جنون وملل الشبكات الاجتماعية

حجم الخط
0

كشفت زيارة الرئيس الامريكي ترامب من جديد جنون «الشبكة». ما يشبه رد بافلوفي، كل اسرائيلي تقريبا يشعر بالحاجة الى التذاكي في الفيس بوك، من خلال الرد على الاحداث، دون الاعلان رسميا، رسميا توجد منافسات قومية. محطات راديو (دائما وسيلة الاعلام الكسولة غير القادرة على انتاج مضمون مستقل) تقتبس التغريدات، وتختار الاكثر نجاحا حسب من يقدمون البرامج.
الحاجة التي تنبض لدى شخص الفيس بوك في اوقات كهذه من اجل طرح التغريدات التي تزعم أنها حكيمة وثاقبة، لا تنبع من حقيقة أنه صاغ أمرا ذا أهمية ويريد قوله. الطموح الكاذب هو نتاج يشبه الفيروس أكثر مما يشبه التفكير. الحديث يدور عن رد فعل مفروغ منه، يشمل التعطش لجمع «اللايكات». كل شخص يحب الشعور بأنه مهم. وهذا يحسن المكانة الاجتماعية.
لكن هذا يشير أولا وقبل كل شيء الى الحاجة الوجودية بالانتماء. معظم التغريدات فارغة كليا، وبدون جوهر حقيقي.
قول مارشال ماكلوهان عن التلفاز صحيح ايضا هنا بعد مرور خمسين سنة: وسيلة الاتصال هي الرسالة. الرسالة تكمن في مجرد التغريد. الرسالة هي: أنا هنا. الرعب الكبير مقابل غياب الجوهر والمعنى. الخوف هو أن من يغيب عن وسائل التواصل ويمتنع عن التفاعل مع زيارة ترامب، يفقد أهميته ولا يعود موجودا. قصة وسائل التواصل هي أن تكون هناك.
الشخص الذي يتذاكى ويرد لا يطلب لحظة واحدة من الهدوء، لأن لديه شيئا مهما ليقوله. بل يُضاف الى الضجيج، الضجيج الابيض الذي تخلقه وسائل التواصل ويغرق كل شيء. لا يمكن سماع أي شيء سواه. معظم الناس ليسوا حكماء بشكل خاص، ولدى معظمهم لا يوجد شيء مهم من أجل أن يُقال للجمهور. والاسهام يقتصر على الفكاهة. معظم الردود تكرر ما قيل مرات كثيرة في السابق. وينسبون الاقوال لانفسهم، يطالبون بالملكية على هذه الاقوال، ويزعمون أنهم اصحاب فكر جديد وابداعي. أما هم فليسوا سوى صدى ضعيف، لكن في نظر أنفسهم فإن اقوالهم مدوية.
إن الشبكات الاجتماعية، بسبب ذلك، هي مكان محزن مليء بالجنون. والوضع الانساني هناك قد يثير الشفقة والرأفة. كثير من الاشخاص، عدد لا يحصى من الناس، يريدون فقط الانتماء. فقط أن يكونوا مثل الجميع، والحصول على تأكيد بأنهم جيدين، السباحة مع التيار، هؤلاء لديهم استعداد للانضمام الى الفتك ضد المختلف، ضد «الاستفزازي» دون التفكير للحظة، ودون اظهار الندم. دعوهم يشموا الدم قليلا وسيتحولون الى زمرة قاتلة دموية.
ولكن هذه الحاجة لا تقتصر على الفرد، بل على المستوى القومي ايضا. اسرائيل دولة متذاكية، والرعب هو من الاحداث الحقيقية التي يمكنها زعزعة الشلل الاسرائيلي: ترامب لن يتحدث فقط، بل سيفعل ايضا، سيطلب من اسرائيل القيام بأمور تغير الواقع بشكل لا رجعة عنه، الامر الذي سيؤدي الى صراع داخلي في اوساط الجمهور. هذا الرعب يُترجم الى تهكم قسري يشبه مرض الاعصاب الجماعي. هذا التهكم هو مثابة ملجأ وحرف للانظار. وهو ايضا مُتعب. الوجود البديل والحقيقي يوجد خارج الشبكات الاجتماعية: المنقطع فقط هو الذي لديه فرصة التوصل الى الاستنتاجات الجديرة.
هآرتس 28/5/2017

جنون وملل الشبكات الاجتماعية
الجمهور الاسرائيلي يهرب من الواقع الحقيقي لصالح الواقع الوهمي 
روغل ألفر

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية