جمال الغيطاني: جوهر الوجود في أدب الإشراق البهي

تُحلِّقُ اللغة في رواية «الزيني بركات» للروائي المصري الراحل جمال الغيطاني، وتلتف الأصوات، وتتعدد، مُكَوِّنةً ضفيرة معنوية ودلالية، وشبكة رمزية تقول الوجود، وتفضح الأُلَى صنعوا العجز المصري، والكبح الاجتماعي لغاية تأهيل زمرة من المتكرشين والبطون المدلاة التي اسْتَفَّتْ آخر قطرة دم لشعب يشقى ويتعب، ويتحمل استمرار اسم الدولة/المدينة كعنوان ملتبس على مواصلة الحضور العمراني الضارب، والحضاري التليد والمتجدد على رغم البؤس العام، وانتشار «الغلابة» في كل مكان، وفي بر، وبحر وجبل العالم العربي.
تشتغل اللغة في هذه الرواية كما في رواية «التجليات» من ثلاثة أجزاء، وفي «دفاتر التدوين» و«هاتف المغيب» وفي مجموعته القصصية اللافتة والرفيعة في دنيا القص العربي، والسجل السردي البديع والبهي، الموسومة بـ»مقاربة الأبد»، والتي أحب أن أشبهها في بعدها التأملي الباطني، وجوانيتها، وجوهرها المعرفي، والوجودي، والميتافزيقي، بـ»جدارية» محمود درويش، «معلقة الموت» الشاهقة في الشعرية العربية، والعالمية الحديثة والمعاصرة.
تشتغل اللغة اشتغالا نَبْضِياً ذاتياً، وجمعياً متفاوتا، إذ في «الزين بركات» في «التجليات»، كما في باقي ما دبَّج ورقَّش ونقش الغيطاني، تُسائل اللغةُ اللغةَ ما يعني أنها تتيح المجال لِمُنْعَقدها التركيبي، وانعكاسها النفسي، وتعبيرها الداخلي بما هي خيط أفكار، ورؤى، ومواقف، تحتاز وجوداً مادياً، ووعاءًـ ناطقاً مرئياً وملموساً؟ وبعبارة أوضح، يكشف المتن الروائي للغيطاني، وسجله السردي الحافل، عن حرقة، وشوق وتشوق لتسطير الجديد والحديث والقشيب، بعيدا عن «معطف» نجيب محفوظ، قريبا من الذات المكلومة صاحبة التوقيع، والنظر، والتعبير. أيّ رابطة ومربوطة بصاحبها وبأسلوبه الخاص وتوقيعه الذاتي، واستعلان أناه في كتابة مكتوب مغاير، وصوغ رؤية ترشح دماً، ترفع شَكَاتَها جهراً، وتقول عذابات المصري والعربي كما ينبغي أن تقال، أو كما يَرْتَئيها الروائي ويصبها في القالب القولي المخصوص، والوعاء السيميائي المدروس. وفي هذا ما يَشِي بتصميم جمال الغيطاني على الخروج من رِبْقَة المحكي لـ»محفوظ»، ومجايليه هو بالذات كمثل: صنع الله إبراهيم، وسعيد الكفراوي، ومحمد البساطي، ومكاوي سعيد، ورضوى عاشور، وإبراهيم أصلان، ومحمد مستجاب، وخيري شلبي، وآخرين وأخريات. أما الذي صنع المفارقة، وحقق لمنجز الغيطاني الإبداعي، الصولة والتميز والتفرد، ورفعه من حيث وَضَعَ آخرين سَامتُوهُ، فهو غوصه في التراث غوص الخبير المجرب الذي يذهب مباشرة إلى المحار المحتضن للؤلؤ، فيصْطَفِيه، ويزين به عقد نظره وفكره، ورأيه، وأسلوبه، ولغته من دون أن تطغى «الرطوبة» التراثية على وميض الحياة في عيون اللحظة الراهنة، والواقع الحي المَوّار، والمشهد المجتمعي الذي ينغل بالصراعات، والتناحرات، والأغلال، والشظف، واللصوصية، والاستبداد المقيت، والطغيان السياسي العاتي.
هو ذا رهان الغيطاني المكتسب الذي صار به إلى «ماركة مسجلة» ودَمَغَ به وجوده الأدبي، وأدب وجوده. ثم هناك، انغراسه في أتون «الواجب الوطني»، مراقبا ومتتبعا، ومنخرطا، ومُدَوِّنًا، ومسجلا يوميات الحرب العادية مع العدو الإسرائيلي، والحرب الاستنزافية كذلك. ولعل نار المعركة الحضارية والوجودية إياها، ورمضاء الرمال الحارقة في سيناء، والجبهة، انتقلا إلى الكتابة الغيطانية، وَوَسَمَاهَا بجمالية الإفضاء النفسي والإبداعي، ورهبة الموت الذي يُدَوِّمُ فوق الرؤوس في كل لحظة وحين، وشوك الغربة والانفصال، والتخَنْدقُ وراء سور منيف يصنعه الأدب والفكر، والانصهار مع الدم المسفوح، والموت المعلن.
هي كتابات بالجمع يتحكم فيها الوعي اللغوي والأدبي والسردي بإسراف، ويثوي خلفها البناء المتين، والعمران الثقافي بمعناه المادي والرمزي والمعنوي. تؤثها سيرة الأمكنة والناس من كل معدن، وتاريخ وشجرة، وتتخللها بشكلـ لا أَمَتَ فيهـ لغة مشذبة، شذرية حيناً، متلَوْلِبة أحياناً، وشاعرية في كل الأحيان، كما لو أنها قصائد نثر مرقومة تزركش المتن بل يتأسس المتن السردي عليها طلباً للإضافة النوعية، ونشداناً لجلب الجمال، والفن، والمتعة إليها.
جديد الغيطاني قديم معتق لأنه حافظ على شكل وخصوصية الحكي العربي، سعياً إلى إعادة خصوصية السرد العربي، أَيْ سعياً إلى رسم الفرق مع الرواية ذات البناء الغربي، وإحياءً لنبض مرويات تاريخية مخترقة للزمكان، يكفي أن تتوافر لها يد خبير، ومهارة روائي استثنائية، لتتقدم الجبهة، وتنبئ ـ من كان في حاجة إلى إنباءـ أن لكل إبداع وفن، وسرديات بعامة، خصوصيته وعبقريته وفرادته.
وأحسب أن الغيطاني حقق الفرق، والخَرْق، والفَتْق من حيث البناء اللغوي لجلّ رواياته وقصصه وحفرياته الإبداعية والمعرفية، والتركيب الفخم القوي لأوصال «معروضاته» الإبداعية، ومسروداته التاريخية والواقعية، وتجلياته الشعرية والصوفية والعمرانية والموسيقية.
ومن سمات إبداعه الفارقة أن رواية كـ»التجليات» مثلاً، تقرأكَ قبل أن تقرأها على رغم تدويمها، ما يعني أنك لست في حاجة إلى البحث عن الصفحة التي وقفت عندها وأنت «تلتهم» عسل الرواية «وتتنشقّ» بخور جينالوجية وجذور مستندها، ومتكئها ومرعاها. ولك أن تقرأ العمل الإبداعي الفذ هذا، من أي نقطة قادتك يدك إليها، فكأنك تستأنف كلاما لم يكتمل، أو تبدأ حديثا مرتقبا، ومطلوبا من محاور خفي، يسكن تلابيب السطور ويضع طاقية سحرية على أخاديدها، ومنحنياتها، ومنعرجاتها، ودروبها الغامضة المنداة بعبق الإشــــراق والوجد لرجال الملكوت، ومـلــح المد والجزر، للنازلين في نشوة وشطح، للعوالم السفلية.
فاللغة مهيمنة وسيدة، واقفة عارية بهية كشجرة الصبّار في البراري البعيدة الزرقاء، والوديان المجدبة، أو بستان يعج بالطيور من كل لون وجنس، وبالشجر من كل فسيلة، وسلالة، وصفة.
اللغة مكسوة بريش الاستعارات، مثقلة بمطر البهجة القادم من سماوات الغبطة، وكواكب خارج مدار الشمس، ومترعةـ بما لا يقاسـ بجراح الذات، وكلومها، وجراح الوجود الموجود، والماوراء المفقود.
أما مجموعته القصصية «مقاربة الأبد»، فهي بين المجاميع القصصية العربية ثمينةٌ ومتفردة، أَلْمَاسَةٌ تخطف، لا عهد للناظرين بها. تقول كاتبها، الغيطاني، سرداً ووصفاً وتداعياتٍ، وتعبر عنه، عن حاله الوجودية ببلاغة فذة، بعيدة عن التكلف والتحذلق بوساطة أسلوب رفيع النسج والثنايا، وإشارات وعلامات تنم عن قدرة على القص المحكم المقتصد، والحكي الجميل المؤثر المتقشف، على عكس ما عرف به من فيض ودفق لغويين في رواياته وسروده الأخرى. إنه ينشر حقيقة الموت بما هي الحقيقة الأوحد والأقوى والأشرس، فكأن الموت، أو رهبة طيفه وحضوره، أصاب اللغة بالقبض والاقتضاب البليغين. في المستشفى، أو ممدداً على سرير الجراحة: سلسلة متواصلة من الصور، والذكريات، والتداعيات، والأطياف. لحظات سوداء من البرد والعـــزلة، وانهمار الذكريات، ذكريات الطفولة البعيدة والأم الرؤوم، وواقع ما يرى: الممرضات وهن يملأن عينيه بهجة، وأحلامه تورداً، وموته، إنْسَاءً وإرْجَاءً.
لكن الغيطاني كصديقه محمود درويش، علا وسما وهو يقترب من موضوعة الموت، علماً أنه المقصود والمستهدف من قِبَلِ الموت لا غيره. وإذا كان الإنسان يطير فَرَقًا من فكرة الموت، والخوف من الذهاب إلى التلاشي والعدم، مخلفا وراءه مباهج الحياة وملذاتها وشهواتها، وهو بعيد عن الموت، يفكر فيه حَسْبُ، فكيف بمن خبر الموت وزاره، ورافقه، وهدده بالاستئصال، والاختطاف، والإنهاء، والتسوية بالتراب؟
من هنا، يسمق الغيطاني الإنسان، ويعلو كعبه في إبداعية إبداعه المسربل بـ»رائحة الميتافيزيقا» الذي ينعى الموت ولا ينعى نفسه. غير أن الموت، هذا الموصوف بـ»هادم اللذات، ومفرق الجماعات» سيموت بدوره، إذ ورد في الحديث: «يؤتى بالموت كهيئة كبش أملح، فينادي مُنَادٍ: يا أهل الجنة فيشرئبون، وينظرون، فيقول: هل تعرفون هذا؟، فيقولون: نعم، وكلهم قد رآه. ويقال لأهل النار مثل ذلك، فيذبح. ثم يقال: «يا أهل الجنة: خلود فلا موت، ويا أهل النار خلود فلا موت».
أما قَبْلُ: لقد رحل الغيطاني.. امتطى جواداً أبيضَ بقوائم بنفسجية، عائم في المرجانية، والزرقة النيلية، وانقذف في غضارة الملكوت، تصحبه موسيقى أندلسية من مقام الرصد، و«غريبة الحسين»، و«رمل الماية»، تلك الموسيقى التي كان يعشقها، ويهيم بها، ويؤرجحه بين الغيوم، صوت المرحوم الحسين التولالي سيد الملحون، إذ هو من طلب الرفقة الحمـــيمة في الوحشة المســـتديمة. لكن نبض فكره، وضوء لغته، وسطوة حكيه، وفَارِه نسجه، وبديع توقيعاته، سيستمر ساكناً التلقيات الحاضرة والقادمة.
فالغيطاني لم يعد يقارب الأبد، لقد دخله الآن، ليقيم فيه إلى الأبد، مشعاً.. نورًا يتلامع، ويتلامح وَامِضاً وسط سجف الغيب، وأستار الماوراء والظلام.

جمال الغيطاني: جوهر الوجود في أدب الإشراق البهي

محمد بودويك

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية