القاهرة ـ «القدس العربي»: كان الرسم هوايته الأولى منذ صباه فقد التحق على أثرها بمدرسة الصنايع الثانوية وتخرج فيها بعد ثلاث سنوات، ثم ما لبث أن عمل في المؤسسة العامة للإنتاج التعاوني كمصمم مشروعات، بوصفه متخصصا في التصميمات الفنية والزخرفة.
من هنا كانت أولى محطات جمال الغيطاني الإبداعية، حيث الصلة وثيقة بين الابتكار الفني والإبداع القصصي والروائي، وكعادة الفنان كان التمرد أحد السمات الرئيسية للقاص الناشئ المحب بطبيعته للفن والموسيقى والصحافة والكتابة، إذ لم يمثل وقوفه عند حدود الدراسة الثانوية الفنية وعدم وصوله إلى التعليم الجامعي أي عائق أمام طموحه المتصاعد، بل لعله كان الحافز الرئيسي في أن تتمدد مسيرته الإبداعية فيصبح قاصا وروائيا بامتياز، يطاول في قامته وهامته الكبار من المبدعين الرواد، ويصبح في ما بعد راويا لسيرهم وشاهدا على مشوار كل منهم.
لقد كتب الغيطاني من بين ما كتب مجلدات زاخرة بآيات النبوغ لدى من سبقوه وتعلم منهم، وأقتدى بهم، فكانت شهادته المهمة توفيق الحكيم يتذكر، ونجيب محفوظ يتذكر، ومصطفى أمين يتذكر، حيث لم يترك تفصيلة من ذكريات هؤلاء الكبار إلا وأحصاها وربطها بدلالتها وظروفها في سياق بديع له خصوصية الفكر والفن بلغة مبتكرة وجذابة وساحرة دلت في متنها على بصيرة الراحل، وإدراكه لأهمية ما يمتلكه من كنوز تمثلت في حكايات وروايات وذكريات ومواقف شكلت رؤية أجيال ارتبطوا بإبداعات الحكيم ومحفوظ ومصطفى أمين، ورغم أن الأخير جاءت تجلياته الفكرية والإبداعية في مدار آخر يختلف نسبيا عن أجواء الأدب ويتعلق أكثر بالصحافة وكواليسها ورجالها وأزمنتها، إلا أن جمال الغيطاني أعتنى كثيرا بكل ما جاء في حياة الصحافي الكبير مهما أو عارضا، ونسج منه إبداعا موازيا، يتساوى في قيمته مع ما ورد في حكايات توفيق الحكيم ونجيب محفوظ، ولم يكن مجرد ناقل لحياة غيره ومسيراتهم، ولكنه كان موهوبا صادق الموهبة على المستويين الصحافي والإبداعي، فهو القاص المدهش والروائي البارز غير المقلد لمن سبقه، والصحافي المحارب في مواقعه ومواقفه، عمل مراسلا حربيا في حرب أكتوبر/تشرين الأول 73 فأكتسب خبرات الكتابة الوصفية لما يحدث على الجبهة، ونقل بدقة تفاصيل المعركة إلى عموم الشعب وبات لسان حال الجنود والضباط متأثرا بحماسهم وحياتهم وصلابتهم، يعيش يومياتهم أولا بأول، لذا فقد خاض معارك موازية على الجبهة الأخرى في بلاط صاحبة الجلالة، وخرج من معظمها منتصرا ظافرا، وتحمل بجلد شائعات المجتمع الصحافي، لا سيما أثناء توليه رئاسة تحرير مجلة «اخبار الأدب»، حيث شنت ضده حملات هجومية من الذين لم يستكتبهم أو يعترف بمواهبهم، أو يؤيدهم في ما يعتقدون في أنفسهم، ولهذا ظل جمال الغيطاني طوال حياته مختلفا عليه عظيما في نظر الأغلبية ضئيلا في نظر الأقلية، الرجل الذي أفنى وقتا وجهدا في الكتابة والإبداع وحفظ التراث ونال ما يستحقه من الأوسمة والنياشين والتقديرات اللائقة به، وترجمت له قصص ورايات بلغات متعددة من بينها الألمانية والفرنسية، ولم يحظ بذلك إلا بعد حصوله أيضا على ما يستحق من التقدير المصري والعربي، فقد نال جائزة الدولة التشجيعية والجائزة التقديرية ووسام العلوم والفنون وجائزة العويس وكلها محصلات للمبدع الذي تجاوز وقته وأوانه وعاش منذ ألف عام وهو تنويع على ما كتبه في أوراق تحمل العنوان نفسه.
وبالقطع ليست هذه الأوراق هي أهم ما كتب وإنما جاءت ضمن ما أبدعه علامة بارزة إلى جانب علامات أخرى مثل نهاية السكير ومنتهي الطلب إلى تراث العرب وشطح المدنية ونوافذ النوافذ ويوميات القلب المفتوح وسفر الأسفار وخطوط فاصلة ورسالة في الصبابة والوجد ورسالة البصائر والمصائر، إلى أخر السلسلة الطويلة الممتدة المتنوعة والفارقة ما بين القصص والروايات والكتابات التسجيلية التوثيقية كالمجالس المحفوظية، التي ضمنت أهم ما جاء في جلسات أديب نوبل نجيب محفوظ، عبر سنوات تحلق حوله فيها الأصدقاء والمريدون والمحبون الذين كان من بينهم الكاتب الراحل الكبير صاحب الرواية الأشهر «الزيني بركات» التي تحولت إلى مسلسل تلفزيوني بديع الحلقات وأيضا صاحب فيلم «حكايات الغريب» للمخرجة إنعام محمد علي، المأخوذ عن إحدى رواياته أيام الحرب المجيدة في العاشر من رمضان السادس من أكتوبر.
وفي تقديري أن السينما والتلفزيون ووسائط الإبداع المرئي والمسموع لم تستفد كما ينبغي أن تكون الاستفادة من أدب الغيطاني، ولكن تظل الفرصة قائمة لمن يريد أن ينهل من إبداعه المكتوب ويحيله إلى صور مرئية وناطقة على الشاشة للإثراء والتأصيل والتوثيق.
كمال القاضي