لم أفرغ من قراءة التقرير الذي أعلنت به بعض الجرائد نبأ وفاة أستاذ النحو واللغويات التونسي عبد القادر المهيري حتى كان شريط الأخبار العاجلة يعلن نبأ وفاة الدبلوماسي والكاتب اللبناني العروبي المعروف كلوفيس مقصود. هكذا تتسارع وتيرة رحيل رجالات الجيل التأسيسي في السياسة والثقافة في دنيا العرب. ويتزامن النبآن مع قراءتي للحوار الذي أخرجته مؤسسة دار النهار اللبنانية، في شكل كتاب باللغة الفرنسية، بين السياسي والكاتب اللبناني الراحل غسان تويني، والصحافي والكاتب الفرنسي الراحل جان لاكوتير والمؤرخ الفرنسي اللبناني الأصل جيرار خوري. قراءة تتمازج فيها متعة الانغماس في هذا التأريخ الثلاثي للقرن العشرين العربي «الذي ضاع سدى» مع تجدد الحسرة على مضيّ جيل التأسيس في السياسة والصحافة.
فقد كان جان لاكوتير (الذي توفي الصيف الماضي في سن الرابعة والتسعين) بمثابة الأسطورة في فن الصحافة الفرنسية منذ عمل مطلع الخمسينيات مراسلا متجولا ثم مسؤولا عن الأخبار الدولية في جريدة لوموند. وقد واكب حركات التحرر الوطني من منطلق الالتزام اليساري بقضايا العالم الثالث، وكان له اهتمام أصيل بالعالم العربي. ولأنه نفذ من الصحافة إلى الجوهر، فقد صار كاتبا ومؤرخا مرموقا. وكان مؤلفا غزير الإنتاج خصوصا في مجال التراجم والسير، حيث أنه نشر سير كل من جمال عبد الناصر، والزعيم الفيتنامي هوشي منه، والجنرال ديغول، والرئيس كندي، وليون بلوم (زعيم الجبهة الشعبية اليسارية التي حكمت فرنسا عام 1936)، وبيار منداس فرانس (الذي نال المغرب وتونس الاستقلال في عهده)، وميتران… كما كتب، في الثقافة، عن سير أندريه مالرو، وفرانسوا مورياك، ومونتاني، ومونتسكيو، وستندال، وألكسندر دوما…
أما غسان تويني (الذي توفي صيف 2012)، فإني أرى أنه لم يحظ، على صعيد العالم العربي، بالمكانة التي هو بها جدير. وقد يكون من أسباب ذلك أن الراحل محمد حسنين هيكل قد نجح في الاستئثار بالأضواء. ومع ذلك فقد كان غسان تويني من أبرع الصحافيين العرب طيلة النصف الثاني من القرن العشرين ومن أبصرهم بالوقائع والحقائق وأقدرهم على وضعها في نصابها التاريخي الصحيح، رغم أنه لم يقيض له ما قيض لهيكل من الإشعاع والنفوذ الناجمين أساسا عن الارتباط بزعيم سياسي ذي شعبية فائقة. ولا أعتقد أن هنالك من حلّل «منطق الحرب» الأهلية اللبنانية بأفضل مما فعل غسان تويني في شهادته الشخصية البليغة التي نشرها بالفرنسية عام 1985 في باريس بعنوان «حرب من أجل الآخرين».
كان لعبد القادر المهيري تأثير كبير في تحديد مناهج تعليم اللغة العربية في تونس منذ بدء الستينيات. ولا يكاد يخلو كتاب مدرسي في فن النحو واللغة من اسمه عضوا أو رئيسا للجنة التأليف. قابلته مرة واحدة أثناء زيارة قام بها عام 1988 إلى أمريكا مع وفد من أساتذة الجامعة التونسية.
أكد على أهمية إتقان الأجيال الناشئة في تونس للانكليزية، لأن الفرنسية لم تعد تكفي. سألته لماذا لم ينجز اللغويون في المغرب العربي قاموسا عربيا فرنسيا يضاهي قاموس «المنهل» للبنانيين سهيل إدريس وجبور عبد النور، فأجابني إجابة لم تقنعني. ولكني شاهدته بعد الثورة متحدثا على التلفزيون، فلاحظت أن هم البحث وتأصيل المعرفة اللغوية وتعميمها لا يزال يحدوه.
أما كلوفيس مقصود فقد قابلته عام 2004 في نيويورك مع جمع من الصحافيين والدبلوماسيين العرب. كان مما رواه لنا أنه لما ذهب، مطلع الستينيات، سفيرا لجامعة الدول العربية في الهند، اكتشف أن الهنود المسلمين لم يكونوا على علم البتة بوجود المسيحيين العرب! كانوا يظنون أن جميع العرب مسلمون! ولهذا فإن اسم كلوفيس أوقعهم في حيص بيص. ولكن عندما دعي لإلقاء أول خطاب له في مناسبة رسمية، تفتق ذهن منظمي الحفل عن حل عبقري:فقد قرروا تسميته «محمد كلوفيس مقصود»! وهكذا كان. وبلغ الخبر جمال عبد الناصر، فكان كلما رآه في القاهرة طلب منه ضاحكا أن يروي له قصة محمد كلوفيس….
٭ كاتب تونسي
مالك التريكي