جورج فرشخ في كتاب «رشيد كرامي»: آمن باللاعنف والعروبة وباستقلال لبنان وتوفى مقتولا

حجم الخط
0

 

قد يعتقد البعض ان أهم ما في كتاب الصحافي والمؤلف جورج فرشخ «رشيد كرامي» انه سيكشف حقيقة مَنْ اغتال هذا السياسي اللبناني البارز لدى انتقاله في طوافة عسكرية في لبنان أول حزيران/يونيو 1987، أو مَنْ كان وراء التحريض على الاغتيال.
ربما يُعطي هذا الكتاب إشارات، بعضها واضح، والآخر غير واضح، حول هذا الأمر، ولكن هذا ليس هدفه وقيمته الوحيدين.
لعل المقطع الذي ورد في الصفحة 332 من الكتاب عن انتخاب الرئيس سليمان فرنجية (الجدّ) عام 1970، قد يكون الأهم بالنسبة لمن يسعى لفهم شخصية كرامي وعناده الايجابي وايمانه الفعلي بالديمقراطية في لبنان الذي ربما كان أحد الأسباب التي دفعت الذين لا يؤمنون بهذه القيم في لبنان (وخارجه) للرغبة في التخلص منه.
خلاصة هذا المقطع انه بعد ان انتهى صبري حماده، رئيس مجلس النواب آنذاك من إعلان النتيجة بفوز فرنجية الجدّ بخمسين صوتا وخسارة خصمه الياس سركيس الذي كان يؤيده كرامي والرئيس فؤاد شهاب وكتلة النهج الشهابي، سعى حمادة (المؤيد لشهاب) إلى إعادة الانتخاب بحجة تقارب النتيجة وعدد الأصوات وامكان حدوث خطأ، «فانتهره الرئيس الرشيد بصوت صارم فيه إدانة مسبقة قائلا: إذا أعدت الانتخاب فساقترع لسليمان فرنجية». ويقول الكاتب مضيفا: «رن صوت الرشيد في اذن الرئيس صبري حماده كصوت الضمير فأعلن حماده ان فرنجية هو الذي انتخب رئيسا للجمهورية».
رشيد كرامي، نائب طرابلس للمرة الأولى وهو في الرابعة والثلاثين من عمره بعد وفاة والده رجل الاستقلال البارز عبد الحميد كرامي، قام بخيارات مشابهة في مناسبات اخرى لتحقيق المبدأين الأساسيين اللذين آمن بهما وهما استقلال لبنان وديمقراطيته، من جهة، وتقاربه الشديد مع العالم العربي سياسياً واقتصادياً من دون السماح لأي دولة عربية، مهما علا شأنها بالهيمنة على هذا البلد الصغير الذي واجه في سنوات التاريخ الماضية وفي القرون الغابرة الكثير من هذه المحاولات.
وقد أحسنِ المؤلف جورج فرشخ في اختيار «الاغتيال» كعنوان الفصل الأول من الكتاب، أي انه بدأ من النهاية ثم انتقل إلى الفصول الأخرى عن دور كرامي في عهود رؤساء الجمهورية المتعاقبين اللبنانيين، حتى أمين الجميل، آخر من كلفه ترؤس حكومة قبل اغتياله.
يقول فرشخ في الفصل الأول ان رئيس مجلس النواب اللبناني السابق حسين الحسيني، أحد كبار واضعي اتفاق الطائف اللبناني في عام 1989، جمع الرئيسين رشيد كرامي وكميل شمعون في مكتبه، وان كرامي كان مستعداً لترميم علاقته مع شمعون الذي كان قد دعاه (منذ عام 1955) لترؤس احدى اولى الحكومات في عهده ووثق به في مناصب وزارية حساسة في حقب مختلفة قبل ان يختلفا عام 1958 على العلاقة مع الرئيس المصري جمال عبد الناصر ومحاولته دفع النظام اللبناني إلى الانتماء إلى حلف بغداد ومشروع ايزنهاور.
ويشير الكاتب في هذا الفصل أيضا إلى ان سوريا، التي كانت تشرف على الأوضاع السياسية والأمنية في لبنان في فترة الثمانينات، ربما تضايقت من رغبة كرامي في إعادة توثيق روابطه مع شمعون، علما أن كرامي ربما كان متوجهاً إلى بيروت بالطوافة العسكرية برفقة وزير الداخلية آنذاك عبدالله الراسي للاجتماع بزعماء لبنانيين يعارضونه عندما اغتيل أملاً منه في منع انقسام البلد وتقسيمه، وانه الوحيد الذي قتل في الطوافه بقنبلة «محترفة» وضعت خلف مقعده فيما نجا الدكتور الراسي والطائرة والطاقم.
وبعد انتهاء التشييع، يذكر المؤلف استناداً إلى ما قاله رئيس الوزراء اللبناني السابق سليم الحص لمجموعة من كبار السياسيين ورجال الدين، ان نائب الرئيس السوري عبد الحليم خدام آنذاك كان غاضبا إزاء تعيين الحص خلفاً للرئيس كرامي في رئاسة الحكومة، من دون استشارة سوريا وأخذ رأيها، وقال للمجتمعين بصوت عالٍ: «ما هذا التسرع؟» وجاءه رد من مفتي الجمهورية الراحل (الذي اغتيل لاحقاً) حسن خالد: «ان هذا الوطن أمانة في أعناقنا، ولا يجوز ان نسمح بالفراغ على هذا المستوى من المسؤولية».
ويلمح الكاتب، بشكل غير مباشر انه ربما كان لدى خدام مشروع آخر في هذا المجال. ولكنه يستدرك في الفصل الأخير من الكتاب بعنوان «التشييع» انه لو كان لسوريا الدور الرئيسي في اغتيال كرامي لما أتى خدام وصرخ بصوت ملعلع متفوها بهذه الأقوال. كما ان فرشخ يورد في ملاحق الكتاب تفاصيل دقيقة عن محاكمة قائد القوات اللبنانية سمير جعجع وأعوانه في عملية الاغتيال وثبوت تهم دامغة بدورهم فيها أدت إلى سجنهم ثم الافراج عنهم بعد سنوات على اثر عفو عام صدر في عهد الرئيس رفيق الحريري.
فمع ان الفصل الأول قد يربط (في عقل القارئ) جريمتي اغتيال كمال جنبلاط، عام 1977، ورشيد كرامي عام 1987، بدور الوصاية الأمنية السورية في لبنان، وكون مواقف الرجلين كانت استقلالية وعنيدة ورافضة للاملاءات فمن الضروري عدم التغاضي عن امكانية وجود دور لعرّابة الاجرام والقتل في المنطقة إسرائيل في قتل جنبلاط وكرامي إذ يهمها انتشار الحقد والكره بين الدول والمجموعات السياسية والدينية في المنطقة، وقد تكون هي المجرمة الحقيقية عبر عملائها.
ويطرح المؤلف في الفصل الأول اسئلة عما إذا كانت الطوافة فخخت لدى مرورها في زغرتا لنقل الوزير الراسي أو في قاعدة حالات حيث هبطت لفترة، علماً ان الطوافة كانت قد هبطت سابقاً اضطرارياً في إسرائيل بعد تعطلها.
ويذكر الكتاب ان كرامي ترأس ثلاث حكومات في عهد حلو، وكان بديلاه (عندما يعتكف) حسين العويني وعبدالله اليافي. وقدمت حكومة كرامي إلى المجلس النيابي اللبناني «اتفاقية القاهرة» من دون توضيح تفاصيلها، ولاقى ذاك اعتراضات أبرزها من النائب والوزير السابق ريمون اده الذي توقع ان تنشب مواجهات بين اللبنانيين والفلسطينيين بسببها. وصحت توقعاته، فيما امتدح الرئيس الفلسطيني ياسر عرفات الاتفاقية ونوه بدور قائد الجيش آنذاك اميل البستاني.
وتوقف العمل باتفاقية القاهرة عام 1973 (حسب الكاتب)، ومنعت العمليات الفدائية الفلسطينية من جنوب لبنان، وألغيت رسمياً عام 1984.
وفي عهد الرئيس سليمان فرنجية، يقول الكاتب، أهم ما حدث كان اغتيال القادة الفلسطينيين الثلاثة ابو يوسف النجار وكمال عدوان وكمال ناصر في شقة في منطقة فردان في بيروت في عملية إسرائيلية إرهابية ما أدى إلى استقالة حكومة صائب سلام. ولدى اشتعال المواجهات اللبنانية الطائفية اتهم ريمون اده إسرائيل بالسعي لتقسيم لبنان وسوريا فجرت محاولات لاغتياله واضطر للانتقال إلى فرنسا. كما خاطب الرئيس فرنجية والرئيس عرفات في الاجتماع السنوي لهيئة الأمم المتحدة (عام 1974) في نيويورك قادة العالم دفاعاً عن فلسطين. ورافقهما في هذه الرحلة الرئيس رشيد كرامي. وقيل آنذاك أن فتيل الحرب الأهلية اللبنانية اشتعل بحدة بسبب هذا الموقف الشجاع.
وبعد عام 1975، تكثفت زيارات الرئيس سليمان فرنجية وكرامي إلى دمشق وفي عام 1976، رشح رشيد كرامي الياس سركيس للرئاسة بدعم القيادة السورية. وبعد ترشيح سركيس، طالب كمال جنبلاط بانسحاب القوات السورية التي دخلت إلى لبنان بطلب من سركيس وبعض الجهات المسيحية اللبنانية بالانسحاب من المناطق الدرزية، خصوصا، ومن سائر لبنان، حسب الكتاب. ورفض سركيس هذا الطلب، وقال انه هو كرئيس يقرر الانسحاب أو عدمه. كما عارض الرئيس ياسر عرفات، حسب الكتاب، ارسال قوات عربية كثيفة العدد إلى لبنان فخالفه سركيس. وبالتالي نشبت مواجهة سياسية وعسكرية بين الحركة الوطنية والمقاومة الفلسطينية، من جهة، والقوات السورية المسماة قوات الردع العربية، من جهة أخرى. وهنا افترق رشيد كرامي عن كمال جنبلاط ودفع جنبلاط ثمن مواقفه المتشددة باغتياله في آذار/مارس عام 1977.
وبعد سركيس انتخب بشير الجميل رئيسا نتيجة للاجتياح الإسرائيلي للبنان عام 1982. وقاد الحملة ضد بشير رشيد كرامي وسليمان فرنجية (الجد). واغتيل بشير بعد فترة قصيرة على انتخابه أيضا لمواقفه المتشددة فانتخب شقيقه امين رئيساً وبقي في الرئاسة من عام 1982 ـ 1988.
وخلال هذه الفترة، خسر لبنان رشيد كرامي في اول حزيران/يونيو 1987 للأسباب المذكورة سابقاً.
وتجنب امين الجميل تعيين سياسيين شهابيين مخضرمين على شاكلة وزير الخارجية السابق فؤاد بطرس وعيّن في مكانه الأكاديمي ايلي سالم. وقيل انه ربما كان يفضل اتخاذ قرارات السياسة الخارجية بنفسه. وقد أفشل كرامي وفرنجية اتفاق 17 ايار/مايو 1983، حسب المؤلف، لانه في رأيهما يخرج لبنان عن محيطه العربي. كما دعا الرئيس الفرنسي فرنسوا ميتيران الرئيس أمين الجميل إلى عدم التوقيع على اتفاق 17 ايار. وتريث الجميل بانتظار موقف أمريكا، ثم اضطر إلى التراجع عن الاتفاق نتيجة الضغط الداخلي والخارجي.
الرئيس كرامي لم يوافق على طريقة مغادرة الرئيس عرفات لبنان في حزيران/يونيو 1983 واعتبرها مذلة. غير ان عرفات عاد إلى لبنان عبر شماله وأصر على مواجهة مؤيدي نظام حافظ الأسد بين الفلسطينيين (أبو موسى) بدعم من فئات شعبية طرابلسية. ولم يحبذ رشيد كرامي هذه المواجهة المستمرة، لانه لم يكن يؤمن بأن العنف وحده يحل المشاكل خصوصاً بين الأخوة.
ومع أن كرامي كان عدواً للعنف، واستخدام الاعتكاف السلمي كلما أراد معارضة أي موقف أو مشروع لا يتوافق مع مبادئه، إلا انه ذهب ضحية للعنف.

جورج فرشخ: «رشيد كرامي»
شركة المطبوعات للتوزيع والنشر، بيروت 2016
593 صفحة

جورج فرشخ في كتاب «رشيد كرامي»: آمن باللاعنف والعروبة وباستقلال لبنان وتوفى مقتولا

سمير ناصيف

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية