«جماعة آبسو تشكيل» تسعى لنبذ العنف والدمار في المدن العراقية

حجم الخط
0

بغداد ـ «القدس العربي»: على قاعة قصر الثقافة والفنون في مدينة البصرة، انتشرت أعمال «جماعة آبسو تشكيل» في معرضها السادس، لتشكل بذلك فضاءً مغايراً من الأعمال الفنية التي تنتمي إلى مدارس مختلفة.
الجماعة التي أسست عام 2005، حاولت في خطابها تقديم كل ما هو جمالي وفني، مبتعدة بذلك عن أعمال العنف والدمار التي انتشرت في الشارع العراقي عموماً، والبصرة على وجه الخصوص، فهذه المدينة التي تحتضن بين ذراعيها شط العرب، بعد التقاء نهري دجلة والفرات في كرمة علي شمالاً، تحولت إلى أشبه ما تكون بخرائب، لا يمكن أن تسمى مدينة بسببها، نهر العشار الذي يشق المدينة، بعد أن كان منتجاً في خمسينيات وسبعينيات القرن الماضي صار مكب نفايات، ومنطقة العشار التي كان زوار المدينة، خصوصاً الخليجيين منهم في سبعينيات القرن الماضي لا يمكن أن يتركوها لدقيقة واحدة، بسبب المحال التجارية الكبيرة، والبضائع التي تأتي من جميع بلدان الأنهار والمحيطات القريبة، أصبح مخزناً كبيراً لبضائع صينية وغير معروفة المنشأ، لتنتقل المدينة بكاملها من مكان للسياحة إلى بؤرة للذباب الذي لا يريد أن يغادرها، بعد أن أهملت وضاعت ملامحها.
آبسو، في سعيها لتقديم فن مختلف، جمعت بين ضفتيها خمسة فنانين: عبد الملك عاشور، جواد الجيزاني، طاهر حبيب، أزهر داخل وعلي عاشور، غير أنهم في بداية تأسيس الجماعة احتضنوا أحد فناني الموصل الذي اضطر؛ بسبب الأحداث الأخيرة في مدينته العريقة، للهرب إلى تركيا والبقاء هناك، تاركاً إرثه وفنه بيد «داعش».

لماذا آبسو؟

في عام 2005 اجتمع هؤلاء الفنانون في مرسم الفنان عبد الملك عاشور وتدارسوا تشكيل جماعة يمكن أن تعيد الفن البصري إلى عصر ازدهاره، خصوصاً بعد الأحداث التي مرت على العراق عموماً ومدينة البصرة على وجه الخصوص، وإغلاق قاعات العراق، فضلاً عن عزوف فناني المدينة عن تقديم كل ما هو جديد حينها.
يقول الفنان عبد الملك عاشور، إن أول أعمالهم كان في معرض الدستور العراقي، الذي دُعم من قبل إحدى منظمات المجتمع المدني، ومن ثمَّ انتقل المعرض إلى قصر المؤتمرات ببغداد. كانت هذه الخطوة الأولى للجماعة، غير أن هذه الخطوة تبعتها تجارب مميزة على مدى خمسة معارض، وصولهم إلى معرضهم السادس هذا، الذي يعده عاشور تأسيس حضور لآبسو.
أما خطاب الجماعة، فقد انتهج خمسة مناهج وأساليب خاصة بكل فنان، قسم منهم اتجه إلى المدرسة التعبيرية التجريدية، مثل الفنان علي عاشور، وأزهر داخل وجواد الجيزاني اتجها إلى ثيمة المفردة التراثية القديمة التي تنتمي إلى تاريخ العراق، أما عبد الملك عاشور فانتمى إلى بناء كتلة الإنسان، إلى عناصر إنسانية وجمالية وأسطورية وعناصر نباتية، فشكلت في أسلوبه كتلة تعتمد على هموم وأفكار وتحركات وبناء الإنسان، وفي كل مشهد كتلتان، سماوية وأرضية، الأرضية تحمل هموم الإنسان ومعاناته نتيجة الحروب، أما السماوية، فهي السعي للارتقاء به وتخليصه من دمار الأرض.
ويضيف عاشور أن الذي «جعلني أتجه للإنسان؛ بعد أن كنت اشتغل على المدرسة التجريدية المطلقة، كان بسبب تأثيرات الحروب المستمرة وهجرة المواطن وعذاباته، هذا ما جعلني أنتمي في مفردتي إلى هذا العنصر المهم»، أما الفنان طاهر حبيب فقد انتمى إلى الفن الأسطوري، أو كما يسميه سيمفونية الفنان، واتخذ من هذه الثيمة بناء خطوط وأشكال وكتل موسيقية في تشكيل المشهد التجريدي.
أعمال عبد الملك عاشور متغيرة حسب مراحله الفكرية ومراحل البلد أيضاً، فقد كانت أغلب أعماله سريالية، ومن ثم اتجه للتجريد، و»على الرغم من أنني ما زلت أشتغل على هذه المدرسة، لكني الآن أحاول أن أقدم شيئاً جديداً لإنساننا الذي لم ير يوماً واحداً من الهدوء والطمأنينة، فتحولت أعمالي إلى مفهوم التجريدية التعبيرية الإنسانية».
لكن كيف يمكن المزج بين أكثر من مدرسة في آن، وما على الفنان عمله لكي يخرج بنتائج إيجابية ومقنعة بالنسبة للمتلقي؟ عاشور يجيب على تساؤلنا هذا بأن المدارس الفنية في تحول مستمر، الانطباعية مثلاً مرت بمراحل لا يمكن إحصاؤها، فأضافوا لها الكثير، ليخرج الفنان بما عرف بالمدرسة الانطباعية الجديدة.. التجريدية اعتمدت على منهجين: التجريدية الهندسية والتجريدية التعبيرية، لكن على الفنان أن يمر بتحولات كثيرة، وأن يضيف للمدرسة التي ينتهجها تبعاً لثقافته وتطوره المستمر.

جماعات فنية

عن سبب إقامة هذه الجماعة وتاريخ الجماعات الفنية العراقية، يتحدث الدكتور أزهر داخل، مبيناً أن التجمعات الفنية ظاهرة قديمة بالفن، بدأت من جماعة الانطباعيين واستمرت ولن تتوقف، وفي العراق ظهرت منذ عام 1920، مثل جماعة الرواد وجماعة الانطباعيين، وفي البصرة ظهرت حركات كثيرة، مثل جماعة المثلث وجماعة المربع وجماعة الظل، هذه التجمعات هي نوع من إضافة بعض الحوافز للفن العراقي، غير أنها في الوسط الفني وصلت إلى الاندثار. هذه الجماعة (آبسو) ارتأت عام 2005 أن تضيف نوعاً من التوجه يحرك الفن في البصرة، غير أنها كانت؛ حسب قول داخل، بعيدة جداً عن الآيديولوجيا، لأنه متى ما ارتبط الفن بالآيديولوجيا تجعله مغلقاً، وليس بالضرورة أن يكون لدى الفنان خطاب آيديولوجي، فـ»نحن فنانون خارج منطقة السياسة، منطقتنا منطقة جمال، منطقة زرع الحب والبسمة والسلام».
اشترك داخل بعملين كبيري الحجم، وهما استمرار لأعماله السابقة، غير أنه حاول أن يضيف شيئاً جديداً في الإخراج، فاشتغل على صندوق تتخلله بعض المساحات الفارغة. والعمل الثاني كان من سبع لوحات تحمل تكسرات في أثناء عرضها، إذ كانت هناك قطع بارزة عن السطح لكي يفصح عما يريد قوله، سبع لوحات تقدمت ثلاثة منها إلى الفضاء كنوع من الإخراج الجديد.
وعن أسباب شكل لوحاته هذه، يرى داخل أن اللوحة إن لم تثر تساؤلاً فتكون غير ذات فائدة.

عنف لا ينتهي

الأسباب التي جعلت خمسة فنانين ينتمون لجماعة فنية واحدة، برؤى مختلفة، كثيرة، اختلفت من فنان لآخر، فالفنان طاهر حبيب يؤكد أن أحد أسباب انتمائه لهذه الجماعة، كان بسبب حالة العنف الموجودة في المدينة، والدمار الذي يحيق بنا من كل جانب، والاستياء والتذمر العام، فقرر هؤلاء الفنانون بعد اجتماعات عدة لتأسيس جماعة تدعو للفن والجمال وتبعد الناس؛ ولو قليلاً، عما يرونه من دمار بسبب الحروب التي لا تنتهي… «لهذا ترى أن لكل فنان اتجاهاً وأسلوباً خاصاً، وقد اتبع المشاركون في هذه الجماعة المدرسة التعبيرية التجريدية، لأنها تقدم حرية أكثر في الاشتغال، وتعبر عن واقعنا بشكل منفتح وسهل التناول».
يشتغل حبيب على التعبيرية التجريدية، لكنه في الوقت نفسه يمكن أن يكون مزيداً بين المدارس الفنية جميعاً، بين التعبيرية والواقعية والتجريدية والسريالية وغيرها من المدارس. وقد لوحظ في أعمال حبيب انشغال لوحته باللون الأحمر، وتميزه في الأعمال الستة التي شارك فيها في المعرض، غير أنه لا يعتقد أنه الأحمر لون العنف والدماء، بل كان هذا بسبب ميله للألوان الحارة، «تجذبني هذه الألوان، على الرغم من أنني عندما أبدأ باللوحة أشتغل عليها من دون وعي باللون، وربما هذا نابع بسبب بيئتنا في البصرة المعروفة بحرارتها ورطوبتها العالية». أعمال حبيب تحمل مسحة من الأسطورة. وهذا ما يؤكده هو، إلا أنه يرى أن التفكير يأتي بعد الشروع باللوحة، ومن ثمَّ تنتظم اللوحة شيئاً فشيئاً، «الفكرة تأتي بعد بدايات اللوحة وليس قبلها. لهذا نبقى قلقين فنياً قبل إنجاز العمل، لكن في نهاية اللوحة ترى أنك قدمت منجزاً مهماً وملكت العالم».

بين النحت والرسم

تخرج الفنان علي عاشور من معهد الفنون الجميلة قسم الرسم، إلا أنه؛ وبسبب مشاكل مع بعض الأساتذة درس النحت في كلية الفنون الجميلة، ليكمل بعدها الماجستير في النحت. شارك عاشور بأربع لوحات، «كان أسلوبي مختلفاً عن الآخرين، وقد كانت أعمالي تعبيرية».
أما عن النحت، فلدى عاشور مشاركات كثيرة، منها جدارية كبيرة في ساحة الحرية في البصرة، وأعمال مع الفنان قيس عبد الرزاق، وتمثال لمزهر الشاوي، والنافورة الأندلسية في حدائق الأندلس، وعارف البصرة، وعمل كبير في بوابة جامعة البصرة… «لكنني رغم هذا أشعر بأنني قريب من الرسم أكثر من النحت».
من جانبه قال الفنان جواد الجيزاني، إن المعرض يمزج بين مدارس الفن الحديث المتعددة، وهو يتحمل كافة المدارس، عندما نقول هذا حديث فهو كل ما يتناقض مع الماضي ويأخذ منه في الوقت نفسه، «أما لوحاتي فتحكي وتحاكي المدينة التي نعيش فيها في هذا الزمن، فالتلفزيون والإعلام يثيراننا كثيراً، أتنقل في المدن، من لوحة إلى لوحة، ومن حدث إلى حدث، خصوصاً الناس الذين ينتمون إلى بلدهم، لكنهم يعملون عكس مصالحه… ورغم هذا الموضوع غير أنني لم أقدمه مباشرة، بل تركت التأويل والبحث عن ثيمات اللوحة للمتلقي».
أما التقنيات التي اشتغل عليها الجيزاني، فهو غالباً ما يستخدم مواد مختلفة، مثل الزيت والأكريليك، فضلاً عن مواد أخرى تخدم العمل، مثل الكولاج والمواد التي يمكن استخدامها داخل اللوحة. «لكنني أعشق الزيت لأنه مادة مطاوعة يمكن التحكم فيها في كل وقت».
وعن أسباب انتماء الجيزاني لهذه الجماعة
، فقد كانت مادية وفنية في آن واحد، فمع الجماعة الفنية قد يكون لك عمل أو عملان أو عشرة أعمال، وهذا يمكنك من الظهور باستمرار، وهذه المجموعة ارتأت أن تواكب الحدث باستمرار، لكن المعرض الشخصي قد يلقي عليك حقبة من الزمن لكي تتمكن من إكمال أعماله، غير أن الاشتراك بعملين أو أربعة يجعل الفنان يبحث عن التجديد دائماً.

صفاء ذياب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية