قبل عشرين عاماً، دشّن جورج طرابيشي «نقد نقد العقل العربي»، ملاحقاً أطروحات محمد عابد الجابري التوزيعية لأنظمة المعرفة في ثالوث «البرهان والبيان والعرفان»، والمؤسطرة لثنائية الانشطار بين عقلانية التراث الفكري المغربي وهرمسية التراث الفكر المشرقي. هذه الملاحقة اتخذت في الغالب طابع إعادة الاعتبار لمفهوم القراءة: «فليس بين مئات شواهد الجابري في تكوين العقل العربي سوى قلة قليلة ما أصابها تحريف أو تزييف أو توظيف بعكس منطوقها».
وكما يوضح طرابيشي أيضاً: «كان عليّ أن أقرأ لا كل ما كتبه الجابري، ولا كل ما قرأه أو صرح بأنه قرأه فحسب، بل كذلك ما لم يصرح بأنه قرأه وما كان يفترض به أنه يقرأه».
لأجل ذلك لم ينفصل شغل طرابيشي على الجابري عن مفهوم الفضيحة، وتماشى ذلك مع بقاء «المناظرة» الافتراضية من جانب واحد على امتداد الأعوام. في الوقت نفسه حرص طرابيشي منذ السطور الأولى لمشروعه، على التسويغ له، بجملة غير تفصيلية، إذ قال، إن «ما يميز الجابري عمن تقدمه من الذين كتبوا عن العقل العربي هو قوة تأسيسه النظري، أو الإبستمولوجي، كما يؤثر أن يقول، لهذا العقل، ورفعه إياه من مستوى اللفظ أو المعنى إلى مستوى المفهوم».
ستبدأ بعدها المغامرة الطرابيشية في التحرّي عن مفهوم العقل لدى الجابري، وسوء فهمه لقسمة لالاند العقل بين «المكوِّن» و»المكوَّن»، وكيف أن «تجاهل الجابري للوظيفة التوحيدية للعقل المُكوَّن قد جعله يبني تحليله للعقل العربي على أساس قسمة هذا العقل، لا على أساس وحدته»، فيعمد من ثم إلى تشطيره إلى ثلاثة أقانيم، البيان والعرفان والبرهان، كل أقنوم مغلق على نفسه، ومن ثم «سيدير بين هذه الكيانات الجوهرية حرب مواقع وخنادق»، وأحياناً «تحالفات – اختراقات» تسمح للعرفان والغنوصية استعادة «المواقع» التي خسرها بظهور الإسلام . وكما عاب طرابيشي سوء فهم الجابري وحدة العقل المكوَّن، عاب عليه عدم فهمه الوظيفة الحيوية الحركية للعقل المكوِّن، عقل «استحداث الأزمات»، العقل عندما يراجع ذاته أو ينتفض ضدها، ما انتهى بالجابري لأحكام تشاؤمية، من قبيل أن العقل العربي منذ الغزالي إلى اليوم هو «عقل ميت أو هو بالميت أشبه»، وانحطاط متواصل منذ القرن الخامس الهجري.
كانت هذه هي نقطة البدء النظرية لمشروع «نقد نقد العقل العربي»، النقطة التي يفترض بالقارئ استعادتها من فصل إلى فصل، ومن مجلد إلى مجلد، لكثرة الجبهات والأرشيفات التي جرى استدعاؤها، في هذه الورشة الشيّقة، الماكرة، التي سيبقى لها جيل من القراء – ليس بمستطاع تحديد مداه، وإذا كان له مدى، مدين له بالتعرّف على مناحي مهمة من التراث: مثلاً كتاب «الفلاحة النبطية» لابن وحشية، الذي لم يجد فيه الجابري سوى سحر وشعوذة وهرمسية وإفساد للعلم الزراعي، في حين تعامل معه الطرابيشي كمنجم إثنوغرافي، وكمحطة في تاريخ العلم وتاريخ الزراعة وتاريخ الجماعات الدينية السابقة على الإسلام، المستمرة في كنفه، المعتمدة لسانه، والمستعينة بالتورية، والمهمومة بحفظ هويتها، وتراثها ونقله، هي الأخرى.
أكمل الجابري مشروعه وتبعه بمحاولة في تجديد علم التفسير ومضى. أكمل طرابيشي مشروعه في «تهافت العقلانية الجابرية» وكثف خلاصاته في الإسلاميات التي جناها في غمار هذا المشروع، في كتاب صدر له قبل خمس سنوات «من إسلام القرآن إلى إسلام الحديث»، ناهيك عن كتابه حول «المعجزة أو سبات العقل في الإسلام» و»هرطقات»، وأصيب لسانه بعقدة بعد الثورة السورية، رغم أسبقيته في نقد الممانعة كمفهوم، ثم مضى.
ثنائية الجابري – طرابيشي لن تعمّر كثيراً بعد رحيل العلمين. لكن الإيجابي أننا أمام فرصة الآن لتفكر هذه الثنائية نفسها كمشترك لما كان يسميه الرجلان، «العقلانية العربية» أو «العقلانيين العرب»، رغم أن أحدهما (الجابري) كان يرى أن التراث الإسلامي مصاب بمشكلة «لاعقلانية» عميقة في قسمه المشرقي، في حين يرى الثاني أن هذه القسمة نفسها، وما بني عليها غير عقلانية.
رغم كل ما استجمعه طرابيشي، وكل ما كشفه في عمل الجابري، فإن تواضع عدّته المنطقية، لم يمكنه من الذهاب بعيداً على الصعيد النظري من لحظة التدشين الأولى لمشروعه. فإذا كان نقد الجابري للتراث في شطره المشرقي أنه سمح بتسلل الغنوصية والهرمسية كتشويهات مقوضة للعقل البرهاني، فإن جهد طرابيشي انصب إلى حد كبير على نفي تهمة الغنوصية والهرمسية عن معظم ما وصفه الجابري بهما، أو عن التفتيش عما هو «تاريخي في ساعته» و»علمي في ساعته»، في هذه الغنوصية والهرمسية، ولا يبدو أن طرابيشي قد انتيه مثلاً إلى أن ما قام به الجابري من إغارة على مواقع الغنوصية والهرمسية في التراث الإسلامي، قام به أريك فوغلين وفي ما يتصل بمكانة الغنوصية والهرمسية في الفكر الغربي الحديث، أي أن الجابري ليس وحده في العالم من يرد مشكلة بنيوية
في منظومة معرفية معينة إلى الغنوص، وهذا أيضاً ليس بتفصيل، ولا يمكن أن يكون الرد مكتفياً بأن «هذا ليس غنوصاً فقط» (منطق طرابيشي) أو بأن «كل شيء غنوص» (منطق هنري كوربان). بمعنى آخر، استخف طرابيشي أكثر من اللازم بأهمية العرفان في التراث الفكري للمجتمعات الإسلامية، وعمل على نفي عرفانية العرفان حين استطاع، أو بدا له ذلك، ولم يجد نفسه محتاجاً إلى التكشيف عن تسلّل العرفان إلى البرهان: فهذا سيبقى بحكم غير المفكر به في معشر «العقلانية العربية». ولعلّ متابعة جهد الجابري وطرابيشي تكمن في نقدهما معاً في نقطة التقائهما، نقد العقلانية العربية من حيث هي عقلانية، نقد كل تفكير بإمكانية «مستوى برهاني» معقم من العرفان.
كاتب لبناني
وسام سعادة