جنرالات الشاشة الصغيرة… إذا فاتك الميري!

حجم الخط
5

لا يمكن لأحد أن يحصي عدد المرات التي ظهر فيها «ثروت جودة» عبر فضائيات الثورة المضادة، وقد جرى تقديمه على أنه «اللواء، وكيل جهاز المخابرات سابقاً»، لكن هذه المرة الأولى التي يتم فيها الإعلان عن أنه ليس «لواء»، ولم يكن يوماً في حياته «وكيلاً لجهاز المخابرات».. فكم «لواء» ليس بـ «اللواء»، ويجري ذكر اسمه مسبوقاً برتبة «اللواء»، ويتم التواطؤ بالصمت، لأن منتحل رتبة «اللواء» يعمل في خدمة الانقلاب، الذي يؤمن رئيسه بتأثير الإعلام وأهميته!
«ثروت جــــودة» كان قد تحـــدث لجريـــدة «الوطن» بصفته «اللواء، الوكيل السابق لجهاز المخابرات»، عن أن الجهاز لم يتعاون مع الرئيس محمد مرسي، ولم يمده بوثيقة واحدة، وكان يضللـــه بمده بمعلومات خاطئة، لإيمانه بأن الرئيس عميل لدول ومنظمات أجنبـــية.. إلى آخر هذا الكلام، الذي أثار جدلاً واسعاً خلال الأيام القلـــيلة الماضـــية، ولم يوقفـــه سوى سفر السيسي في زفة لنيويورك، وإلقاء خطابه في الأمم المتحـــدة، فانصرفت أبصـــار الفضائيات نحو الاجتماع، وأسرفت برامج «التوك شــو» في الحديث عن هذه الخطوة «التاريخية».. ومن المعلوم أن كل حركات السيــسي وسكناته «تاريخية»!
فضائيات الثورة المضادة انشغلت بنقل هذا الحدث، وبعض مقدمي برامج «التوك شو» فيها سافروا إلى هناك ضمن «الفرقة الموسيقية» لرئيس الانقلاب، ونسجت قصص تشبه قصص الخيال العلمي عن أهمية زعيمهم المفدى في المنطقة، لدرجة أنه تم تصوير الرئيس أوباما بأنه طلب، وألح في الطلب، أن يلتقي بالرئيس السيسي. وإحدى الصحف قالت إن أوباما سيتعلم الدرس الأول من السيسي، على نحو كاشف بأن من لم يقم أبوه وأمه بتربيته فالسيسي سيتولى ذلك نيابة عنهما.
الفضائيات الأخرى انشغلت بهذه الزيارة أيضاً، مع أن الرئيس محمد مرسي سافر للأمم المتحدة، وألقى خطاباً فيها، ورفض مقابلة أوباما على هامش الاجتماعات، ومع ذلك لم تصحبه فرقة موسيقية إلى هناك!
ما علينا، فقد طلع علينا «اللواء» رأفت شحاتة المدير السابق للمخابرات العامة ليفيد أن «جودة» ليس «لواء»، وأنه مجرد «عميد»، وقد تقاعد في سنة 2006. وقد قرأت على صفحة «ثروت» على «الفيس بوك» وهو يتهم «الوطن» بتحريف كلامه، ويقول إنه خرج من الخدمة في سنة 2009، وبالتالي فلا دراية له بما كان يحدث داخل الجهاز في فترة حكم الرئيس مرسي. لكن الجريدة أرته العين الحمراء، وطالبته بالصمت وإلا فسوف تضطر لبث الحوار مسجلاً، فبُهت ووجد في انشغال الإعلام بالزيارة الميمونة للسيسي فرصة لطي الملف، الذي لا ينبغي أن يطوى!
اللافت أن الرتبة العسكرية، التي يدعيها «ثروت جودة» لنفسه، والموقع السابق، قد تم تقديمه بهما تلفزيونيا عشرات المرات، وبعض «اللواءات» الذين ليسوا بـ «اللواءات» في ساعة الجد، سيقولون إنهم لم يدعو ذلك، ولا ذنب لهم في ما يفعله الإعلاميون.
وأعرف أن أحدهم لم يكن يوقع مقالاته أبداً بالرتبة العسكرية «اللواء»، لكنه كان يغضب إذا قام مسؤول النشر بالصحيفة بعدم التطوع بكتابة الرتبة. فعند ساعة الحساب على هذا التزوير، يكون الرد أنه لم يكتبها!

اللواء زاهر

لا أعرف حقيقة عدد الجنرالات، الذين يتم استضافتهم تلفزيونيا بهذه الصفة دون أن يسبق لهم حملها، لكن تكمن المشكلة، في أن السكوت على هذا الادعاء مرده إلى أن منتحل الرتبة، يؤدي مهمة لصالح الانقلاب العسكري، وفي رتبة «اللواء» ما يعطي لكلامه قيمة، باعتباره خبيراً عسكرياً جهبذاً، ولن يتم نفي الرتبة إلا إذا وضع «اللواء التلفزيوني» كفيله العام في حرج، عندها يتم نفي الرتبة!
ولدينا ظاهرة محمود زاهر، الذي يقدم في الفضائيات المختلفة على أنه «لواء»، مع أن معلوماتي أنه أحيل على التقاعد برتبة نقيب، وفي بداية عمله.. لنقف على ما جناه الانقلاب على هيبة الرتب العسكرية العظيمة، التي ليست هكذا في الشرطة، وقد جاء للصحف تعميم شفوي مشفوع برجاء خاص من مكتب حبيب العادلي، وزير الداخلية، عندما بدأ يشعر بوجوده، يطلب عدم كتابة رتبة «اللواء» في التعامل مع الوزير، واستبدال «السيد» بـ «اللواء»، وعلى غير المتبع مع وزراء الداخلية السابقين.
وسألت عن سر هذه التواضع، فقيل لي إن هناك عدداً كبيراً من «اللواءات» في الخدمة وخارجها، لكن لا يوجد سوى وزير داخلية واحد، و»السيد» هو اللقب اللائق، ولم يكن عندنا سوى «السيد» رئيس الجمهورية، و»السيد» صفوت الشريف. والأخير خرج من الخدمة «رائداً» لذا فقد كنت أخاطبه أنا بالرائد متقاعد.
حبيب العادلي في بداية تنصيبه وزيراً، وعندما كان يتلعثم إذا تكلم، ويرتبك إذا سئل، كان يلجأ لصفوت الشريف، وزير الإعلام، إذا تم انتقاده في وسائل الإعلام، وفي حالتي كان يتصل الشريف بالنيابة برئيس التحرير معاتباً. وعندما شعر العادلي بقيمته كان القرار برفع رتبة «اللواء» ليصبح «السيد».. قبل أن تنطلق «كلابها علي ذئابها»، كما يقول المثل، ويصبح «السيد» جمال مبارك، و»السيد» أحمد عز.
الشرطة تختلف عن الجيش، فالذي يحال للتقاعد من الأولى يجد نفسه في اليوم التالي بلا قيمة ولو عند أصغر الرتب في مخفر، ولهذا فبعض ضباط الشرطة المتقاعدين وجدوا في الانقلاب فرصة عظيمة في أن يستردوا نفوذهم بالانحياز للجهاز والدفاع عنه والتطاول على المعارضين في وسائل الفضائيات، التي فتحت أبوابها لهؤلاء، وشاهدنا كيف جرى تمكين أحدهم في برنامج من أحد شباب الثورة، فعامله الجنرال المتقاعد كما لو لصاً، وكما لو كان هو السيد رئيس المباحث!

مع المرزوقي

وهذه الطريقة في التعامل شاهدناها في حلقة من برنامج «الاتجاه المعاكس» قبل الربيع العربي عندما استضاف المتقاعد رؤوف المناوي، الرجل القوي في وزارة اللواء حسن الألفي، في مواجهة المعارض التونسي حينئذ المنصف المرزوقي، الذي لم يستطع أن يجاري المناوي في الردح والفظاظة، وهو ما تطرقت له في حينه في هذه الزاوية.
كان المناوي يحلم بأن يكون وزيراً للإعلام، فأنشأ ما سمي بمركز الإعلام الأمني، وسط «زفة» من الإعلاميــــين وأساتذة كلية الإعــــلام، الذين قالوا إنه فتح غير مسبوق في مجال الإعلام وإنهم سيخصصون مجالاً للحصول علي الماجستير والدكتوراه في هذا التخصص الرفـــيع والدقيق، وكان كثيرون يذهبون إلى وزارة الداخلية في جلسات السمر الليلية، والشاعر عبد الرحمن الأبنودي قال إن الإلهام لا يأتيه إلا هناك. وأفاجأ الآن عندما استمع للبعض يقول إنه صدم في الأبنودي لتأييده الانقلاب. فهناك من لديهم استعداد فطري لأن يصدموا!
بعزل اللواء حسن الألفي، سقطت دولة رؤوف المناوي، وقد وجد في حلقة «الاتجاه المعاكس» فرصة للعمل وفق قاعدة: «إذا فاتك الميري تمرغ في ترابه».. «والميري هو العمل الحكومي. وبعد الثورة كانت له إسهامات تلفزيونية وله تصريح بأن قناة «العربية» هي أفضل من غطى «أحداث يناير». لكن الموت غيبه بعد ذلك.
ضابط الجيش يظل محتفظاً بقدره الأدبي في دوائر عمله السابق حتى بعد خروجه على المعاش، خلافاً لضابط الشرطة، لكن كانت هناك حساسية دائماً من الاحتفاظ بالرتبة العسكرية بعد أن يخرج من الخدمة إلى الاستوديوهات أو إلى صفحات الصحف.
في بداية التسعينات كان يكتب معنا في جريدة «الأحرار» اثنان من الجنرالات، اللواء أركان حرب صلاح الدين الرفاعي، وكان يشغل منصب نائب رئيس الحزب الذي يصدر الصحيفة، واللواء محمد شبل، ولما كنت مسؤول النشر فقد كانت إحدى الجهات العسكرية تطلب برفع الرتب العسكرية، وكان قولي إن عليهم أن يتفقوا مع الأول على ذلك، لكنهم كانوا يتحاشون الكلام معه، وفي النهاية كان الاتفاق على إضافة حرف «م» بجانب الرتبة، بمعنى «متقاعد»، ولم يكن القارئ العادي يفهم ذلك بطبيعة الحال.
وهذه الحساسية، لم تكن تحكم جهاز الشرطة، وقد فوجئ أحدهم في برلمان 2000 وفي جلسة الإجراءات وحلف اليمين برئيس مجلس الشعب ينادي اسمه مجرداً، ودار سجال بينهما شارك فيه الراحل كمال الشاذلي.. هو يصر على أنه «اللواء» فاروق المقرحي، وهما يقولان إن «اللواء» رتبة سقطت بخروجه للتقاعد. ولم تكن لصاحبنا إسهامات تذكر على مدى خمس سنوات هي عمر المجلس غير هذا الإسهام الخلاق!
ضابط الشرطة السابق المقرحي شاهدته في أحد البرامج التلفزيونية محللاً سياسياً، يتحدث كثيراً ولا يقول شيئاً، إذ كان يجيب على سؤال حول هل يعتبر طرد قطر لمعارضين من الإخوان، توجهاً جديداً أم مناورة؟ ما له هو وهذه القضايا العميقة!
إنه الانقلاب المسؤول عن ظاهرة جنرالات الشاشة الصغيرة، بعد أن هانت الرتب العسكرية. ولا بأس فالسيسي منح رتبة «المشير» بدون أن يخوض حرباً، أو يواجه عدواً.
قل: يا باسط.

٭ صحافي من مصر
[email protected]

سليم عزوز

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية