أخطر ما في جنازة شمعون بيريز أنها كانت في مدينة القدس المحتلة، أي أنها مناسبة إسرائيلية رسمية نظمها الاحتلال في المدينة التي يكافح الفلسطينيون منذ عقود من أجل تثبيت أنها عاصمتهم التي لا يمكن التنازل عنها، وهي المدينة التي ضحى ياسر عرفات بدمه من أجلها عندما رفض التوقيع على حل نهائي في «كامب ديفيد» عام 2000 وأبلغ كلينتون حينها بأنه يريد أن يموت في أحضان شعبه، فكان له ما أراد.
أربع دول عربية، إلى جانب السلطة الفلسطينية ورئيسها محمود عباس، شاركوا في جنازة بيريز في القدس المحتلة، ومن بين هذه الدول الأربع واحدة يحكمها حزب يدعي انتماءه الفكري إلى الاسلام السياسي، وأخرى يحكمها جيش خاض ثلاث حروب مع إسرائيل.. أما الأسوأ من الدول الأربع فهو وزير خارجية البحرين الذي يترحم على بيريز أمام جمهوره على «تويتر» بينما لم نسمع أي تعليق منه طيلة الحروب الاسرائيلية الثلاث التي أمطرت قطاع غزة بقنابل الفسفور الأبيض.
تنكشف يوما بعد آخر عوراتُ السياسيين العرب، ونجد في تلك الجنازة جملة من التناقضات والمفارقات التي تستدعي التوقف والتأمل؛ ففي جنازة بيريز بكى الرئيس عباس وذرف دموعه حزناً على الراحل الذي بدأ ارتكاب الجرائم منذ كان عضواً في عصابات الهاجاناه قبل عام 1948، وبينما لم يتذكر عباس جرائم «الراحل الكبير» فإنه لم يجد أيضاً الوقت الكافي ليزور ضريح الشهيد محمد الدرة، الذي كان الفلسطينيون يحيون ذكرى استشهاده في الثلاثين من سبتمبر، أي في اللحظة نفسها التي كان فيها عباس يشيع بيريز ويبكي عليه!
أما وزير الخارجية المصري سامح شكري، فقد كان قبل سنوات قليلة قد أشبع المصريين شتماً بالرئيس السابق محمد مرسي لأنه كتب لبيريز عبارة (عزيزي بيريز)، وكانت وسائل الإعلام قد شاركت في «زفة التخوين» التي أقيمت لمرسي لأنه بعث برسالة إلى بيريز، كما كان شكري قد ألقى بمايكروفون قناة «الجزيرة» أرضاً لأنها – أي القناة- «اسرائيلية».. وإذا بنا نراه يُزاحم المشيعين ليودع بيريز، إذ يبدو أنهم لم يقولوا له بأن بيريز «إسرائيلي» أيضاً، وأنه هو ذاته الذي قال له مرسي «عزيزي».
المفارقة الثالثة التي شاهدناها في جنازة بيريز هي أن المغرب شارك، وهو الدولة العربية الوحيدة التي يحكمها حالياً إسلاميون، ذلك على الرغم من أن مشاركتها هي أهون البلاء، حيث أن مستشاراً للملك (ليس له منصب حكومي) هو الذي شارك في الجنازة، وهو المستشار أندري أزولاي ذو الأصول اليهودية، كما ذكرت وسائل الإعلام المحلية. مشاركة الدول العربية، ومعها السلطة الفلسطينية، في جنازة بيريز تمثل تجاهلاً لقضية القدس التي هي جوهر الصراع العربي الإسرائيلي، كما أنها تمثل استخفافاً بمشاعر العرب والفلسطينيين الذين ولغ الرجلُ في دمائهم وكان من المفترض أن يقف أمام المحكمة الجنائية الدولية ليُسأل قبل أن يتم تشييعه كبطل ورجل دولة، فضلاً عن أن الدول العربية التي تقيم علاقات مع تل أبيب كان ينبغي عليها أن تطلب من إسرائيل دفن الرجل خارج مدينة القدس على كل الأحوال.
خلاصة القول هو أنَّ جنازة بيريز كشفت مزيداً من عورات العرب وتناقضاتهم، وكشفت كيف يتسابقون لنيل الرضا من تل أبيب ولو على حساب مصالح الأمة العليا، فيما تُشكل المشاركة العربية في مناسبة اسرائيلية بالقدس قبولاً بالادعاء الاسرائيلي الذي يزعم بأنها عاصمتُهم.. أما المشهد الأكثر إيلاماً في الجنازة فكان دموع عباس التي ذرفها على بيريز وما ذرفها على شهدائنا في الضفة وغزة.
كاتب فلسطيني
محمد عايش