جماليات التشكيل في الفضاء المسرحي

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» من محمد عبد الرحيم: أصبحت السينوغرافيا تمثل الترجمة التقنية والجمالية للنص المسرحي، وهي بذلك ترسم لوحات/كادرات حية من تشكيل وإضاءة وملابس وأكسسوارات، يتم من خلالها تجسيد أفكار النص قدر الإمكان، بهدف خلق الحالة الأشمل والأجواء التي يدور فيها النص، الذي يصبح عرضا من خلالها.
وبالتزامن مع فعاليات مهرجان القاهرة الدولي للمسرح التجريبي والمعاصر الـ23، أقامت جماعة السينوغرافيين المسرحيين وتقنيي المسرح «معرض مصممي سينوغرافيا المسرح» في نسخته الثالثة، هذا المعرض الذي يقام كل عامين، واستمر هذا العام حتى أمس، في دار الأوبرا المصرية (مركز الهناجر للفنون في قاعة آدم حنين). ضم المعرض أعمالا لـ 28 فنانا من فناني السينوغرافيا، لعدة أعمال مسرحية معظمها تم عرضه خلال العام الفائت أو هذا العام، إضافة إلى فنانين مصريين قدمت أعمالهم على بعض المسارح الغربية. ويأتي معرض هذا العام ليستعرض العديد من الاسكتشات التحضيرية للمشهد المسرحي، سواء من خلال تصميم الديكورات والملابس، وتوزيع مصادر الإضاءة والألوان، كما تنوعت اللوحات بالنسبة للعروض المسرحية كالرقص الإيقاعي والأعمال الدرامية. ونذكر من أعمال المشاركين على سبيل المثال، الفنان ناجي شاكر كما في عمله المسرحي إيزيس لتوفيق الحكيم ومن إخراج سعد أردش، كذلك كل من الفنانين، نعيمة عجمي، عمرو الأشرف، محمود الغريب، نرمين سعيد، نورهان سمير، إيمان الشيخ، مها عبد الرحمن، محمد هاشم وغيرهم.

ترجمة المجردات

المهمة الأولى والأساسية لفن السينوغرافيا هي ترجمة الأفكار المجردة للنص، وتجسيدها على خشبة المسرح، أي تشكيل الفضاء المسرحي وفق رؤية الفنان السينوغرافي، من هنا يتولد الإيقاع العام للعمل أو ترجمته بمعنى أدق. وبالنظر إلى الأعمال المعروضة يبدو تباينها وفق الموضوع الذي تسعى لتجسيده، هناك الشكل الملحمي والتاريخي كما في مسرحية إيزيس سالفة الذكر، هنا يبدو الديكور بجدرانه الحجرية المرتفعة والمساحات الكبيرة، ما بين مقدمة خشبة المسرح وعمق المشهد المسرحي، الخطوط القوية للتصميم، والحادة، تتفاعل هنا حركة الممثل مع الديكور الذي يتحرك خلاله، بحيث يشكل كل منهما حالة الشخصية الأساسية، وإحساسها بما تحمله من مشقة وتنتوي فعله.

التصميم الاستعراضي

تختلف التصميمات الاستعراضية عنها في الأعمال المسرحية المعهودة، لا يقتصر الأمر على ملابس ذات ألوان وشكل مختلف، ولكن هناك طريقة للتعامل مع تشكيل اللوحة المسرحية. كالتجريد والإيحاء بعوالم غريبة، الأحلام والهلاوس البصرية، التي تم التعبير عنها باللون وإيقاعاته المختلفة، التي تتوافق مع الإيقاع الموسيقي وتصميم الرقصات، كما في مسرحية «الفيل الأزرق»، التي صمم المشاهد لها الفنان عمرو الأشرف، وأخرجها مناضل عنتر، فما بين العالمين الحقيقي وعالم اللاوعي أو التخيلات تم خلق مناخ عام لاستقبال هذه الحالة، فالظلال كانت أساس المشاهد المسرحية، كذلك تم تجسيد حالات الاستعداد للقتل من خلال الرسم بالإضاءة لوجه غريب، مرعب، يصبح في خلفية المسرح وأعلاه وكأنه هو المسيطر على ما يحدث تماما، وما البطل إلا أسير ما يُمليه عليه هذا الوجه، وهو المعادل للجن المتصرف في حياة البطل، كما جاء في الرواية المأخوذ عنها العرض المسرحي الراقص. من ناحية أخرى نجد تصميمات الفنان محمد صبري للعرض المسرحي «مولان روج»، حيث المنصة المرتفعة، التي يقود إليها سلم طويل من الجانبين ــ تصميم ملهى ــ وتقترب البطلة في جلستها وفق هذا التصميم من شعار المكان، ولتبدو في الأسفل جموع الراقصين. ألعاب الإضاءة وسيطرة اللونين الأحمر والأزرق وهذا التباين ما بين لون حار وآخر بارد، يوضح الفارق بين الشخصيتين الرئيسيتين في العمل، فهي ليست مجرد تلوين للمشهد كيفما اتفق، فمن هذا التضاد تتخلق الأجواء والحالة الدرامية للعمل.

التراث الشعبي

في مسرحية «ليلة من ألف ليلة «التي ألفها بيرم التونسي وقام ببطولتها في نسختها الأخيرة يحيى الفخراني على المسرح القومي، حيث الحكاية الشعبية أو التراثية، ليأتي التصميم والملابس للفنانة نعيمة عجمي وديكور محمد الغرباوي، ملابس الشحاذ التي تقترب من الصوفي أو الدرويش، وعالمه المختلف عن عالم العسكر وحرس الأمير، هذا الشحاذ الذي يعطي الدروس للأمير الشاب، كمحاولة لتحقيق عدالة يتمناها، المفارقات هنا التي تدور من خلالها المسرحية، الأمير المتصنع الفقر والدرويش الذي يعيش ليلة وكأنه من صفوة مجتمعه، تباين الأماكن ما بين القصر وعالم الدراويش أو الشحاذين.
كذلك نلحظ في الخلفية قباب القصر الملكي وما يضفيه من مهابة زائفة لحياة الشاب الذي يبحث عن الحب، ويجده لدى فتاة فقيرة من عامة الشعب. المسرحية غنائية ومن تراث المسرح المصري، وتنتمي لعصر قديم، يبدو ذلك في الأكسسوارات وتوزيع الإضاءة المتوافق مع تصميم الاستعراضات التي وضعها مجدي صابر.

التصميم الحداثي

في مسرحية B.C 2065، من إخراج أدهم حافظ، يبدو تصميم الملابس في غاية الحداثة، وهو ما قامت به الفنانة نرمين سعيد في اسكتشات التحضير لشكل ونوعية ملابس الفتيات، من حيث الموديل وطبيعة ونسب الألوان، التي تتباين حسب كل شخصية من الشخصيات على حدة. النهج نفسه نجده في تصميم الفنانة نهلة مرسي لديكور مسرحية «بئر السقايا»، التي أخرجها أشرف النوبي. البئر التي تتصدر المشهد المسرحي، والسلالم الحجرية والأسوار المُلتفة التي تحيط المكان، ليبدو كالمتاهة.
هذا تناول لبعض الأعمال في المعرض، وإن كانت السينوغرافيا الآن أصبحت تمتد وتشمل جميع العروض الأدائية، من دون الاقتصار على المسرح. فالأمر أشبه بتفكيك النص وتحويله إلى لغة بصرية تؤكد المعنى الدرامي للعمل وتوحي به، هذه اللغة التي تشمل كل ما تقع عليه عين المُشاهد داخل الكادر/اللقطة/المشهد المسرحي.

جماليات التشكيل في الفضاء المسرحي
معرض مصممي السينوغرافيا الثالث في القاهرة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية