغارة الماكفيلا سارت حظيرة جنود. لم يكن يحملون السلاح، ولكن خلفهم سار مواطن مسلح. الجنود كانوا أنفار من البنين والبنات من الناطق بلسان الجيش الإسرائيلي. اما المواطن فكان الحارس الشخصي للنفر يئير نتنياهو. رأيت في الخليل جملة من الصور الغريبة على مدى 50 سنة وجودنا هناك. وانضمت هذه إلى القائمة.
توفر الدولة ليئير نتنياهو سيارة مرافقة، سائق مرافق وحارس مرافق، كله بالاذن وبالصلاحية. ليس لوزراء الحكومة اليوم حارس شخصي، لايهود باراك ولايهود أولمرت لا يوجد حراس. للأبنة البكر لرئيس الوزراء لم يكن ولا يوجد اي حارس، اما ليئير نتنياهو فيوجد. لنفترض للحظة، فقط لغرض المحاججة، انه مهدد أكثر من رئيسي وزراء سابقين ومن معظم وزراء الحكومة. لنفترض أنه يعرف أسرار دولة أكثر منه. فلِمَ سيارة؟ لِمَ فجأة سائق؟ لِمَ يتعين على الدولة أن تسفره وتسفر رفاقه من نادي تعرٍ إلى نادي تعرٍ آخر؟ فليأخذوا سيارة عمومية أو يسيروا على الأقدام أو يكتفوا بوفرة الكحول التي تصل إلى البيت.
فكروا في الدولة، التي تقاتل حتى الإبادة ضد الأعمال في القطار في السبت، أعمال تسمح لمئات آلاف الإسرائيليين بالوصول في الوقت المناسب إلى عملهم يوم الأحد، ولكنها تمول عمل سائق (مئات في المئة علاوة على ساعات إضافية في السبت) ينقل ثلاثة سكارى من متعرية إلى متعرية. أهذا منطقي؟ اين المراقب، المستشار القانوني، كبير المخابرات، الشخصية العامة الذي يقول لرئيس الوزراء حتى هنا. ابنك يمكنه أن يفعل ما يريد مع من يريد. ولكن الدولة ليست في هذا.
المسلسل التلفزي «التاج» الذي يبث في نتفلكس، يروي قصة حيات اليزابيت الثانية، ملكة بريطانيا. الأبطال الفرعيون هم موظفو القصر. يأتون إلى المَلِكة باحترام ويشرحون لها بلباقة وبأدب بارد لِمَ لا يمكنها أن تفعل ما تفعله، لا هي ولا أبناء عائلتها. هذا هو طريقهم لتعليمها قيود القوة. الملكة تتعذب قليلا، وأخيرا تقبل القضاء. يا لهم من أذكياء هؤلاء الإنكليز.
الصندوق سيأتي اليوم
ارون ميلتشن، جيمس باكر وآخرون مثلهم يجدون أنفسهم في الشرك نفسه. من الصعب قول لا لرئيس الوزراء. من الصعب قول له لا حتى عندما يصبح تلقي الهدايا عادة، أدمانا، قائمة مطالب لا تنتهي. في البداية يكون هذا لطيفا، بعد ذلك يكون أقل لطفا. أنت تقول لا، وعندها يهاتف رئيس الوزراء هو شخصيا. في البداية يتحدث عن عمله، عن حملة عسكرية غامضة شغلته في الليل، هذا فقط بيننا، لا تروي حتى للأصدقاء، وعن الوزراء الأغبياء الذين يخربون كل الوقت ـ قصة حميمة، مع غمزة في الوسط ونهفة مضحكة في النهاية، وعندها يسأل بصوت حار، وكأن هذه تأتي بالمصادفة، ما رووه لي، في أنه كان سوء فهم ما، هناك شيء ليس على ما يرام؟ وأنت تضطر للقول، ما الدعوة، كل شيء بهيج، ممتع، والصندوق سيأتي اليوم. وعندها يبدو قد تعب وقصير الروح لإنهاء المكالمة، فتنهيها وتشتم نفسك.
المعركة على ملفات التحقيق المتعلقة بنتنياهو تجري في هذه اللحظة ليس بين نتنياهو ومحققيه بل بين الشرطة والنيابة العامة. ظاهرا، هذا إجراء متوقع، مفهوم، جزء من الطريقة السائدة، المتبعة. دور الشرطة هي بناء الملف، دور النيابة العامة إعادة مراجعته، طرح الأسئلة، إرسال الشرطة إلى استكمال التحقيق. الشرطة تريد نشر توصياتها وتنتقل إلى أمور أخرى، اما النيابة العامة فتريد ملفا كاملا، واثقا، يتفجر أدلة. محظور عليها أن تفشل في مثل هذا الملف. أما الجدول الزمني للشرطة فقصير، فيما الجدول الزمني للنيابة العامة طويل. ولكن يحتمل هذه المرة أن يكون الأمر مختلفا. فالتحقيق إدارته، عمليا، ليئات بن آري، النائبة العامة للواء تل أبيب. المستشار القانوني للحكومة والنائب العام للدولة رافقا كل مرحلة عن كثب. الأسئلة سئلت والاستكمالات تمت. ولا غرو أنه في الشرطة شكوا في أن أحدا ما في النيابة العامة ارتعدت فرائصه. والأسوأ من ذلك، أن لرئيس الوزراء يوجد من يتوسط له في النيابة العامة، يخرب على التحقيق ويتدخل في تفاصيله.
نظريات مؤامرة مشبوهة في نظري. مكانها في قصص الخيال وليس في الحياة الحقيقية.
عودة إلى التحقيق الحالي. فهو يجري في أجواء صعبة. نحن نعرف تفاصيل كثيرة عن التحقيق في ملف 1000. ولكن لا نعرف الكثير عن الملفات الأخرى. يكثر الحديث عن أن المستشار القانوني للحكومة منع محققي قضية بيزك من استدعاء نتنياهو، وزير الاتصالات في تلك الفترة للشهادة. شهادات نتنياهو في كل الملفات معدة للبروتوكول. المحققون لا يستفيدون منها في شيء. ولكن برغم ذلك لا يمكن لملف بيزك أن يكون من دون نتنياهو. وليس عندما يكون مالك الشركة هو صديقه الشخصي، ومديره العام هو مقربه، والامتيازات الكبيرة أعطيت ولا توجد معلومات عن مال انتقل من الشركة إلى المدير العام.
يجري التحقيق في فترة اختبار للقيم والتقاليد الديمقراطية. فالائتلاف الحالي مليء بالتطلعات القومية، الدينية، المناهضة للديمقراطية والليبرالية. وزيرة العدل هي مقاولة تنفيذ، تتصدر القطيع. أما حماة الحمى فيبعدون عن الصورة لأنهم أفضل النخبة. المستوطنون، المتدينون والأصوليون هم الأقليات الحاكمة.
لم يكن شيء كهذا في الحكومات السابقة، حتى في تلك التي ترأسها نتنياهو. اثنان من مشروعات القوانين التي عمل عليها رئيس الائتلاف السابق، عشية التحقيق في الفساد في قضيته كانا لعرقلة التحقيق. وقد أوقفا بضغط من الرأي العام. ولكن لا يقل إقلاقا من هذا تأثير تحقيقات نتنياهو في مشروعات القوانين الأخرى التي يطرحها الائتلاف. والمقصود هو تسويغ الفساد. كل شيء مسوغ: التعيينات السياسية، الأموال الائتلافية، الانتخابات الحزبية الداخلية على حساب الدولة، جمعيات سياسية على حساب الدولة، قنوات إعلامية مؤيدة للحكم، اصحاب رؤوس أموال، طفيليات.
يئير نتنياهو هو فتوت صغيرة على الكعكة.
يديعوت 12/1/2018