«جهاد ناعم» للتونسي محمد عيسى المؤدب: شعرية تفاعل النصوص ودلالاتها

حجم الخط
0

رواية «جهاد ناعم» هي العمل الخامس في مسيرة الروائي والناقد محمد عيسى المؤدب، وقد صدرت عن دار زينب للنشر والتوزيع في طبعتها الأولى سنة 2017، في (258 صفحة). والفائزة بجائزة الكومار لسنة 2017.
تحكي الرواية في وقفات وصفية دقيقة ومفصلة سيرة «نضال فتح الله» الذي خرج من مسقط رأسه في الوطن القبلي مذعنا لإكراهات الفقر والبطالة والتهميش وضيق الأفق، أملا في غد أفضل ومآل أسنى، فتنتهي مسيرته متقلبا في ظلالها، بين أدوار مختلفة ومتنوعة: مبتدؤها حراقا وخاتمتها إرهابيا. وتتشابك متلبسة في غمارها الطويل والشاق بسير شخصيات أخرى لم يسلم أحد منهم من تورطه في قضايا تهريب الآثار والإرهاب والجرائم الدولية المنظمة والعنف المترحل عبر بؤر التوتر، التي أنتجتها تداعيات ما سمي بالربيع العربي، فيفيق الجميع على انسياقهم في خدمة أهداف كيدية مدبرة بليل ضد الوطن والهوية والدين، فيلعقون علقم الخيانة ومر العذاب داخل أسوار السجن.

مظاهر التفاعل النصي

تنفتح رواية «جهاد ناعم» على نصوص متعددة وخطابات كثيرة تؤمها وترتادها، فتنصهر في مكوناتها وتتمازج مشكّلة بناء طريفا مستحدثًا. ولا خلاف بين النقاد والأدباء في أن الكتابة الروائية الحديثة، في حاجة من حيث المنطق الذي بنيت عليه إلى هذه التفاعلات النصية. ففي «جهاد ناعم»، يتقاطع التاريخ مع الواقع والمتخيل، في رحلة امتدت خمس سنوات، أي من أحداث الحوض المنجمي من سنة 2008 إلى سنة 2013، والتاريخ زمنية موسومة بالحيوية لتنافذه مع الراهن المذعن إلى سيف التحولات القاهر باستمرار، فى رحلة خمس سنوات، رحلة شباب من دول عربية ومن إفريقيا نحو المجهول. وفي الواقع لا يهم إن كانت هذه الرواية تستعير موادها الثقافية من أحداث تاريخية فعلية، ولكن الأهم والمؤكد أنها تستند إلى وعي تاريخي كثيف. وفي هذا اللقاء بين شكلين مختلفين من المعرفة (رواية/تاريخ) تتجلى الكتابة الروائية باعتبارها شكلا متميزا من البحث التاريخي، يبحث فيه الروائي، ولسان حاله السارد نضال فتح الله، عن هويته وعن هوية المجتمع التونسي الذي ينتمي إليه. يقول السارد نضال: «المشي نحو المجهول نسفني، أظلم ملامحي، الرجل الملتحي، بوجهه المغبر وجلبابه الفضفاض».

آليات التفاعل النصي

التوسع في مفهوم الحكي في «جهاد ناعم» صاحبه توسع دلالي حرّر الحكي، ليس فقط من كل الأشكال الأدبية، وإنما من كل أنواع تجلياته النصية. وفي حق أسرته يقول السارد: «وجوه حاقدة، بل أشباح الرعب هجمت في تلك الليلة على القبيلة، التمعت السيوف والخناجر وهي تقطع الرؤوس وتمزق الأوصال، الدم سال نهرا والصراخ مزق وحشة الليل». ولعل المسكوت عنه خلف المآل الذي لقيته أسرة محمد بن مبارك والطرائق البشعة التي استخدمت في تصفيتها، هو إحالته على ظاهرة جديدة أصبح عالم اليوم يرزح تحت توعدها وتهديداتها، وهي ظاهرة جديدة تتغذى بفكر الغلو والتطرف والعنف، عن طريق لي أعناق النصوص الدينية وتحميلها ما لا تحتمل، وهي الظاهرة الداعشية التي ما انفكت تمتد مثل نهر جار خارج قواعدها الأصلية.

نبش المسكوت عنه وتصحيح المسارات

لعل نهوض عيسى المؤدب بكتابة نص يحفز من خلاله كل ما تزخر ملكته الإبداعية من تقنيات لمتابعة سيرة نضال فتح الله، وتصيد الوقائع المهمة التي تنتظم وتلخص رحلة حياته منذ بدايات الشقاوة مع «الحرقة» إلى بانتالاريا ثم بالارمو إلى تاريخ عودته إلى بلده إرهابيا مهانا محكوما عليه بالسجن، هو ما يمنح سارده طاقة أخصب، وخيالا أرحب، لمكاشفة ذاته وإعادة تشخيص حياتنا أو جزء منها بالاشتغال المكثَف على الذاكرة، لأنَ الحديث الصريح عن الذات هي كتابة ذاكرة أو بالأحرى ذاكرة، فيها تتكامل وتتعالق لحظات الوعي بلحظات اللاَوعي وإن بدت مفارقة. وهي ذاكرة تنوس بين فعلي التذكَر والنسيان إذ أنه إلى جانب الذاكرة التي تتذكَر، هناك ذاكرة تنسى وهو ما من شأنه أن يحوَل التذكر إلى استحالة، وهذا ما يفسَر الفراغات في النصَ. ومثلما يمتلك التذكَر بلاغة، فللنسيان بلاغة قد تفوق بلاغة التذكَر. وقد يكون نضال فتح الله وهو العائد من أرض جهاد النكاح مثقلا بالجرائم والخيانات، يقول: «المشي نحو المجهول نسفني، أظلم ملامحي ولم يتبق غير حطام، الرجل الملتحي، بوجهه المغبر وجلبابه الفضفاض، الرجل الجائع أنا».

الوعي بالسلطة

يبدو واضحا أن واقع السجن في ظل الحال التي عليها ما وصفه نضال فتح الله ليس قادرا على تحمل مسؤولية إعادة إصلاح المذنبين والمجرمين، وعلى التعهد بإعادة إنتاج معرفة السلطة في دواخل الذين فارقوها عن اختيار وطواعية، بل على خلاف ذلك تبرز السجون باعتبارها محاضن لتفريخ المجرمين وإعادة تأطيرهم وإكسابهم خبرة أعمق، وأداء أرقى في فنون القتل والمران على الجريمة والسقوط الأخلاقي.

إنتاج الدلالة الروائية

ترد لغة المؤدب زاخرة بالتشابيه المعبرة عن ثراء العامية التونسية واللغة العربية الميسرة المذعنة لنبض الشارع والمخزون النفسي للأوساط الشعبية التونسية مثل: وعيناه متوترتان كعيني قط. ولا يتوانى عن نقل معجم الحشاشين والمزاطيل لإسباغ ميسم الواقعية على عالمه الروائي، ووصله بنمط من الكتابة التجريبية التي لا تفصل فعل الإبداع عن واقع الحياة وممارساتها. واقع يمتح من عمق أوكار الفساد وتجار الجنس والمخدرات، وشبكات المافيا والجريمة المنظمة، وما كان لمحمد عيسى المؤدب أن يبدع الرواية على الهيئة التي جاءت عليها، لو لم يكن خبيرا في الزطلة وفي شبكات الحراقة، بل يجيد التعامل معهما أيضا يقول السارد: باش ينسى فكرو خليه يكن في عقلو .. حتى الدنيا تضحكلو. فمن رحلة انطلقت من «كاف غراب» في الهوارية دامت 5 سنوات من 2008 تاريخ أحداث الحوض المنجمي، زمن حكم بن علي إلى سنة 2013 أمكننا الوقوف خاصة على الدلالات الاجتماعية والسياسية الأيديولوجية المتصلة بمفهوم الجهاد الشائه والملتبس، والخطاب الداعشي التكفيري الإقصائي والاستئصالي، وقضية الإرهاب والعنف، والمافيا والجريمة الدولية المنظمة وجرائم البحر، وسيادة النزعة المازوشية والسادية، والنظرة الدونية للمرأة، وعودة تجارة العبيد والإسلاموفوبيا، أو ظاهرة الرهاب من الإسلام والإسلاموبرنويا وتناقضات المسلم الحديث. ويبرز السارد الأصول الحقيقية التي عادة ما ينبثق منها الغلو والتطرف الديني، وكذلك المتاجرة بالدين، ألا وهو الغنم المادي الناتج عن خدمة أجندات المال الفاسد المرتبط بعقائد ومذاهب معينة، يقول متحدثا عن قيس المعلوم عنه تعتهه وتكالبه على الزطلة والخمرة والنساء: «ما الذي لوث الأدمغة بهذا الشكل؟ إلى هذا الحد؟ النزق! كأنه لم يطوف يوما في المزابل والقمامات شرقا وغربا… يا إخوتي في الدين، يا أخواتي العفيفات، الجهاد شرف المسلم وطريقه إلى الجنة، يا إخواني هبوا إلى الغنائم في الدنيا والآخرة وأجركم على الله». ومن خطاب قيس نفهم ديباجة الخطاب التعبوي الاستقطابي، المعتمد على لهجة متشنجة ومتوترة، يتوجه به إلى صنف من الناس عجزوا على أن يتأصلوا في الأرض لمعاناتهم من مشاكل البطالة والفقر والتهميش والأمية التعليمية، فيزرعهم في رحاب الفكر الجهادي ويعدهم بالتأصل في السماء، مسبغا عليهم فتنة البطولة. وهكذا يحقق هذا الخطاب لهم ارتقاء سحريا وتحولا خارقا من حقارة الدنيوي إلى جلال الجنة والفوز بنعيمها المقيم.
كاتب تونسي

«جهاد ناعم» للتونسي محمد عيسى المؤدب: شعرية تفاعل النصوص ودلالاتها

أمين عثمان

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية