جلال زنكابادي أحد رواد الحداثة الشعرية: كاتب عراقي يعرض مكتبته للبيع لشراء أدوية له ولزوجته

حجم الخط
0

أثار إعلان الأديب والشاعر والكاتب والمترجم الكردي العراقي جلال زنكابادي (مواليد عام 1951) عن عرض مكتبته  للبيع، الذي نشره على صفحته الفيسبوكية، عاصفة من ردود الفعل والتعليقات على شبكات التواصل الاجتماعي، وقد أوضح أن مكتبته تحتوي أكثر من خمسة عشر ألف كتاب، ومجلة، بعدد من اللغات، ومنها ما هو نادر.
وقد اختار كل تلك المحتويات بنفسه وبأناة وشغف، عبر عقود من الزمن. إذ كان يشتري الكتاب كما يفعل أي واحد منا ممن يعانون من ضيق ذات اليد، إما عبر الاستغناء عن شراء «قميص أو بنطال أو هدية لحبيبة، أو لعبة لطفل، أو حتى مستغنياً بسببه عن وجبة طعام»، وهو ما يعرفه الكثيرون من المولعين بالهم الثقافي. وكان لجلال حصته الباهظة من الألم، بسبب الاكتواء بهذا الحب الفريد، فهو الذي لم يكد يبلغ العاشرة من عمره، حتى تفاجأ باستشهاد أبيه عام 1960، بسبب نضاله الوطني، ما جعله يعمل في بعض أصعب الأعمال: صناعة التنانير ـ العتالة – أعمال البناء – بيع الكتب على الأرصفة إلخ، ليتفرغ لأسرته، وللقراءة والكتابة التي أولع بها، ونشر آلاف المقالات والنصوص سواء باسمه، أو باسم جلال وردة، دون أن يحني هامته لأي سلطان، وكان أن فقد بسبب موقفه بيتين له تحت نير ديكتاتورية نظام البعث العراقي.
وإذا كنا قد عرفنا جلال صاحب ملحمة «هكذا شطح الكائن مستقبلئذ، المضادّة» شاعراً يعد أحد أهم رواد الحداثة، فإنه اشتغل في مجال الترجمة، لإتقانه إلى جانب لغته الأم الكردية، العربية، والإنكليزية، والإسبانية، والفارسية، والتركية، ناهيك عن أنه يكتب بلغة كردية موحدة، نتيجة اطلاعه على خمس لهجات كردية، بما يؤهله ليكون لغوياً كردياً، وهو العلامة والمثقف الشامل.
تخرج زنكابادي في معهد إعداد المعلمين في بغداد 1969، وعمل في مجال التعليم في الفترة ما بين عامي 1971-1991 ليتفرغ بعد ذلك، ويعمل في عدد من المجلات والصحف المهمة في إقليم كردستان، محرراً، أو سكرتيراُ، أو مديراً، أو رئيساً للتحرير. ومن المجلات التي عمل فيها: مجلّتيّ (نَوشَفَق = الفجر الجديد) و(مندالانى باباكَركَر = أطفال بابا كَركَر) 2003 في كركوك، و»كولان العربي»، وقد كانت لي زاوية ثقافية ثابتة فيها، وكنت شخصياً من كتابها ضمن فترة محددة.
وقد عمل زنكابادي في مجال التدقيق اللغوي، إذ راجع ونقّح المئات من النصوص الأدبية والبحثية والكتب المؤلفة والمترجمة لأدباء وباحثين كرد وعراقيين ومنهم أساتذة جامعيون، ليكون له حضوره في تلك الكتب المهمة، سواء ذكر اسمه ودوره، أم لا، كجندي ثقافي مجهول.
وعلى الرغم من أن زنكابادي مستقل، ذو أفكار ديمقراطية، إلا أنه لم ينج من مصيدة آلة القمع، إذ تعرض أكثر من مرة في حياته للترحيل والإبعاد، نتيجة عدم قبوله بالخنوع، لأنه كان صاحب موقف من آلة الاستبداد، ما تسبب في دفعه ثمن ذلك غالياً، وقد انعكس ذلك على حياة أسرته التي طالما عاشت القلق، وكان أن تعرض أكثر من واحد منها لبعض الأمراض الخطيرة، من بينهم زوجته وابنه الذي توفي قبل حوالي عام وهو في ريعان شبابه.
ولم ينس زنكابادي حتى العمل في مجال التمثيل إذ أدى في عام 2000 دور الشاهد الرئيس في الفيلم التسجيلي «الأراضي الضائعة» الذي تناول سياسة الأرض المحروقة التي ينجم عنها تدمير البيئتين الطبيعية والبشرية في كردستان العراق.
وإذا كانت قائمة إصدارات زنكابادي حافلة بالإبداع والبحث والترجمة، وقد صدرت له أعمال مهمة بلغت أكثر من خمسة وعشرين إصداراً منها: «موسوعة الخيام – الكوردلوجيا – فرسان السرد العراقيون من الأرومة الكردية» وغيرها، إلى جانب أعماله الإبداعية وترجماته الصادرة، فإن هناك العشرات من المخطوطات المهمة التي لما تطبع بعد، ومنها: ديوان الخيّام، تحقيق وترجمة كرديّة/ البحر لأشطحنّ وقصائد  أخرى/ الخيّام مالئ الدنيا وشاغل المترجمين/ رباعيّات الخيّام ، ترجمة: جميل صدقي الزهاوي / تحقيق ونقد / التركمان تاريخاً وثقافةً …
اتبع الشاعر زنكابادي على صفحته الفيسبوكية توضيحاً تالياً على إعلانه ذاك، عندما لحظ أن هناك من استثمروه، وجيروه، لأغراض في ذواتهم، أو أن هناك من توهم أن الإعلان جاء استدراراً للشفقة، إذ قال تحت عنوان إيضاح ضروري جداً:
 بشأن (كتب مكتبتي للبيع بأسعار زهيدة جدّاً) 
أحبّتي الأكارم والكريمات جزيل امتناني لتعاطفكم الصميمي الهائل/ لست أبتغي بهذا النداء استرحام حكومة الإقليم وأحزابه ولا التدلّل والتمييز ولا استعطاف الآخرين لمساعدتي نقديّاً، وإنما أبتغي إطلاع أصحاب المكتبات والمؤسسات الثقافية لشراء أغلب كتب مكتبتي التي لا مجال لها في سكننا الجديد الصغير، ولكي نبيع أيضاً دارنا؛ لتدبير معيشتنا حالنا حال أكثر المواطنين الذين يعانون من وطأة تداعيّات السياسة والحرب وإفرازاتهما، علماً بأنّي معلّم متقاعد وعائلتي كبيرة ….ولذلك لا أحبّذ لهجة التهجّم في الكثير من التعليقات، وأعني بعلامة اللايك (شكراً لمرورك) وليس التأييد في أكثر الأحيان، وأرجو المعذرة عن عجزي في الرد على هذا العدد الكبير من التعليقات…

٭ كاتب سوري يقيم في ألمانيا

جلال زنكابادي أحد رواد الحداثة الشعرية: كاتب عراقي يعرض مكتبته للبيع لشراء أدوية له ولزوجته

إبراهيم اليوسف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية