جنرالات ديمغرافيون

حجم الخط
0

عشية اقامة الدولة وضع البروفيسور روبرتو بيكي، الذي اصبح فيما بعد مؤسس مكتب الاحصاء المركزي، توقعا ديمغرافيا على طاولة دافيد بن غوريون. مضمونه: ليس متوقعا وجود كتلة يهودية كبيرة ـ أي اغلبية يهودية ـ في ارض إسرائيل. وقد انضم بيكي إلى المتشائمين من خلال توقعاته الديمغرافية. منذ العام 1900 ادعى المؤرخ شمعون دوفانوف أنه بعد مئة سنة ايضا لن يكون في ارض إسرائيل أكثر من نصف مليون يهودي. وكان اقتراحه للقادة: ركزوا على تحقيق حكم ذاتي يهودي في اوروبا.
موجات الهجرة الكبيرة ايضا التي حدثت بعد قيام الدولة لن تغير التشاؤم الديمغرافي. في العام 1987 قال البروفيسور ارنون سوفير لخريجي كلية الامن القومي وللجمهور الواسع في وسائل الإعلام: «في العام 2000 لن تكون إسرائيل يهودية». وكان سوفير على مدى سنوات طويلة هو «ديمغرافي البيت» للمعهد، وتأثرت منه اجيال قادة الاجهزة الامنية.
لقد تم سؤالي في احدى المحاضرات عن كيفية ضم يهودا والسامرة والحفاظ في نفس الوقت على اغلبية يهودية. وقد استعرضت التوقعات السوداوية التي تبين أنها خاطئة، للديمغرافيين على مر الاجيال. وأضفت بأنني صهيوني اؤمن بالهجرة. نعم الهجرة ايضا من الاتحاد السوفييتي. وكان الرد هو دهشة واستخفاف. وأنا أتذكر أقوال أحد الضباط، الذي اصبح فيما بعد من قادة الاستخبارات، وبعد ذلك كان في الخدمات العامة والحكومية. فهو ومن كان معه في قيادة الموساد قالوا بشكل حاسم إن الايمان بالهجرة هو هذيان.
معظم من استمعوا اليهم أيدوهم، والقليلون أيدوني عندما قلت إنه إذا كان آباء الصهيونية موجهين مثلهم فقط حسب المعطيات «العقلانية» عندما كانوا يخططون فقط لقيام الدولة، الأمر الذي أثار ضجة حيث قلت إنهم قد يكونون شجعان في ارض المعركة، لكن تنقصهم الشجاعة عندما يتعلق الأمر بالصراع من أجل تحقيق هدف. كانت الصهيونية حركة غيرت الواقع، قلت لهم، وبدل الصراع من اجل التغيير أنتم على استعداد للخضوع للواقع الديمغرافي.
وبعد سنة على ذلك تم فتح ابواب الاتحاد السوفييتي. أكثر من مليون مهاجر جديد غيروا الواقع، ليس فقط الديمغرافي، حيث زادت نسبة التكاثر، الامر الذي عكس التفاؤل والايمان بالمستقبل. فأي من الديمغرافيين توقع كل ذلك؟.
في قائمة الضباط رفيعي المستوى الذين يقودون في هذه الايام حملة «الخطر الديمغرافي»، أرى اشخاصا فشلوا في قيادة مبادرات انسحاب سابقة ـ بما في ذلك الانسحاب من الجولان ـ والآن صعدوا إلى عربة الديمغرافيا. إن السير في اعقاب المعطيات الاحصائية ـ بدل السعي إلى تغييرها ـ هو الذي يوجه التفكير «المهني» للكثيرين في المؤسسة الامنية. النتائج السيئة للمعارك التي لعبوا فيها أدوارا قيادية، من حرب لبنان الاولى وحتى عملية الجرف الصامد، تثبت إلى أين يمكن أن تصل القيادة بدون هدف وبدون شجاعة.
إن جميع من يوجدون في قائمة الـ 250 أيدوا اتفاقات اوسلو. ومنهم من شارك بشكل ناجع ـ وهم بالزي العسكري ـ في وضع الصيغة الكارثية. وبعد ذلك بعقد ـ رغم حقيقة أن اوسلو قد تسبب بأكثر من 1000 قتيل إسرائيلي ـ عادوا إلى افكارهم وأيدوا الانفصال أحادي الجانب عن غوش قطيف، وتصريحات ضباط مجلس السلام والامن وعدت بأنه سيكن هناك أمن ونمو في غرب النقب وفي غزة ايضا. وفي هذه الاثناء يطلب الضباط العودة والهرب بشكل أحادي الجانب من يهودا والسامرة، وكأنه لم يطلق منذ الانسحاب أحادي الجانب من غزة 15 ألف صاروخ نحو الجنوب. وكيف سيدافعون عن سكان الدولة الذين ينتشرون على سفوح التلال التي يجب علينا الانسحاب منها بدون اتفاق (لأنهم يعترفون بأن الاتفاق لا يمكن أن يتحقق في الوقت الحالي)؟.
صحيح أن السلام هو أمر حيوي وهام لا يجب أن يُترك للجنرالات.

هآرتس 19/1/2017

جنرالات ديمغرافيون
الذين يحذرون من الخطر السكاني ينسون أن الصهيونية تعني تغيير المعطيات لا الخضوع لها
إسرائيل هرئيل

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية