حقق الكاتب والصحافي اللبناني نقولا ناصيف كتاباً ـ موسوعة، عن الحرب الأهلية اللبنانية (1975 ـ 1990) وانعكاساتها على الانقسام في الجيش اللبناني في تلك الفترة. أهم ما في فصول الكتاب الخمسة فصله الأول الذي تناول فيه دور ما سُميَ «جيش لبنان العربي» بقيادة الضابط اللبناني المنشق احمد الخطيب، الذي انفصل عن الجيش اللبناني الرسمي في السنتين الأوليين للحرب بدعم من «الحركة الوطنية اللبنانية» والقيادة الفلسطينية لمنظمة «فتح» في لبنان.
استند نقولا ناصيف في «جيوش لبنان: انقسامات وولاءات» على مقابلات أجراها مع كبار الشخصيات اللبنانية والسورية (خصوصاً العسكرية منها) التي لعبت دورا رئيسياً في أحداث تلك المرحلة وإلى مصادر أولية ووثائق هامة حصل عليها من خلال أبحاثه المعمقة وعلاقاته الوثيقة مع مراكز الأبحاث وأصحاب القرار في لبنان ماضياً وحاضراً. كما اطّلع على مذكرات عدد من هؤلاء القادة والشخصيات.
في الفصل الأول، يورد وقائع عن دور الإمام «المغيّب» موسى الصدر مؤسس حركة «أمل» ومعاونه الشيخ محمد يعقوب الذي غُيّبَ معه في التعامل مع «جيش لبنان العربي» قد تكون مفيدة في فهم ما حدث لاحقاً لدى زيارة (قائد حركة المحرومين الشيعية اللبنانية) الإمام الصدر إلى ليبيا ومقابلته قائدها آنذاك الزعيم معمر القذافي واختفاؤه بعدها في أواخر سبعينيات القرن الماضي.
يقول ناصيف في الصفحة (40) ان الإمام الصدر رفض تأييد الانشقاق الذي نفذه الضابط احمد الخطيب وأعوانه، فيما رحب به عدد من قادة الطائفة السنّية في لبنان إلى جانب القيادات اليسارية اللبنانية والقيادات الفلسطينية المؤيدة للرئيس ياسر عرفات ومعاونه خليل الوزير ولقائد الحركة الوطنية اللبنانية الراحل كمال جنبلاط.
ويضيف في الصفحة (43) من الفصل الأول أنه منذ بداية «العصيان» لم تتلقَ دمشق بترحيب ظاهرة احمد الخطيب وجيشه، وأبلغت القيادة السورية هذا الأمر إلى القيادة الفلسطينية، خصوصا بعد حدوث محاولة لاغتيال نائب الرئيس السوري (آنذاك) عبد الحليم خدام في 27 كانون الثاني (يناير) 1976 المكلّف الملف اللبناني، هو والعمادان حكمت الشهابي وناجي جميل. ونتيجة لذلك، اتصل القائد خليل الوزير (أبو جهاد) باحمد الخطيب منبهاً إياه ان القيادة السورية قد تستخدم محاولة الاغتيال هذه لمواجهة «جيش لبنان العربي» عسكرياً. ونفى الخطيب لأبي جهاد هذه التهمة قائلا ان عناصر جيشه لم تعرف بوجود خدام في الموكب الذي تعرّض لإطلاق الرصاص. وشدد على ان حركته هدفت إلى تحويل بندقية الجيش اللبناني لمواجهة إسرائيل بدلاً من المهادنة معها ومواجهة المقاومين.
وتصاعدت حدة الموقف السوري الرسمي، حسب الكاتب، ضد الخطيب، حيث ضغط وزير الدفاع آنذاك العماد مصطفى طلاس عليه للعودة إلى الجيش الشرعي لأن سوريا رأت ان جيش الخطيب «من صنيعة ياسر عرفات».
والواقع (حسب ناصيف) انه بعد تصاعد خلاف الرئيس عرفات مع النظام السوري، دعا الرئيس الفلسطيني «جيش لبنان العربي» إلى توسيع انتشاره في البقاع فيما ازداد غضبُ سوريا إزاء هذا التحدي لأن دمشق لم ترغب بوجود هذا الجيش بقوة على حدودها، حسب ما أبلغ الخطيب الزعيم كمال جنبلاط في لقاء معه اشتكى فيه من ضغوط سوريا عليه (ص 45 ـ 46).
وما يؤكد (حسب الكتاب) ان سوريا كانت معارضة بشدة لجيش لبنان العربي ولدعم الحركة الوطنية اللبنانية له أنه في اجتماع عُقد في منزل مفتي الجمهورية الراحل حسن خالد في (3/1/1976) قال الوزير عبد الحليم خدام لزعماء لبنان المسلمين أن سوريا غير مرتاحة لدعمهم «جيش لبنان العربي». وفي اجتماع لاحق مع هؤلاء الزعماء في بيت الطائفة الدرزية في بيروت في 26 شباط (فبراير) 1976 قال خدّام لكمال جنبلاط، إذا لم ينته احمد الخطيب في لبنان وثبّت مواقعه في البقاع وفي ثكناته العسكرية (خصوصا الجوية منها كثكنة رياق) فسيصبح مشكلة مقلقة لسوريا وانه حان الوقت لأن يتوقف عرفات وجنبلاط عن دعمهما للخطيب.
ولم يتمثل جنبلاط لهذا التهديد المبطن ورأى ان وحدات الجيش اللبناني الرسمي آنذاك تعاملت مع حزبي الكتائب والأحرار وركزت على مواجهتها ضد احمد الخطيب فلا يجوز معاملته سلباً من المقاومة.
ودعم موقف جنبلاط آنذاك المفتي الشيخ حسن خالد والشيخ الدرزي محمد أبو شقران فيما أكد خدام ان الخطيب يسعى لاحتلال مطار رياق وان ليبيا القذافي قد ترسل له طائرات عسكرية إلى المطار، وإذا حصل ذلك فان سوريا ستضربه عسكرياً. ولم يفهم جنبلاط وعرفات والمفتي حسن خالد هذه الرسالة وأصر عرفات على ان جيش اليرزة اللبناني الرسمي ضرب المقاومة ولم تصدر أي مذكرات توقيف بحق منفذي هذه العمليات فيما دعم الخطيب المقاومة بتواصل.
وقبل ان يتواجه خدام مباشرة مع قيادات الحركة الوطنية حاول التوسط مع قائد الجيش اللبناني آنذاك حنا سعيد لإعادة الخطيب ومجموعته إلى ثكناتهم ولكنه لم ينجح. وبالتالي، حدثت انقسامات في قيادات «جيش لبنان العربي» بين جهات مؤيدة للتعاون مع سوريا وأخرى بقيادة الخطيب راغبة باستمرار التعاون مع الحركة الوطنية اللبنانية والمقاومة الفلسطينية. وفي معظم هذه المراحل كان الإمام موسى الصدر يحاول التوسط لتخفيف حدة الاحتقان. واندرجت زيارته إلى ليبيا (آنذاك) التي اختفى من بعدها، في مجال محاولة تخفيف التوتر والوساطة بين ليبيا وسوريا في الشأن اللبناني لمنع تفاقم الأمور.
وفي القسم الثاني عشر من الفصل الأول بعنوان: «الزنزانة رقم 3» يشير الكاتب إلى ان احمد الخطيب ذهب إلى كمال جنبلاط في 22 كانون الثاني (يناير) 1977 (أي قبل شهر ونصف تقريبا على اغتيال جنبلاط) وأبلغه عن الضغوط التي تلاحقه من الجانب السوري لمغادرة بيروت إلى الجنوب، وخصوصاً بعدما أعطت «الجامعة العربية» الشرعية لوجود القوات السورية في لبنان لتصبح قوات أمن عربية، حيث أمرت القوات السورية قادة «جيش لبنان العربي» بإخلاء الثكنات التي احتلوها في بيروت. وبالتالي، أصبح احمد الخطيب وحيداً أمام سوريا. وهنا أتت برقية من قيادة قوات الردع العربية اللبنانية تطلب اعتقال احمد الخطيب، فأذعن الخطيب عندما قيل له انه سيقابل قائداً سورياً كبيراً في شتورة في البقاع (لبنان) ولكنه نُقل هو والضابط مصطفى حمدان وأعوانهما إلى سجن المزة في سوريا بأمر من العماد مصطفى طلاس، حيث تعرضا للاستجواب والضغوط الجسدية والمعنوية (ص 172 ـ 173). وكانت أسئلة المحققين السوريين له عن دور جيشه في مواجهة القوات السورية التي دخلت إلى مدينة صيدا عام 1976. وقد اغتيل جنبلاط أثناء مكوث الخطيب وحمدان في السجن السوري. وهناك، شاهدا معتقلين بارزين اثنين هما الرئيس السوري السابق نور الدين الأتاسي وقائد سوريا العسكري السابق صلاح جديد. وكانا، حسب ما قال الخطيب المؤلف، في حالة يُرثى لها، وفي شبه عزل كامل. وذكر الخطيب ان الإمام الصدر توسط له مع القيادة السورية لمشاهدة زوجته ووالدته في أحد المراحل وهو في السجن لأن عائلته لم تكن تعلم انه معتقل في سوريا.
ويقول المؤلف ان هذه الصفحة طويت مؤقتاً بعد الإفراج عن الخطيب، وفُتحت صفحة جديدة لعلاقة الخطيب مع سوريا. ولكن قائد «جيش لبنان العربي» استمر في حذره في تعامله مع القيادات الأمنية السورية وفكرّ مراراً بالعودة إلى الجيش اللبناني أو بإعادة احياء «جيش لبنان العربي» بعد ان أصبح حليفاً مؤقتاً لسوريا في مواجهة النظام اللبناني والقوات اللبنانية بعد الاجتياح الإسرائيلي للبنان في عام 1982 برغم استمرار علاقته بعرفات.
وسُرّح الخطيب من الجيش اللبناني بلا محاكمة خلال رئاسة أمين الجميل للبنان. وبعد قيامه بدور لدعم عرفات في مواقفه في طرابلس وتحالفه مع الشيخ سعيد شعبان هناك في مواجهة حلفاء سوريا، خسر الخطيب رهانه مرة ثانية بالتحالف مع عرفات واضطر للانتقال إلى قبرص قبل ان يتوسط له القذافي مع الأسد للعودة إلى لبنان وان يقضي باقي حياته مع عائلته في بيروت قبل وفاته في 8 شباط (فبراير) عام 2014 من جراء قصور في القلب عن 71 عاماً.
ومن الأمور اللافتة في الفصول الأولى أن الكاتب يوضح حنكة و«مكيافيلية» القيادة السورية في لبنان خلال فترة حكم الرئيس السوري الراحل حافظ الأسد. فمن أهم الأمور العسكرية بالنسبة إلى تلك القيادة كان عدم سقوط القاعدة الجوية العسكرية في رياق في يد «جيش لبنان العربي» أو أي قوة أخرى خوفاً من قدوم طائرات من دول كليبيا وغيرها لتنضّم إلى قافلة الطائرات الموجودة هناك وإمكان استخدام الطيارين الثلاثين والطوافات العسكرية وطائرات الميراج العشر هناك سلباً ضد سوريا. وهوجمت هذه القاعدة من أطراف عديدة، ولكن قائدها العسكري اللبناني صمد بدعم سوري من أعلى القيادات (حكمت الشهابي وحافظ الأسد). وقال الشهابي لقائد القاعدة: «أنتم نواة الجيش اللبناني الجديد» (ص 234).
ودعم الإمام الصدر التعاون بين الجيشين اللبناني والسوري، وقام بمبادرات فاعلة في هذا المجال آخرها زيارته لليبيا للمزيد من الوساطة، ويبدو ان جهة ما لم ترغب باستمرار نجاح وساطاته لتهدئة الأمور.
نقولا ناصيف: «جيوش لبنان: انقسامات وولاءات»
بيروت 2017
528 صفحة.