لندن – «القدس العربي»: الطائفة الإيزيدية أصبحت تحت دائرة الضوء. من هم الإيزيديون؟ هل يعبدون إلها واحدا؟ من هو «الملك طاووس» الذي يقدسونه؟ وما قصة معبد لالش ورمز الشمس على أضرحتهم؟ هل يغتسلون قبل الصلاة؟ وهل هم، فعلا، «عبدة الشيطان»؟ فجأة، دخلت هذه الأسئلة وغيرها بؤرة الإهتمام الدولي والعربي بعد سيطرة مسلحي ما يسمى بتنظيم الدولة الإسلامية على معقل الايزيديين في مدينة سنجار شمال غرب العراق وإرغمت مئات الآلاف من السكان على مغادرة منازلهم واللجوء إلى جبل سنجار. وهناك، على جبل معزول تحاصره داعش من جميع الجهات وحيث يحاول العالقون التسلل ببطء من الجهة الشمالية للجبل، يستغيث المواطن الايزيدي خلف حجي صارخا: «المسلحون سيفتكون بنا جميعا بلا رحمة». ولكن هل من يسمع إستغاثة حجي والجميع مشغول في البحث عن هذه الديانة الإيزيدية «الغامضة» والأساطير التي تحكى عنها. هنا محاولة لتسليط الضوء على معاناة الايزيدي «الإنسان» من تشريد وترويع وتهميش على يد مسلحي داعش مع نبذة عن هذه الطائفة.
جبل سنجار: كارثة إنسانية ومساعدات «تهطل من السماء»
يحاصر مقاتلو ما يعرف بتنظيم «الدولة الإسلامية» منذ نحو أكثر من 16 يوماً الآلاف من الإيزيديين في جبل سنجار، بعد أن لجأوا إليه جراء اقتحام عناصر التنظيم قضاء سنجار. يحاول الإيزيديون العالقون هناك ان يستقلوا الطائرات هربا من زحف المسلحين في حين يجهد آخرون لإلتقاط أغذية وماء وإمدادات طبية تسقطها طائرات أمريكية وبريطانية من الجو. وتعليقا على الحالة المأساوية التي تسود المشردين خلال محاولتهم الصعود إلى الطائرة قال موظف الإغاثة الايزيدي ميرزا ديناي في تصريحات صحافية: «يمكنك أن تتخيل عندما تهبط وسط نحو خمسة آلاف شخص ولا يمكنك أن تقل إلا ما بين عشرة وعشرين شخصا، والجميع يحاول ان يستقل الطائرة.» وبعد أن تفاقمت أزمة الايزيديين العالقين في الجبل، وصلت بعثة تقييم ميدانية أمريكية إلى سنجار لتقييم الحالة الإنسانية للفاريين. إلا أن وزارة الدفاع الأمريكية إستبعدت القيام بأي عملية إخلاء بعدما تبين للبعثة أن أعداد النازحين وظروفهم أفضل مما كان متوقعاً. ولكن الأستاذ الجامعي الأيزيدي في العراق سالم حسن يقول لـ ”القدس العربي” أن أبرز المشاكل التي مازال الإيزيديون يعانون منها حتى الآن هي فقدان الأمل بنجاتهم بسبب تأخر وصول الإغاثة والمعونات بالإضافة إلى إرتفاع درجات الحرارة وعدم توفر المياه. ويضيف: ”دفن الكثير من الأشخاص ابناءهم بين الأحجار لعدم استطاعتهم تحمل هذه الظروف الصعبة.»
قصص مأساوية يخلفها
النزوح والأهوال تلاحق الناجين
تقدُم مسلحي داعش في شمال العراق أجبر آلاف الأشخاص من الايزيديين إلى النزوح نحو مناطق أخرى وخاصة كردستان العراق التي شهدت حدودها تدفق المئات من العائلات. منهم من حمل أطفاله على كتفه متحدياً حرارة الشمس القائظة، مسعفاً نفسه وعائلته بكميات قليلة من الغذاء والمياه يلتهموها كلما نفذ صبرهم على تحمل الجوع والعطش. ومنهم من عبر الحدود وترك ورائه بيته، وقريته وأمتعته وحتى أعز الناس إلى قلبه كراعي الغنم داخيل الذي فر مع أسرته إلى اخاديد صخرية عند المراعي المحيطة بسنجار وأجبرته حالة الهستيرية التي يعيشها الفارون لترك ورائه والدته البالغة من العمر 95 عاما. وقال ”تركت والدتي على الجبل في كهف. قالت لي، أريد البقاء هنا. انجوا بانفسكم”. وخلال الأيام القليلة الماضية هبط داخيل وآلاف معه من فوق الجانب الغربي للجبل وعبروا سهلا إلى الحدود السورية وعادوا إلى إقليم كردستان العراق. وقال مورال وهو رجل شرطة ”على الجبل مات أكثر من 30 شخصا جوعا. عاد بنا الزمن أكثر من مئة عام فوق الجبل” وروى كيف استبد اليأس برجل ما دفعه ليقتل نفسه وشقيقاته الخمس هربا من المعاناة. إلى ذلك، نزح الآلاف من الأكراد الإيزيديين إلى مخيم نوروز في بلدة عين ديوار الواقعة في ريف الحسكة شمال شرق سوريا. وأكّد الكاتب والسياسي الكردي السوري المعارض عدنان بوزان الأمين العام لحركة الشعب الكردستاني في سوريا ـ «ان تنظيم (داعش) نفذ هجمات شرسة على مناطق عدّة في إقليم كردستان العراق مثل سنجار وزمار التي تضم غالبيّة كرديّة من الطائفة الإيزيدية، حيث أرتكب فيها أبشع الجرائم بحقهم، من خلال نحر الرجال ( أي فصل الرأس عن الجسد) واختطاف نسائهم .» وأضاف ”ان مثل هذه الجرائم ليست الأولى من نوعها التي ترتكب بحق الطائفــــة الإيزيدية، ففي عهد الفــــتوحات والغزوات الإسلاميّة تكررت مثل هذه الأعمال وها نحن اليوم نرى السيناريو ذاتـــه يتكرر مع هذه الطائفة مرة أخرى تحت راية الإسلام، لكن في الحقيقة هدف تنظيم الدولة هو الخراب والدمار وتهجير السكان من أماكنهم، متسائلاً ” أي شريعة وأي دين يقبل بنحر الرجال واختطاف النساء”.
ويقول نبيل ياسين الذي أجرى دراسة واسعة عن تاريخ وثقافة الايزيديين في السبعينيات لـ ”القدس العربي” : «إن ما يتعرض له الإيزيديون على يد داعش يعتبر إبادة جماعية وتكفيرا وهو أمر مخجل تماما». ويضيف: ”لكي نكون موضوعيين فان الإسلام لم يتعرض لهذه الأقليات بالإبادة أو القتل . ان حماية الايزيديين لا تعني حماية الناس وأديانهم فحسب وإنما حماية التراث الإنساني الذي كانت الأقليات الدينية جزءا اساسيا منه». ويتابع ياسين الذي قضى اربعة عشر يوما في قرى ايزيدية في ضواحي سنجار: «ان حماية التاريخ تقتضي حماية الجغرافيا التي ترتبط بهذا التاريخ ولذلك فان عمليات تهجير الايزيديين ترتبط بمحاولات إبادتهم ونقلهم من جغرافيتهم التاريخية وتطهيرهم دينيا وإنسانيا.
انه من المخزي ان يحدث اليوم ما يحدث للأقليات الدينية والمذهبية في عصر يفترض انه عصر الديمقراطية وحقوق الإنسان. هناك أكثر من خمسين الف إنسان ايزيدي محاصر على سفوح جبل سنجار وتجري عمليا إغاثتهم بالماء والطعام».
ذبح وإبادة جماعية وتخيير بين
إعتناق الإسلام أو الموت
خلال ساعة واحدة من بعد ظهر يوم الجمعة ذُبح 80 ايزيدي وخطفت نسائهم على يد مسلحي داعش الذين وصلوا في مركبات إلى قرية بشمال العراق وقتلوا عشرات الايزيديين بعد أن خيروهم ما بين إعتناق الإسلام أو القتل. وقال أحد سكان قرية قريبة للنائب الايزيدي محما خليل: ”إن الدولة الإسلامية قضت خمسة أيام تحاول إقناع القرويين باعتناق الإسلام. بعد ذلك تم جمع الرجال وقتلوا بالرصاص”. وبحسب ميسر حجي صالح قائمقام قضاء سنجار بمحافظة نينوى شمالي العراق وضع داعش نحو أربعة آلاف عائلة إيزيدية أمام خيارين إما الإسلام أو القتل.
وقال كريستوف هينز مقرر الأمم المتحدة الخاص والمعني بحالات الإعدام خارج سلطة القضاء إن المنظمة الدولية تلقت تقارير تفيد بأن مقاتلي الدولة الإسلامية يطاردون أفراد الأقليات ويأمرونهم باعتناق الإسلام أو الموت.
ومنذ استولى مسلحو داعش على سنجار شُرد نحو 700 ألف إيزيدي قتل منهم 500 على الأقل خلال الهجوم الذي شنه التنظيم شمال البلاد. وقال الوزير محمد شياع السوداني أن المسلحين دفنوا بعض الضحايا أحياء، بمن في ذلك عدد من النساء والأطفال وأسروا 300 امرأة .
وقال: «لدينا أدلة قاطعة حصلنا عليها من الإيزيديين الناجين من الموت وكذلك صور لمواقع الجرائم تظهر بما لا تقبل الشك أن عصابات داعش قد أعدمت ما لا يقل عن 500 من الإيزيديين بعد دخولها سنجار». وأضاف: «بعض الضحايا ومن ضمنهم نساء وأطفال دفنوا أحياء في مقابر جماعية متفرقة في منطقة سنجار وأطرافها».
وتناقلت وسائل الإعلام قصص مأساوية للنازحين الذين وصلوا الى دهوك هرباً من بطش داعش منها فتيات ايزيديات القين بأنفسهن من فوق جبل سنجار تجنبا لاختطافهن على أيدي الجهاديين. فيما روى صحافي انه شاهد الكلاب تتغذى على جثث الموتى.
الإيزيديات يبعن
في أسواق النخاسة كسبايا
وصف شهود عيان رؤية نساء يرمين بأنفسهن من فوق الجبل لتجنب التعرض للاغتصاب وبيعهن كعبيد للجنس بعدما تناقلت مصادر عدة أن مسلحي داعش يقومون بعرض النساء المخطوفات للبيع كـسبايا بأسواق مدينة نينوى، المأساة التي أكدها الهلال الأحمر العراقي.
إلى ذلك، أكد عضو مجلس مفوضية حقوق الإنسان هيمن الباجلان أن عدد النساء المختطفات في بعض المناطق وصل إلى أكثر من 500 وإنهن تبلغن أن الجميلات بينهن سيتم تزويجهن إلى أمراء داعش. وقال شهود عيان إنه تم نقل الأيزيديات من بلدتي زمار وسنجار، إلى تلعفر وبعاج، وتم بيعهن كـ»سبايا» في أسواق أقيمت للنخاسة «بيع الرقيق» التي تعود جذورها إلى ما قبل التاريخ.
وكان تنظيم «داعش»، قد افتتح الشهر الماضي،»مكتبا للزواج» للنسوة اللواتي يرغبن في الاقتران بمسلحيه في المناطق التي يسيطر عليها في سوريا والعراق، حسبما أفاد «المرصد السوري لحقوق الإنسان». ونقل «المرصد» عن سكان الباب قولهم إن «داعش» طلبت من الراغبات بالزواج إدراج أسمائهن وعناوينهن لديها، «لكي يتمكن المسلحون الراغبون بالزواج من طرق أبوابهن وطلب الزواج منهن رسميا» حسب وصفه.
نبذة عن ثقافة وعقيدة الإيزيديين
لطالما عرف الإيزيديين، الذين ينتشرون في مناطق متفرقة في شمال العراق وسوريا، وجنوب غربي تركيا، بعدم رغبتهم في توضيح معتقداتهم للآخر وبعزلتهم عن العالم، بسبب تمركزهم في المناطق الجبلية. ويقول استاذ الدراسات الشرقية في جامعة كوتنكن الالمانية، الدكتور خليل جندي أن ما من دين جهله الناس واختلفوا في شأنه وظهوره ومعرفة اصله كالدين الايزيدي وذلك لأن هذه الطائفة تمارس طقوسها بعيدا عن انظار الغرباء.
وحول المزيد من التفاصيل عن هذه الطائفة وثقافتها اجرت ”القدس العربي” حديث خاص مع الكاتب نبيل ياسين الذي قدم شرحاً مفصلاً عن هذه الثقافة وتاريخها. وبحسب ياسين ان الايزيديين هم نتاج التاريخ الرافديني والبيئة العراقية. ورغم انهم يسكنون بالأصل تحت سفح جبل سنجار في قرى متناثرة غرب الموصل، الا ان لهم وجود في شمال الموصل وجنوبه أيضا في بحزاني وبعشيقة وفي الشيخان حيث المرقد المقدس لهم، وهو مرقد الشيخ عادي أو عدي بن مسافر في روايات أخرى. ويقول ياسين أن الديانة اليزيدية قديمة ورغم انها أصلا مانية مثنوية تقوم على الخير والشر الا انها اختلطت عبر مراحل متعددة بديانات أخرى مثل اليهودية والمسيحية والإسلام حيث تمارس هذه الطائفة الختان والتعميد وإشعال النيران على رؤوس الجبال في الواحد والعشرين من نيسان/ابريل كل عام. والمجتمع الايزيدي مكون من سبع طبقات دينية واجتماعية لايمكن ان تتزواج فيما بينها واهمها طبقة الامراء وتليها طبقة القراء وهم شيوخ الدين. كما انهم لايسمحون لشخص اجنبي، اي غير ايزيدي بالزواج من نسائهم وكانت هناك حادثة قتل فتاة قبل سنتين لانها احبت شخصا غير ايزيدي واردات الزواج منه. ويضيف ياسين: «لقد شهدت حين كنت اعد تحقيقا صحفيا واسعا عنهم في السبعينات نشر مصورا في مجلة (الف باء ) العراقية الاسبوعية، الرمز المقدس لهم وهو(طاووس ملك) وهو عبارة عن تمثال لطائر يشبه الديك .وهوبحجم قبضة اليد. ولم يكن مسموحا لاحد غير يزيدي برؤيته. وقد وافق شيخهم على حضور الطقس الديني دون السماح لنا بتصويره». والإيزيدية، حسب ياسين، لايمكن اعتناقها. فهي دين بالولادة . وهي طائفة لا تعبد الشيطان كما يشاع، بل هم يتجنبون ذكره خوفا منه باعتباره غاويا.
«وقد رأيت بعض مصاحف لإيزيديين اما في بعشيقة او بحزاني ، وهناك ختم شمع احمر على كلمة الشيطان حيثما وردت». وكثير من اسماء الايزيديين هي اسماء اسلامية .وهم لايعادون الاديان الاخرى رغم حملات القمع التي تعرضوا لها. وقد طلبوا من السلاطين العثمانيين عدة مرات اعفاءهم من الخدمة في الجيش والمشاركة في حروب الامبراطورية العثمانية وقد استجيب لطلبهم فيما بعد. وللايزيديين كتابهم المقدس واسمه الكتاب الاسود. كما يؤمن الإيزيديون أن «الشيخ عدي بن مسافر» تلقى وحيا من السماء، وأنهم شعب اختاره الله، ويعتبر مرقده الكائن في منطقة «شيخان» مكانا مقدسا، حيث يوجد معبد «لالش»، الذي يحج إليه الإيزيديون من العراق، ومن جميع أنحاء العالم. ولا توجد إحصائيات رسمية بعدد الايزيديين في العراق، لكن تقديرات ترجح ان عددهم لا يتجاوز 600 ألف نسمة.
ريما شري