■ هنالك عدة أسباب تدعو لإعادة تقليب دفاتر الحرب الباردة وما ارتبط بها من صراعات بين الشرق والغرب، أهمها الأثر الذي أنتجته تلك الصراعات المحمومة والذي أدى لتحول الولايات المتحدة لقوة عالمية وحيدة وبلا منافس. ذلك يجعل الموضوع معاصراً وذا تشويق دائم، كما يجعله صعب التجاوز لمن أراد فهم تعقيدات العالم الأمريكي الحديث وأسرار ما يسمى بالجيوبوليتيك.
سبب آخر يجعل لمناقشة الموضوع أهمية متجددة، وهو أن استراتيجيات الحرب الباردة وما ارتبط بها من مفاهيم، كمفهوم الاحتواء والردع والحروب الاستباقية، كل ذلك ما يزال مستمراً ومطبقاً من حين لآخر بالتماشي مع ما تعتبره القوة الوحيدة تهديداً لها. أود أن أقف اليوم بتفصيل أكثر أمام إحدى الشخصيات الأمريكية التي ساهمت في تغيير العالم بطرحها لمبدأ الاحتواء. أعني هنا الدبلوماسي الأمريكي جورج كينان (1904-2005) الذي يطلق عليه لقب مهندس الحرب الباردة، لكونه أول من دعا لهذا المفهوم الجديد للحرب، والمرتبط بفكرة «احتواء» الطرف الآخر، القطب السوفييتي في تلك الحالة، عوضاً عن القتال المباشر التقليدي.
كان كينان مهتماً بالدراسات الروسية منذ وقت مبكر، واجتهد خلال إقامته في برلين 1931 في تعلم اللغة الروسية، حيث التحق حينها بمعهد الدراسات الشرقية في جامعة برلين. استفاد الدبلوماسي الشاب الذي عمل في موسكو خلال الفترة 33-1937 ثم 44-1947 من اقترابه من الرئيس ترومان، ومن وزير الخارجية جورج مارشال، أحد الأسماء البارزة في الحرب العالمية الثانية، من أجل إيصال أفكاره التي سرعان ما سيتم تبنيها على كل المستويات، في الخارجية التي سيكون مسؤول التخطيط لسياساتها، وفي وزارة الدفاع التي جعلت ما يقول أحد مراجعها المهمة وفي غيرها من نقاط صنع القرار.
أما الرئيس الأمريكي ترومان فقد تأثر بشكل واضح بتحذير كينان من الخطر الشيوعي الداهم، وهو ما جعله يطبق نصائحه التي كان أهمها ضرورة المبادرة لتلافي الخطر الأحمر قبل أن يصل إلى الديار، بحماية حلفاء المشروع الغربي.
هكذا اعتبر ترومان في جلسة شهيرة أمام الكونغرس في 12-3-1947 أن تهديد أمن اليونان ومحاولة ضمها إلى المعسكر الشرقي هو تهديد للأمن الوطني الأمريكي، الذي يجب أن يتم التصدي له بقوة وبشتى السبل. ليس فقط اليونان، بل أن هذا المفهوم يجب أن يطبق على كل مكان مما كانت تسميه الدعاية الأمريكية بـ»العالم الحر»، تلك كانت خلاصة ما سيعرف في العلاقات الدولية بمبدأ ترومان.
يجب التصدي بشتى السبل، ذلك كان يعني الدعم المالي والتأهب للحرب، كما كان يعني أيضاً ضرورة بناء جهاز استخباري قوي يستطيع أن يكون العين التي تنقل، وفي وقت سريع، مخططات العدو ونواياه، ومن هنا كانت ولادة جهاز المخابرات الأمريكية الـ»سي آي إيه» الذي سينشط ليس فقط في اليونان، بل في كل شرق أوروبا والعالم. لقد لفت جورج كينان أنظار المهتمين وصناع القرار بمقاله الذي نشر في 1947 في مجلة «فورين أفيرز» باسم وهمي )اكس) حاملاً عنوان: «أسباب المسلك السوفييتي» الذي كان في الأصل تلغراماً أرسله من موسكو في العام السابق لوزارة خارجيته في محاولة لشرح أسس التعامل مع السوفييت. انتقل كينان بسرعة كما رأينا من مجرد كونه دبلوماسياً منظراً ليصبح من أهم واضعي السياسة الخارجية الأمريكية.
خلاصة أفكار كينان هي أن إرضاء السوفييت المطلق يضر بالمصالح الأمريكية، والدخول معهم في صراع مفتوح هو أيضاً أمر قد لا تحمد عقباه، والنتيجة هي أنه يجب أن نخلق مساراً ثالثاً لا هو بالسلم ولا هو بالحرب التقليدية.. مسارا يعتمد على الاقتصاد والتغلغل داخل الحركة الشيوعية العالمية واعطاء صور إيجابية للديمقراطيات الرأسمالية. دعا كينان من ناحية أخرى للتغلغل داخل الحركة الشيوعية، معتبراً أن المشكلة ليست مع الفكر الشيوعي بقدر ماهي مع السوفييت، كما تبنى الطرح الذي يقول إن العقيدة الاشتراكية يمكن التأثير عليها باستقطاب شخصيات فاعلة ومدارس تكون أقرب للغرب وأبعد عن الشيوعية العدائية الراديكالية، بهدف الوقيعة بين الكرملين والحركات الإصلاحية المتعددة.
من الخطأ أن نفهم الاحتواء على أساس أنه كان استراتيجية دبلوماسية فقط، فكينان صاحب النظرية لم يتورع، بحسب ما ذكره المؤرخ الأمريكي تيم واينر، عن إعلان انحيازه للوسائل العنيفة حين يقتضي الأمر، فقد كان صاحب الدعوة لتكوين «فيلق حرب عصابات» يكون جاهزاً لحرب المدن السريعة، كما كان من أنصار التدخل في إيطاليا عن طريق الجواسيس والعملاء من أجل منع الشيوعيين من الفوز بالانتخابات.
مسؤولية كينان عن كل ذلك كانت واضحة، فقد كانت مقالاته من أهم المصادر التي يرجع إليها من يريد البحث في شؤون قيادة الكرملين للمعسكر الشرقي، في حين ظلت آراؤه ووجهات نظره بمثابة البوصلة لصانع القرار الأمريكي لعدة سنوات.
ربما لا يعرف الكثيرون أن كينان كان من أصحاب مشروع مارشال لإعادة بناء أوروبا وفق طراز جديد وروح أمريكية، ذلك المشروع الذي وصفه تيم واينر صاحب كتاب «تاريخ السي آي إيه» بـ «المخطط العالمي لتبييض الأموال»، كما كان صاحب فكرة شن عمليات سرية في أنحاء العالم المختلفة، وهو ما تم تبنيه رسمياً في مجلس الأمن القومي في 18-6-1948 ليصبح سياسة أمريكية راتبة.
إن التعرض للعمليات الاستخبارية أو العسكرية التي تمت متأثرة بفكرة الاحتواء ولو على سبيل العرض السريع في هذا المقام، هـــو عمـــل غير ممــــكن، إذ أنــــها عملــــيات استمرت لعشرات السنوات وفي مختلف مناطق العالم وبأشكال مختلفة، ابتداء من التجسس وانتهاء بالتدخل لكسب الانتخابات أو إنجاح انقلاب أو تغيير حكومة، وكل ذلك تفاصيل تاريخية يمكن الرجوع إليها في مظانها لمن يرغب في التوسع فيها.
أخيراً، فإن مفهوم الاحتواء لم يلبث أن انتهى بشكل درامي بعد أن أصبح الذريعة التي رعت بموجبها الوكالة السرية الأمريكية عدداً كبيراً من أعمال التخريب والاغتيال والإرهاب، ما جعل كينان نفسه يتراجع عنها بعد سنوات قلائل ليكتب منتقداً السياسة الخارجية العدائية التي وضع أسسها داعياً لنهج جديد قوامه التعاون والحوار، وهي الآراء التي تم تهميشها بقوة بعكس سابقاتها.
من الدروس التي وقفت عندها وأنا اقرأ حول هذا الموضوع هو ذلك الاختلاف بين الدول التي تصنع التاريخ والدويلات التي يجرها التاريخ وتجرفها الأحداث، فانظر كيف تحول مقال لكاتب لم يذكر حتى اسمه لسياسة تتبناها دولة عظمى، ثم أنظر كم من الأفكار والآراء والبحوث القيمة التي تنشر في أوطاننا المختلفة كل يوم ثم لا تلبث أن تذروها الرياح كأن لم تكن. إننا لن نتغير نحو الأفضل حتى نغيّر ما بأنفسنا.. هذا هو الدرس الدائم.
٭ كاتب سوداني
د. مدى الفاتح