بغداد ـ «القدس العربي»: لم تكن الحروب ولا الاحتلالات التي مرَّت على العراق منذ أكثر من ثمانية قرون أكثر سواداً مما مرَّ به خلال عامي 2014 و2015. فخلال هذين العامين شهد سكانه القتل والتهجير وتجريف البيوت والأراضي ما لم يشهده على طول تاريخه.
دخول ما يعرف بتنظيم الدولة لنينوى والأنبار وصلاح الدين وغيرها من المدن العراقية غيَّر من تاريخ تلك المدن، وبالأخص مدينة الموصل وضواحيها، ففجر التنظيم أقدم جامع فيها، وهو جامع النبي يونس، ومن ثمَّ جامع النبي شيت، وصولاً إلى الثامن من شهر آذار/مارس من هذا العام 2015، إذ جرَّفت مدينة الحضر التي تعدّ أول مدينة عربية في المنطقة.
الحضر أو «عربايا» نسبة إلى اللغة العربية التي انبثقت من اللغة الآرامية التي كان الحضريون يتحدثون بها – بدأت بالبروز في القرن الأول الميلادي، إثر زوال الدولة الآشورية والبابلية وتنامي دور القبائل البدوية الآرامية والعربية. في حين كانت نهايتها لأسباب دينية وعسكرية، إذ زالت أهميتها كموقع دفاعي عسكري.
بنيت الحضر كمدينة مستديرة تقريباً، قطرها حوالي الكيلومترين، يحيط بها خندق عميق محكم الجانب كما يحيطها سور مدعم بـ163 برجاً، ويتكون هذا السور من جدارين عرض كل منهما 3م و2.5م وبينهما مسافة 12م عند البوابة الشمالية. كما وجد خط ترابي يلف المدينة من جميع الجهات على بعد نصف كيلومتر خارج السور ولا يعرف إن كان سوراً خارجياً أم أنه حلقة أحكم بها العدو حصاره للمدينة، ويقع على أطرافها عدد من القلاع. كان شعار الحضر هو الصقر، وهو يمثل قوة وهيبة المدينة التي يحكمها آل نصر الأقوياء. اشتهرت الحضر في زمن جذيمة الوضّاح الأبرش والذي اغتالته الزباء ملكة تدمر.. وقد حكمها على مدى تاريخها أربعة ملوك، هم: الملك ولجش (158- 165م)، الملك سنطروق الأول (165- 190م) وهو أخو الملك ولجش. ولقب بـ»ملك العرب» بحسب ما أوضحت النقوش القديمة في مباني الحضر، الملك عبد سميا (190- 200م) وهو ابن سنطروق الأول، وأخيراً الملك سنطروق الثاني (200-241م) وهو ابن عبد سميا. سكان الحضر كانوا وثنيين يعبدون اللات وشمش «الشمس» وقد اختلف حول اسم الإله شمش وجاء بعدة مسميات عند العرب قبل الإسلام، فهو من الآلهة التي عبدتها العرب منذ القدم في شمال شبه الجزيرة وجنوبها. وقيل إنها كانت إلهاً ذكراً عند العرب. أما بعل سمين أو «بعل شمين» فهو آلهة شبيهة عند عرب الجنوب وهو رب السماء عند العرب الجنوبيين الذين أخذوا عبادته من العرب الشماليين. ومن ثمَّ تحولوا إلى الديانة المسيحية وغدت دولتهم دولة دينية تحكم بحكم ديمقراطي إذ يحق للكل إبداء رأيه.
وبما أن الحضر كانت تعتنق عبادة الكواكب، فإن ظهور المسيحية وانتشارها في العراق ثم تسربها بين القبائل البدوية الآرامية والعربية هبوطاً حتى شمال الجزيرة العربية، أدى إلى فقدان الحضر دورها الديني السابق ولم يبق لكعبتها وتماثيلها أية أهمية. وقوع الحضر كمركز تجاري ساهم في تعدد العبادات فيها، حتى كان الحضري يتعبد جنباً إلى جنب مع أناس من أديان وأقوام مختلفة، وهنالك نصب لآلهة عراقية واغريقية وفارسية ورومانية وعربية. إضافة إلى تمتع المرأة في حياة الحضر بدور متميز يتجلى في ناحيتين، أولهما أهمية الآلهة الأنثوية في عبادتهم، ومن ثمَّ أهميتها في الحاشية الملكية من ملكات وأميرات.
عرفت الحضر بأنها ملتقى العديد من الحضارات، إذ ازدهرت فيها التجارة نظراً لوقوعها على خط القوافل الممتد من جنوب العراق والجزيرة العربية والخليج إلى بلاد الشام ثم البحر المتوسط. موقعها هذا جعلها بوتقة لتأثيرات حضارية عديدة انصهرت لتبرز بأسلوب جديد جلي واضح لا يخفى تأثير الشخصية الحضرية المميزة والخاصة بها. وهذا بدوره أدى إلى الانتعاش الاقتصادي ما نتج عن فن عمارة متقدمة مع تقدم مواز له في كل نواحي الحياة الفكرية والحضارية.
صفاء ذياب