جمال الغيطاني بين حفظ التاريخ وابتكار اسلوب جديد للقص

حجم الخط
0

القاهرة ـ «القدس العربي» : نعى عدد من الكتاب والنقاد الكاتب جمال الغيطاني، الذي وافته المنية عن عمر يناهز الواحدة والسبعين، في المستشفى العسكري في القاهرة، حيث قال صلاح فضل: فقدنا واحدا من بناة الأدب العربي الحديث، ومن حاملي راية الإبداع بعد الجيل الرائد الأول. كتب مدونات التاريخ لأنه تغلب على تجربة السجن المريرة عن طريق حفظ التاريخ وابتكار أسلوب جديد للقص، وهو أسلوب المدونات. وكان يحاكي الأحداث باقتدار وهذه نقطة أساسية، وكان هو المنطلق لأسلوب الغيطاني في المجال الأدبي، ويظهر هذا جليا في كتاب «التجليات» الذي صدر في أجزاء ثلاثة، نرى فيه روح الغيطاني وقصة المرحلة الناصرية بأكملها وقصة الحياة المصرية الدقيقة وكل ذلك محفور بمنتهى السلاسة.
وأضاف فضل: الكاتب الذي ينجح في القبض على الشخصية والسمات الأساسية المكونة لها، ويقبض على ذرات التاريخ ويجسد روح هذا الوطن وضميره الحقيقي فلابد أنه نجح في تمثيل وطنه. «التجليات» يتجسد فيه هذا الإنجاز العظيم، كان صحبني مرة لنزور زقاق المدق، ووقف أمامي لمدة ساعتين ليشرح لي تفاصيل هذه المساحة المحدودة التي لا تنال هذه القيمة. واعتقد أن الغيطاني أصل لأدب المكان.
 وعن لغة الغيطاني قال فضل: في أعماله الأخيرة «متون الأهرام» .. «دفاتر التكوين».. ارتقى بلغته الشعرية إلى مستوى يضارع في قدرته تجسيد جماليات اللغة العربية. يمكن أن يشكل معجما خاصا بلغته بداية من «التجليات»، ويضيف انه لم يسبق للجيش المصري أن نعى كاتبا، لكنه نعى اليوم الغيطاني لأنه بادله محبة بمحبة وتقديرا بتقدير. دخل ذاكرة وطنه وأمته دخل تجليات الخلود فيه من أوسع الأبواب.
الكاتبة والناقدة أماني فؤاد قالت، إن الغيطاني ليس مثل المتصوفة العادية لكن عينيه طول الوقت على الواقع، وعن كتاباته قالت: أبرز علاقة البشر بالحجر، فمن خلال الحجر استطاع رسم التجليات الإبداعية، وكان يقف على كل المشاهد البسيطة ومزج بين فنون الحضارات المختلفة ونفض بإبداعه التراب عن هذا التراث ليبرز جمالياته، كما كان يستخرج شخصيات هامشية ليست في متن التاريخ، ويبدأ نسج هذه الشخصية مثل شخصية الزيني بركات، قدرته على سرد التصوف، كتابة المنمنمات محاولة لاستجلاء المخلوقات الخبيئة. 
وأضافت أماني: اعرف عن الغيطاني أنه كان يظل يقرأ في بعض المراجع بالشهور، وتجلى في كتاباته نوع من التداخل مع الإنسانية، حيث تميزت لغته بكونها مزجا من لغة التاريخ ولغة المتصوفة، ولم يطغ على اي كاتب أو صحافي عمل معه بشخصيته، وإنما كان يعرف مميزات كل كاتب ويشجعه. وشعرت اليوم أنه يمكن أن نفقد أشخاصا يجعلون الزمن أجمل.
وقال مصطفى الضبع، استاذ النقد الأدبي الحديث، إن الغيطاني كان يكتب بقدر ما يقرأ، وإنه قرأ التراث قرأ الأدب العالمي قرأ الأحجار، وحين كتب كان هو الغيطاني نسيجا متفردا. وعن تجربته الشخصية مع الغيطاني قال الضبع: بدأت اكتشف الغيطاني في فترة الثمانينيات وأنا في الجامعة، وكان مثلى الأعلى وفي عام 1992 كنت أعيش في حلوان، وهو أيضا وكنت أراه في المترو، ووجدته يفعل كما أفعل، كنت أراه يجلس من أول الخط يقرأ وحفظت بعض العناوين التي يقرأها وفي يوم عرفته بنفسي، وصدرت أول مجموعة قصصية لي هذا العام، وذهبت له بها وكلف صحافية كبيرة أن تجري حوارا معي. وكان لديه مكتبة غير موجودة عند كبار الأكاديميين .
وتابع الضبع: نجاح الكاتب بالنسبة للناقد في أن يمده بالجانب المعرفي، وهذا ما تفعله النصوص العظمى. وتحدث الضبع عن الطريقة التي كان يكتب بها الغيطاني وكيف كان يكتب عن أبطال الحرب بدقة، وكتب عملين «حكايات الغريب» و»الرفاعي» الذي لم يكتب عنه أحد غير الغيطاني، إذا أردتم أن تتعلموا النقد تعلموا قراءة اللوحات الصامتة، وقد قدم الغيطاني برنامجا كان يقف يتأمل اللوحة ويقرأها فقراءة الصامت غير الناطق يمكن أن تكشف لك الكثير.

 رانيا يوسف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية