جو كوكس: الموت من أجل الوحدة وضد الشوفينية والتطرف

حجم الخط
1

في آخر مقال كتبته النائبة العمالية جو كوكس، النائبة عن منطقة باتلي وسبين، في الصحيفة المحلية «يوركشاير بوست» هذا الشهر قالت:»نحن متحدون أكثر وما يجمعنا أكثر مما يفرقنا»، وقالت «أرجو أن لا تقعوا في حبال الخداع قبل 23 حزيران/يونيو وتصدقوا أن الطريقة الوحيدة لمعالجة مشكلة الهجرة هي عبر التصويت للخروج».
كانت كوكس نجمة صاعدة في حزب العمال، وجاءت إلى ويستمنستر بعد سنوات من العمل في مجال الإغاثة ودعم القضايا الإنسانية في دارفور والبلقان وافغانستان وفلسطين وسوريا التي حملت قضية لاجئيها معها إلى البرلمان. وكانت عقلا منفتحا يؤمن بأهمية الهجرة في إغناء الثقافة البريطانية. وفي خطابها الأول أمام البرلمان قالت، إن مدن وقرى يوركشاير التي تمثلها «قد تعززت حياتها بالهجرات الأيرلندية الكاثوليكية والمسلمين من غوجرات في الهند والباكستان خاصة كشمير». ولم يعجب انفتاحها ودعوتها للتسامح والبقاء ضمن العائلة الأوروبية الأصوات المتطرفة. ففي 17 حزيران/يونيو وقبل أسبوع من تنظيم الاستفتاء قام شخص اسمه توماس ماير بإطلاق النار عليها وهي تخرج من «عيادتها»(مكتب النائب الذي يقابل فيه المواطنين) وأطلق وصرخ «بريطانيا أولا». وعندما ظهر أمام المحكمة رفض تأكيد اسمه وقال «اسمي الموت للخونة والحرية لبريطانيا». وبات واضحا كما ورد في تصريحات زوج كوكس بيرندان، أن جو قتلت نظرا لمواقفها السياسية خاصة دعوتها للبقاء في أوروبا.

حملات قذرة

وجاء اغتيالها في ظل حملة شرسة وقذرة حول الاستفتاء على بقاء بريطانيا في الاتحاد الأوروبي. وكانت جو من أشد المؤيدين لمعسكر البقاء. وبقراءة المشهد بعد أسبوع من مقتلها فقد تغيرت بريطانيا وخرجت منقسمة من الاستفتاء حيث علا فيه صوت الداعين للخروج وهزم معسكر البقاء وانتهت مسيرة رئيس الوزراء ديفيد كاميرون الذي أعلن استقالته. ونجح معسكر اليمين بسبب تركيزه على الهجرة وتركيا وأسباب أخرى تتعلق بتغير المزاج السياسي كما لاحظت صحيفة «نيويورك تايمز» (24/6/2016). فقد دخل كاميرون ومعسكره الحملة متسلحا بانجازات اقتصادية ودعم من الرئيس الأمريكي باراك أوباما واستطلاعات رأي في صحفه وصحف وخبراء اقتصاد لكنه لم يستطع السيطرة على المزاج السياسي. ونجح معسكر اليمين الذي يمثله زعيم حزب الاستقلال، نايجل فاراج بحرف النقاش نحو الهجرة. وكشف الاستفتاء عن بريطانيا منقسمة بين اسكتلندا وانكلترا وكبار في السن وشباب وأهل حضر وريف، وفوق كل هذا شعور بالثورة ضد المؤسسة التي يمثلها قادة الاتحاد الأوروبي. وكما ترى صحيفة «فايننشال تايمز» (24/6/2016) فإن انتصار معسكر الخروج كان واضحا منذ البداية وقبل الحملات الرسمية. فقد كان لديه الرموز المناسبة والرؤية التي عبرت عن فكرة الهجرة والتخويف منه وخاطبت عواطف الناخب البريطاني أكثر من عقله.

النوم مع العدو

ولعل العامل الأهم في نجاح معسكر الخروج هو استعداد شخصيات سياسية تمثل المؤسسة المحافظة «النوم في نفس الغرفة» مع اليمين المتطرف. فوقوف بوريس جونسون، عمدة لندن السابق ومايكل غوف، وزير العدل إلى جانب فاراج والتيار المتمرد من حزب المحافظين، أضفى على مجموعة صغيرة وهامشية، شرعية في أعين الناخب البريطاني حسب روينا ميسون في صحيفة «الغارديان» (24/6/2016). وهو ما قاد بطريقة أو بأخرى لسيطرة النزعات المتطرفة وعدم التسامح الذي طبع حملة الاستفتاء. وجاء مقتل جو كوكس ليعبر عن مدى التوتر في المجتمع البريطاني، فهي في النهاية ضحية للحملات الإعلامية التي حذرت نفسها الناخب البريطاني من الوقوع في أسرها. فهذه أول مرة يقتل فيها نائب بريطاني منذ نهاية ما يعرف بـ «المشاكل» أي الأزمة في أيرلندا الشمالية. وقادت الكثيرين للتساؤل حول الكيفية التي فقد فيها بلد مستقر ومزدهر اقتصاديا عقله ويختلف حول عضوية كتلة تجارية- الاتحاد الأوروبي.

غضب

ويرى جوناثان هوبكنز من مدرسة لندن للاقتصاد على هذا السؤال بمقاربة له في «فورين أفيرز» (21/6/2016) أن الإجابة على هذا السؤال تقتضي فهم الطريقة التي انقسمت فيها بريطانيا إلى جيل شاب متعلم منفتخ وحضري، ضد جيل أكبر عمرا ريفي أقل تعليما وفقيرا يعيش في المناطق الريفية. وهو الانقسام نفسه الذي أدى إلى صعود جماعات اليمين المتطرف في أوروبا والولايات المتحدة. ففي بريطانيا يشعر الناخبون بالغضب بسبب وضعهم المالي وتراجع مستويات المعيشة وفقدان الوظائف ووجدوا في المهاجرين الذين وصلوا إلى شواطئ بلادهم شماعة علقواعليها كل مشاكلهم. ويقول إن حزب الاستقلال الداعي للخروج من أوروبا استطاع تجيير مشاعر الإحباط لصالحه وتحويلها لانتصارات في البرلمان الأوروبي والبريطاني. ومع أنه استطاع إيصال نائب واحد له إلى البرلمان إلا أنه استفاد من الإنقسام داخل حزب المحافظين بشأن أوروبا والذي يعود إلى فترة ولاية جون ميجر عام 1990 الذي انضم لوحدة النقد الأوروبية التي أصبحت يورو ليعود وينسحب منها بعد عامين بسبب تمرد المتشككين من أوروبا. وفي عام 1997 خسر المحافظون السلطة واستقال جون ميجر. وعندما قاد كاميرون حزبه إلى السلطة مرة أخرى عرض تنظيم استفتاء على عضوية الاتحاد الأوروبي قبل انتخابات عام 2015. وكانت محاولة منه لترضية نواب المقاعد الخلفية ومخاوفه من خسارة الحزب الانتخابات، إلا أن فوزه الساحق لم يترك أمامه فرصة إلا الوفاء بوعده. ونظرا لخروج عدد من وزرائه لدعم الحملة وتردد زعيم حزب العمال جيرمي كوربن الذي لم يظهر إلا نادرا في حملات الاستفتاء فإن الصوت العالي ظل صوت نايجل فاراج وحزبه. واتسم الخطاب بنزعة معادية للأجانب والوعود الفارغة والتضليل. وبحسب استطلاع لـ «إبسوس- موري» فمعظم الناخبين البريطانيين لديهم معرفة بسيطة بطريقة عمل الاتحاد الأوروبي وعادة ما يبالغون في عدد المهاجرين الذين أقاموا في بريطانيا ومساهمتهم بالميزانية الأوروبية. ويرى هوبكنز أن الإعلام المطبوع نظرا لدعمه حملة الخروج بشكل عام أسهم في هذه الحالة من التضليل. وفي ضوء فقدان الثقة بالمؤسسات المالية الكبرى التي فشلت بالتكهن بالأزمة المالية العالمية عام 2008 فإن الاستفتاء على الخروج كان بمثابة استفتاء على السلطة الرئيسية التي فشلت في تحسين الأوضاع الاقتصادية. ومن هنا فالتصويت ضد أوروبا هو تصويت ضد من يحتلون المناصب العليا واستفادوا من الاقتصاد العالمي على حسابهم. وكان يمكن تفهم مصادر قلق الطبقة المحرومة من ثمار العولمة وحرية الحركة لم تقد اللغة الشوفينية المستخدمة لإعدام نائبة في وضح النهار. وعلق روجر كوهين في «نيويورك تايمز» (20/6/2016) على مجمل الحملات التي قادها فريق الخروج بأنها «السم»- الذي قاد وإن بطريقة غير مباشرة إلى قتل جو كوكس، قائلا «في السياسة هناك مسألة تتعلق بمن ترافق» فمن طالبوا بخروج بريطانيا من أوروبا عبروا عن استعداد لمرافقة أشخاص يكرهون الأجانب مثل ماير، وتغاضوا عن الأكاذيب حول أوروبا والأجانب لقطع علاقة بريطانيا مع جيرانها. ويعلق كوهين «هذه ليست بريطانيا التي أعرف وهي ليست بريطانيا التي قبلت والدي المهاجرين اليهوديين من جنوب أفريقيا وسمحت لهم بالإزدهار، وهذه ليست بريطانيا التي يعبر علم وحدتها- إنكلترا واسكتلندا وويلز وأيرلندا الشمالية عن التماهي الناجح. وهذه ليست بريطانيا التي تعتبر عاصمتها من أعظم المدن لأن انفتاحها جعلها مكانا لكل لسان ولغة». ويذكر كوهين صرخة مساعدة جو كوكس فضيلة أصوات «إنهضي جو» «لا أستطيع فالألم مبرح» وكانت هذه هي كلماتها الأخيرة.
وناشد كوهـــين بريطانيا «من أجل كوكس وولديها ومن أجل فضيلة أصوات، ومن أجل تاريخ بريطانيا وانفتاحها إنهضي وارفضي دعاة الكراهية وصوتي للبقاء في أوروبا» وللأسف لم تستمع بريطانيا لندائه وغلبت صوت الخوف.

أخطر من الإرهاب الإسلامي

وعلى العموم كشف مقتل جو كوكس عن خطر اليمين المتطرف الذي اعترف تقرير لمعهد الدراسات المتحدة (روسي) في لندن أنه يقتل ويجرح أشخاصا أكثر من الهجمات التي ينفذها إرهابيون إسلاميون. ففي تقرير «مواجهة الإرهابي المتوحد» أشار فيه إلى الخطر الذي يمثله اليمين المتطرف على الرأي العام بشكل يدعو لعدم تجاهله. ففي الفترة بين 2000- 2014 قتل 94 و 260 شخصا على يد الإرهابيين من اليمين المتطرف. وبالمقارنة مع هذه فقد أدت هجمات مدفوعة بدوافع دينية وبالفترة نفسها إلى مقتل 16 شخصا وجرح 65 أخرين. وورد في التقرير الذي صدر يوم 22 حزيران/يونيو «يمثل اليمين المتطرف ملمحا مهما في أفعال الفاعلين الفرديين ويجب عدم تجاوزه». وجاء فيه أن اليمين هذا كان مسؤولا عن 98 مؤامرة و 72 هجوما في 30 دولة عبر أوروبا منها النرويج وسويسرا. ويرى معدو التقرير أن تركيز الرأي العام والإعلام على مخاطر الإرهاب الإسلامي يقف على التضاد مع التهديد الذي تمثله «الذئاب المتوحدة». وفي تطور آخر أعلن البرلمان البريطاني عن تشكيل لجنة للتحقيق في نشاطات اليمين المتطرف. وأجبرت المؤسسات الأمنية لإعادة التركيز على ملف اليمين المتطرف الذي تم تجاهله على حساب الانشغال والهوس الدائم بما يطلق عليه الإرهاب الإسلامي. ومع ذلك فخطر اليمين كان واضحا وتهديده على الجدار. ففي عام 2013 حذر مدير وحدة مكافحة الإرهاب السابق تشارلز فار من تزايد الهجمات التي ينفذها «الذئب المتوحد» من اليمين المتطرف. وقال إن هؤلاء لديهم القدرة للحصول السلاح، مشيرا إلى أن كميات الأسلحة الكبيرة التي عثر عليها في السنوات الماضية ضبطت في حيازة اليمين المتطرف. ونقلت صحيفة «الغارديان» عن مسؤول برنامج «بريفنت» لمكافحة التشدد، قوله إن هناك تباينا في العنف وأشكاله، مع أنه يركز على التشدد الديني، وكشف عن أن عناصر اليمين المتطرف، الذين تتم إحالتهم إلى برنامج مكافحة التشدد في يوركشاير، يشكلون نسبة نصف الحالات، ويشكلون نسبة 30٪ من الحالات في إيست ميدلاند. ويبدو أن هذا اليمين قد طور جيوبا له في مناطق عدة في بريطانيا خارج مدينة لندن. وحذرت منظمة «هوب نو هيت» (أمل لا كراهية) من خطورة اليمين المتطرف، قائلة إن هذا التيار بدأ بالظهور والانتعاش في بعض الجيوب حول بريطانيا، ويجب عدم التقليل من شأنه، مشيرة إلى تزايد التظاهرات التي نظمها اليمين المتطرف مع أن الأعداد المشاركة فيها ليست كبيرة. وأدى صعود وانهيار الحزب القومي البريطاني ومجلس الدفاع الإنكليزي إلى ظهور منشقين عنهما باتوا يشكلون خطورة أكبر وأكثر ميلا للترويج للعنف وارتكابه. ففي كانون الثاني/يناير، نظمت جماعات يمينية في ميناء دوفر؛ احتجاجات على استقبال بريطانيا اللاجئين، وضمت «الجبهة الوطنية»، «تحالف جنوب شرق»، و«الوطنيون الإنكليز في شرق كينت». وكشف لاحقا أن قاتل كوكس كانت له علاقات مع النازيين الجدد في الولايات المتحدة واشترك في مجلة «أس إي باتريوت» وهي مجلة في جنوب أفريقيا يصدرها «وايت راينو كلاب» ومؤيدة للتمييز العنصري واحتوت على مقالات تعارض «التعددية الثقافية» و «توسع الإسلام». كما وتأثر بأدبيات «التحالف الوطني» وهم جماعة يمينية داعية للفصل العنصري في الولايات وأنشأها ويليام بيرس عام 1974 وتأثر بأدبياته منفذ تفجير أوكلاهوما عام1995 تيموتي ماكفي.

إسلاموفوبيا

وكانت جو كوكس واعية للخطر الذي تمثله هذه الجماعات وتعاونت على إعداد تقرير عن الاعتداءات ضد المسلمين المتهم بتنفيذها جماعات يمينية متطرفة. ورصد التقرير زيادة حوادث الإسلاموفوبيا خلال العام الماضي بالتعاون مع منظمة مراقبة الحوادث المعادية للمسلمين، المعروفة اختصارا بـ»تيل ماما»، وكشف عن زيادة بنسبة 80٪ في الحوادث المعادية للمسلمين. وحذرت من أن ويست يوركشاير أصبحت مركزا للتطرف اليميني في البلاد. وكشفت كوكس أن المشاعر المعادية للمسلمين سيئة لدرجة «تشعر فيها المرأة بالخوف للخروج إلى الشارع».

جو كوكس: الموت من أجل الوحدة وضد الشوفينية والتطرف

إبراهيم درويش

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية