جلجلةُ النعامة النوويةُ

يقف الكون على لوح صفيح ساخن يشي لفظياً باحتمال تدمير كل أشكال الحياة على كوكب الأرض، في حال تحقق الإجابة المواربة التي أدلى بها الأدميرال سكوت سويفت قائد الأسطول الأمريكي في المحيط الهادي، وأبدى فيها استعداده «لضرب الصين نووياً في حال تلقيه أمراً من الرئيس ترامب بذلك»، في إشارة ملغومة لاعتبار النظام الكوري الشمالي ربيباً صالحاً مع بعض العقوق الشكلي للنظام الصيني، لأغراض إخراجية محضة.
ذلك التهديد المضمر يأتي في سياق تطبيق منهجية «سياسة الرجل المجنون» التي مأسسها مهندس سياسة الهيمنة الكونية الأمريكية وزير الخارجية الأسبق هنري كيسنجر، ورئيسه آنذاك ريتشارد نيكسون، التي تقوم بحسب تكثيف الصحافي المخضرم آلان نيرن، على الإيحاء لأنداد الولايات المتحدة «بوجود اندفاع جنوني غير عقلاني لدى ساسة البيت الأبيض لاستخدام الأسلحة النووية»، بحيث يرتعب أولئك الأخيرون من ذلك الهول، ويرتدون إلى مواقع دفاعية، خوفاً من أن يؤدي ذلك الجنون إلى تدمير كوكب الأرض برمته. وهو الواقع الذي أفصح عن نفسه بجلاء منقطع النظير لأول مرة في تاريخ أزمة الصواريخ الكوبية عام 1962، حين اضطر خروشوف زعيم الاتحاد السوفييتي السابق للتراجع بشكل مخزٍ، فيه الكثير من شوائب الخيانة لكل المواثيق المعقودة مع كوبا، خوفاً من تفعيل تهديد الرئيس الأمريكي السابق جون كنيدي باستخدام الأسلحة النووية لتفكيك الأزمة، وهلعاً من إمكانية أن يقود ذلك إلى حرب عالمية ثالثة تودي بالبشرية جمعاء، سواء بالانفجارات النووية، أو ما يعقبها من شتاء وغبار نووي، سوف يلف الكرة الأرضية، ويحولها إلى كوكب معتم غير صالح لحياة أي من الكائنات الحيّة فيها.
ذلك السيناريو المرعب الذي يحاول الساسة الأمريكان استخدامه بشكل موارب دائماً، ويتم استدماجه في طيات شبه اللازمة، في كل الخطابات الحساسة لأي منهم، والمتمثلة بجملة «كل الخيارات موجودة على الطاولة»، خاصة في ضوء معرفة كل الفرقاء النوويين بأن عدد الرؤوس النووية في الكرة الأرضية أصبح يقارب 15000 رأس نووي، بحسب فريق الحملة الدولية للتخلص من الأسلحة النووية، أكثر من 1800 منها في حالة التأهب القصوى، وهي كفيلة بتدمير كوكب الأرض فيزيائياً، وتحويله إلى غبار في الخلاء الفضائي لمجموعتنا الشمسية. ولكن استقرار المعادلة الصفرية السالفة يبدو أنّه في طريقه إلى الاضمحلال، وهو ما عبّر عنه كبير استراتيجي ترامب قبيل إقالته من منصبه ستيف بانون بقوله «لا حل عسكرياً للخلاف مع كوريا الشمالية»، في إعلان لاضطرار النخبة السياسية الأمريكية للتراجع أمام العدو السرمدي لسياسة الهيمنة الأمريكية، متمثلاً «بالرأي العام في داخل الولايات المتحدة» بحسب توصيف المفكر نعوم تشومسكي، إذ لم يعد بإمكان الساسة الأمريكان التبجح بفظاظة أمام مواطنيهم بقدرة الغول الأمريكي على تدمير دول ومحوها من الخريطة الكونية، بدون أن يطال الولايات المتحدة ضرر، كما كان حالها منذ نهاية حرب استقلالها عن البريطانيين بشكل مطلق، فالأسلحة الكورية الشمالية النووية أصبحت قادرة على النيل من ولاية آلاسكا شمال الولايات المتحدة إن لم يكن نيويورك نفسها، وإذا كانت «سياسة الرجل المجنون» قادرة على إرعاب أي من ساسة الدول النووية الأخرى، فمآلها الإخفاق مع الزعيم المعتوه لكوريا الشمالية، حسب تصوير الآلة الإعلامية الغربية له، التي بدأت بالتراجع عن ذلك مؤخراً، كما ظهر جلياً في صحيفة «نيويوك تايمز» التي أصبحت تصف الزعيم الكوري الشمالي بأن هناك «إجماعا للباحثين حول عقلانيته، وتركيزه على الحفاظ على نظامه»، كما لو أنّ وسائل الإعلام الأمريكية المتسيدة أدركت وقوعها في شر أعمالها، بتعطيلها قدرة الولايات المتحدة على الإرهاب الكوني، بإبطالها فعل «سياسة الرجل المجنون».
في الواقع هدف الكوريين الشماليين، من برنامجهم النووي لم يكن سوى ردع هيمنة الغول الأمريكي، أملاً بمفاوضات معه تفضي لانفراج الحصار عن كوريا الشمالية، مقابل التخلص من برنامجها النووي، كما كان الحال عام 1994 إبان رئاسة بيل كلينتون، وهو الأمر الذي انقلب إلى حالته الأولى بعد استلام جورج بوش الابن، الذي ألغى كل مفاعيل الاتفاق النووي مع كوريا الشمالية، وصنفها من جديد في دول محور الشر، فلم يعد من خيار للكوريين الشماليين بعدما رأوا ما حدث بالدول التي تخلت عن برنامجها الصاروخي والكيميائي والنووي كالعراق وليبيا، وأصبحت غير قادرة على تهديد الولايات المتحدة وحلفائها في دول الجوار صاروخياً، أو عبر أسلحة التدمير الشامل؛ سوى ايمانهم بمنطق أن، خير ترياق للغول النووي هو الخنجر النووي نفسه.
والظاهر أنّ الإيرانيين، قد فقهوا الدرس نفسه، وقرروا اتباع النهج عينه، بالاستناد إلى الخبرات النووية التي تم استيرادها وتوطينها محلياً في إيران، بمساعدة الأمريكان أنفسهم إبان حكم الشاه، والفارق الوحيد بين الحالتين الكورية والإيرانية في المستقبل المنظور، هو عدم مقدرة تلك الأخيرة على النيل من أراضي الولايات المتحدة بتقنياتها الصاروخية الراهنة، وإنما فقط من دول الجوار العربي، بسيناريو شمشوني مهول، قد يساهم في تسريع تنفيذ المشروع الأمريكي المضمر للإدارة الأمريكية، الذي أعلنه مستشار الرئيس الأمريكي إيريك برنس مؤسس شركة «بلاك ووتر» سيئة الصيت بمجازرها في العراق المهيض الجناح – التي وثقها الصحافي جيرمي سكايهل في كتابه الاستثنائي «بلاك ووتر: صعود جيش المرتزقة الأعتى كونياً»، في مقابلة تلفزيونية على شبكة «سي إن إن»، والمتمثل بمشروع احتلال أمريكي مباشر للدول التي تحتوي ثروات طبيعية في منطقة الشرق الأوسط، وخصخصة عملية احتلالها عبر جيوش من المرتزقة على شاكلة شركته «بلاك ووتر» تمولها وزارة الدفاع الأمريكية، وإدارة الأوطان المحتلة بشكل مباشر، عبر تعيين «مفوض سامٍ» فيها مسؤول عن تنفيذ المصالح الأمريكية في تلك الأوطان المحتلة بشكل أكثر كفاءة وسرعة، بدون أن يكون بالوكالة عن طريق»سفراء الولايات المتحدة» كما هو الحال عليه الآن، على حد تعبير إيريك برنس حرفياً؛ وهو الواقع المرير الذي يحاول جل الساسة العرب التعامي عنه كنعامة أدمنت إيلاج رأسها في الجحر نفسه لتلدغ منه مرة بعد أخرى في جلجلة تراجيدية يبدو أن احتمال أفولها لناظرها العربي المقهور قصياً بعيداً.
كاتب سوري

جلجلةُ النعامة النوويةُ

د. مصعب قاسم عزاوي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية